فهرس الكتاب

الصفحة 2466 من 3028

ولو ان الدعاة الى التغريب كانوا يفصلون بين العلم والثقافة، وبين الحقول التي نجد فيها عجزا وتخلفا والحقول التي نملك فيها غنى وثروة، وناءخذ من الغرب ما نحتاجه نحن من العلم والصناعة، ونرجع الى رصيدنا وتراثنا، فيما اغنانا اللّهتعالى من كنز المعرفة والاخلاق والحضارة والعقيدة والفلسفة والمعرفة، لنصدره لهم... اقول: ولو ان دعاة التغريب كانوايفصلون بين العلم والثقافة، وبين ما نحتاج اليه وما نستغني عنه، لم نكن ندخل في شيء من هذه المداخل التي اساءت الى حاضرنا وماضينا وحضارتنا، واغنونا فيما نحن نحتاج اليه من العلوم والاختصاصات التي نفقدها نحن، من دون ان يفصلونا عن تاءريخنا وحضارتنا وماضينا واصالتنا التاءريخية.

لكن الضعف النفسي والهزيمة النفسية في مواجهة التطور العلمي والتكنولوجي في الغرب، ادى بنا الى ان نتنكر لانفسناولتراثنا وحضارتنا، وان نرمي باءنفسنا في احضان الغرب والشرق من دون اية حسابات وموازنات، ومن دون تقويم وانتقاء وانتقاد، ومن دون ان يكون لنا - على الاقل - حق النظر في هذه الحضارة لنقومها ونميز خيرها من شرها.

ويتوارى هؤلاء - في الغالب- خلف الكلمات الضبابية في الاعلان عن حقيقة رايهم وموقفهم في هذه المساءلة الخطيرة.

وحقيقة الامر ان هؤلاء يشكون في امكانية الرجوع الى «الاسلام» لفرز الصحيح عن الخطاء، ولانتقاد الحضارة الغربية.

ولنستمع الى الدكتور احمد عبد الرحيم مصطفى في هذه المقولة: «وبدت صعوبة هذه المشكلة في انه لم يسهل تحديدما يتمشى وما لا يتمشى مع الشريعة، اي الاطار القانوني الاسلامي، اذ ان مسايرة العصر اتجاه ضعيف في الاسلام، على اعتبار انه من الصعب تطوير منهاج ذيءصول الهية» .

ثم يكشف الكاتب حقيقة الموقف وخلفيات هذه الدعوة من دون ستار وصراحة باسم «قلة من المصلحين» فيقول: «واتجهت قلة من المصلحين الى التصريح باءن القوانين الاسلامية مشتقة من بداية التجربة المدنية للعرب، بمعنى انهاكانت مجرد استجابة لمتطلبات هذه الفترة الاجتماعية، الامر الذي يستلزم اعادة النظر فيها بحسب الظروف المتغيرة» .

هذه هي حقيقة الموقف. ان المواقف الاستسلامية تجاه الحضارة الغربية تستبطن امرين اثنين، اولهما: الهزيمة النفسية والاحساس بالضعف تجاه الحضارة الغربية، وثانيهما:

عدم الايمان برسالة اللّه والشك في ان هذه الرسالة من اللّه العلي القدير، او الشك في وجود اللّه تعالى راسا.

نظرية ارنولد توينبي ونقدها 1- النظرية يرى «توينبي» ان عملية الاقتباس الحضاري والمدني يجب ان تتم بصورة شاملة او لا تتم، ويءمة عندما تتعرض لبعض الاجزاء والعناصر المقومة لحضارة اءخرى تستطيع هذه الاجزاء والعناصر الحضارية الغريبة والمتناثرة اءن تخترق جسم هذه الامة، لتتحول هذه الاجزاء والعناصر، وهي تعمل في جسم آخر غير جسمها، وفي وسط آخر غير وسطها، الى اجزاء مدمرة وضارة.

وننقل، في ما يلي، كلام توينبي بصورة دقيقة، فهو يقول:

«حين يتم تحليل شعاع حضاري متحرك الى العناصر التي يتاءلف منها تكنولوجيا وسياسيا ودينيا وفنيا... الخ، وذلك بفعل المقاومة التي يبذلها كيان اجتماعي اجنبي تعرض لفاعلية، فان التكنولوجيا تكون اسرع واعمق تغلغلا من الدين.ومن الممكن ان نعبر عن هذا القانون بصيغ ادق من هذه، فبامكاننا ان نذهب الى ان قوة اختراق عنصر من عناصرالاشعاع الثقافي تتناسب تناسبا عكسيا مع قيمة العنصر من الناحية الثقافية، اذ يثير العنصر التافه في الجسم المتعرض للهجوم مقاومة اقل مما يثيره العنصر الهام، ومن الواضح ان هذا الاختيار الثقافي لاتفه العناصر في ثقافة مشعة لنشرهاعلى مدى اوسع في الخارج يشكل قاعدة سيئة الحظ للعبة الاتصال الثقافي، الا ان هذا الاتجاه التافه ليس الا اسوا ما في اللعبة، فان نفس عملية التحليل التي هي جوهر اللعبة تنذر بتسميم حياة المجتمع الذي يتغلغل في كيانه الاجتماعي عناصر متعددة من شعاع حضاري متفكك.

ويشبه العنصر المنفلت من عناصر الاشعاع الحضاري الكترونا منفلتا او مرضا معديا منفلتا، من حيث انه قد تثبت فاعليته المدمرة حين ينفصل عن النظام الذي كان يحكمه ذلك الوقت، ويصبح حرا في ان ينظم نفسه في جو مخالف.

فهذا العنصر الثقافي، او الميكروب، او الالكترون كان لا يتجه في نظامه الاصلي الى التدمير حين كان يحد من فعاليته ارتباطه بجزئيات اخرى داخلة في نطاق نمط تتوازن اجزاؤه، ولا تتغير طبيعة الجزيء، او الميكروب المنفلت او الوحدة الحضارية المنفلتة حين يتحرر كل منها من نمطه الاصلي، الا ان نفس هذه الطبيعة تكون اميل الى التدمير بعد ان ينفصل عن ارتباطاته الاصلية التي كان في ظلها عديم الضرر، وفي ظل مثل هذه الاحوال يكون لحم رجل ما ساما لرجل آخر».

والنتيجة التي يقصدها توينبي من هذاالكلام ان الامة عندما تتعرض لضرورة الاقتباس والاخذ من اءمة اءخرى، يجب اءن تفكر في التخلص الكامل من شخصيتها واصالتها وقيمها وحضارتها وتنصهر بصورة كاملة في الامة التي تعيش فيها ثقافة وخلقا وحضارة وعلما وصناعة، ولا يمكن الفصل بين هذه الاجزاء والعناصر لتختار من هذه الحضارة ما تشاء وتترك ماتشاء.

2-نقد النظرية وهذه النظرية تخضع لكثير من المناقشة والنقد. فان الاقتباس، وعلاقة الاخذ والعطاء، والتبادل بين اءمتين وحضارتين يتم في مجالين هما: المجال العلمي، والمجال الثقافي.

والاول يخضع للثاني، ويتكيف بموجب اوضاعه وظروفه. كما ان الثاني يحكم الاول ويصبغه بصبغته الخاصة،فالمسائل العلمية، كالجراحة والصيدلة والطب والرياضيات والهندسة والكهرباء والذرة والميكانيك تخضع لمسائل من نوع آخر في الاخلاق والمعرفة والعقيدة والفلسفة والادب، وهي المسائل الثقافية في حياة الانسان.

كما ان مسائل القسم الاول تتكيف بموجب المسائل التي ذكرناها في القسم الثاني (المسائل الثقافية) .

فالكيمياءوالصيدلة يمكن ان تستخدم في خدمة الانسان وخدمة الاغراض الطبية والزراعية والغذائية، في حالة وجود وعي وثقافة انسانية، وفي حالة اكتمال النضج الثقافي للانسان، كما انهما يمكن ان يخدما اغراضا لا انسانية ويستخدما في تصنيع الغازات السامة واعدادها للاستعمالات العسكرية، وتصنيع القنابل الكيماوية في حالة فقدان الوعي والثقافة الانسانية، وفقدان المعايير الاخلاقية.

وكذلك الذرة يختلف استخدامها والاستفادة منها باختلاف الوعي والثقافة عند الانسان. وهذا يعني ان ظروف الاحتكاك العلمي تختلف وتتنوع بين امينة وغير امينة.

ا- الظروف الامينة للاحتكاك العلمي ونخلص، من هذا القول، الى النتيجة التالية: ان الامة اذا كانت تحتفظ باءصالتها الثقافية والاخلاقية والعقيدية لا يضرهاالاحتكاك العلمي وحالة الاخذ والعطاء مع الحضارات الاخرى في المسائل العلمية، وذلك لان المسائل العلمية عندماتنفصل عن حضارة، وتخترق جسم حضارة اءخرى لا تحمل معها الشحنة الحضارية التي كانت تحملها في الحضارة الاولى، وانما تتقبل منها الامة الجانب العلمي مجردة عن اي تاءثيرات ثقافية اءخرى. وتكون الحضارة بمثابة مصفاة تقوم بتصفية كل ما يعلق بهذه المسائل العلمية من ظروف اخلاقية وحضارية غريبة على كيان الامة، وتمنع عن الامة ما يعلق بها من سموم لا تناسب جسم الامة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت