ويرى ان الدين لا علاقة له بالحضارة، ومن الممكن ان تدين شعوب مختلفة بديانات مختلفة في الوقت نفسه الذي ترتبط فيه جميعها بحضارة واحدة، يقول ضياء: «ان شعوبا تدين بديانات مختلفة يمكن ان تدين بحضارة واحدة» ويضيف: «لا يصح اي ارتباط لحضارة بالدين، ليست هناك حضارة مسيحية ولا حضارة اسلامية، فكما انه لا يصح ان تسمى الحضارة الغربية حضارة مسيحية، هكذا بالضبط لا يصح ان تسمى الحضارة الشرقية حضارة اسلامية» . ويضرب لذلك مثلا بانتقال روسيا من الحضارة البيزنطية الى الحضارة الغربية: «وقد عانى بطرس العظيم صعوبات شديدة في كفاحه لتحرير الشعب الروسي من سيطرة الحضارة البيزنطية، وتقديمه الى الحضارة الغربية، وبعد الثورة بداوا يتقدمون بسرعة زائدة، وهذه الحقيقة تكفي لاثبات ان الحضارة الغربية هي الشارع الوحيد الى التقدم» .
السيد احمد خان احمد خان، او «سير احمد خان» المتقي الدهلوي (1232ه - 1315ه) من الشخصيات العلمية الاسلامية الهندية، اسس الكلية المحمدية الانگليزية سنة 1875 م، وذلك كما يقول لنشر الاسلام الحديث المتاءثر بالحضارة الغربية، وهي التي تعرف الان ب «جامعة عليگرة» الاسلامية.
كان يدعو الى الانسلاخ عن الحضارات الاسلامية والارتماء في احضان الحضارة الغربية، وكان من اوائل الدعاة للتغريب. يقول السيد احمد خان:
«لابد ان يرغب المسلمون في قبول هذه الحضارة (الغربية) بكمالها حتى لا تعود الامم المتحضرة تزدريهم اعينهاويعتبروا من الشعوب المتحضرة المثقفة» .
وفي كتابه «احكام طعام اهل الكتاب» ، يحث على التشبه بالانگليز في عاداتهم واساليب معيشتهم.
قاسم امين من دعاة السفور وتحلل المراة من الحجاب الاسلامي. كان يدعو للانتماء الى الحضارة الغربية والاخذ بها، وكان معجباشديد الاعجاب بهذه الحضارة، ومولعا بها، داعيا اليها، مهما كان الثمن.
يقول في كتابه «المراة الجديدة» : «هذا هو الداء الذي يلزم ان نبادر الى علاجه، وليس له دواء الا اننا نربي اولادنا على ان يتعرفوا على شؤون المدنية الغربية ويقفوا علىءصولها وفروعها وآثارها. واذا اءتى ذلك الحين، ونرجو اءن لا يكون بعيدا، انجلت الحقيقة امام اعيننا ساطعة كسطوع الشمس، وعرفنا قيمة التمدن الغربي، وتيقنا انه من المستحيل ان يتم اصلاح ما في احوالنا اذا لم يكن مؤسسا على العلوم العصرية الحديثة، وان احوال الانسان مهما اختلفت وسواء كانت مادية او ادبية خاضعة لسلطة العلم، لهذا نرى ان الامم المتمدنة على اختلافها في الجنس واللغة والوطن والدين متشابهة تشابها عظيما في شكل حكوماتها، واداراتها ومحاكمها، ونظام عائلتها، وطرق تربيتها، ولغاتها، وكتابتها،ومبانيها، وطرقها، بل في كثير من العادات البسيطة كالملبس والتحية والاكل... هذا الذي جعلنا نضرب الامثال بالاوروبيين ونشيد بتقليدهم وحملنا على ان نلفت الانظار الى المراة الاوروبية» .
السيد حسن تقي زاده من زعماء حركة «الدستور» في ايران، وهذه الحركة ظهرت اواخر حكم أسرة «قاجار» لتواجه الدكتاتورية القاجارية وتقيم ديمقراطية قريبة من الإسلام، او في دائرة الإسلام.
وكان السيد حسن تقي زاده من قادة هذه الحركة لولا ان اتجاهه الفكري كان يدعو الى عزل الدين عن السياسة، واقامة ديمقراطية غربية مفصولة عن الاسلام. وكان يعتقد ان الغرب يشكل قمة في القيم الانسانية.
وانشاء «تقي زاده» ، بالتعاون مع بعض زملائه، الحزب الديمقراط ي في الدورة الثانية من المجلس البرلماني، وكان هذاالحزب «حزب الديمقراط» او «فرقة الديمقراط» اول حزب سياسي في ايران.
وكان للحزب علاقة طيبة مع بريطانيا، وكان عمال الانگليز في البلاد يشجعون المنتمين الى «الديمقراط» .
وكان من اهم مبادئه فصل الدين عن السياسة وفصل علماء الدين عن التدخل في السياسة.
ومن شروط الانتماء اليه الا يكون المنتسب من علماء الدين او المشتغلين بالشؤون الاسلامية.
وكان تقي زاده من اهم منظري الحزب ومن قادة المجلس البرلماني. ورغم انه كان يلبس العمة في بداية حياته السياسية وتخرج من المدارس الدينية، كان يعتقد بضرورة الارتماء في احضان الغرب والاخذ باءسباب الحضارة الغربية، وله في ذلك مقال بعنوان «استيراد الحضارة الغربية» القاه سنة 1340 ه ش في نادي «مهرگان» .
وفي مقال له، في مجلة «كاوه» ، عدد 7 سنة 1920 يشكك بوجود جذور حضارية لنا في التاءريخ.
وكانت اتجاهاته وميوله الى التغريب من الاسباب التي دعت اثنين من مراجع التقليد في النجف الاشرف الى الحكم باخراجه من المجلس (البرلمان) وابعاده، ما اضطره الى الخروج من ايران.
وعاد الى ايران بعد سقوط الاسرة القاجارية واستيلاء «رضا خان بهلوي» على الحكم في ايران.
عدم التفكيك بين العلم والثقافة ولعل من المفيد، هنا، ان نعمد الى اثارة نقطة حساسة يثيرها دعاة التغريب في الغالب لتسويغ الدعوة الى الانسلاخ عن التراث، وهي اننا لا نستطيع ان ناءخذ باءسباب العلم والتكنولوجيا الغربية ما لم ناءخذ باءسباب الحضارة الغربية قبل ذلك،وما لم نحاول ان نفكر كما يفكر الناس في الغرب، وان نتصور الاشياء كما يتصورها الناس في الغرب، وان نعيش في المجتمع كما يعيش الناس في الغرب.
ان التمسك بالعلم والصناعة الغربية لا يتيسر لنا الا عندما تتغير افكارنا وتصوراتنا ورؤيتنا للّه والكون والانسان والاشياء،وتتغير اخلاقنا وثقافتنا وحضارتنا باتجاه الاخلاق والثقافة والحضارة الغربية.
وهذا الخلط بين العلم والثقافة هو سبب هذا التضليل كله، ولو شئت ان تكون على يقين مما ذكرنا فاقرا ما كتبه الدكتوركامل عياد عن «مستقبل الثقافة في المجتمع العربي» .
يقول: «نحن لا يمكننا ان نتقدم في الصناعة الالية... دون نشر هذه الثقافة (الثقافة الغربية) بين الشعب على اكبر مقياس ممكن» .
فلكي يتسنى لنا ان ناءخذ باءسباب العلم والمعرفة التجريبية، لابد لنا، كما يقول هؤلاء، ان نلقي باءنفسنا مرة واحدة في احضان الحضارة الغربية، في ما طاب من حضارتهم وفي ما خبث، وفي «خيرها وشرها، وحلوها ومرها، وما يحب فيهاوما يكره، وما يحمد فيها وما يعاب» ، كما يقول الدكتور طه حسين من غير حياء ولا خجل.
ومن دون هذا التعميم لا نتمكن من ان ناءخذ بشيء من اسباب العلم والمعرفة التي تتصل بنا من الغرب. ويقول الدكتوركامل عياد في الكتاب نفسه: «لابد لنا من الاعتراف باءن تقاليدنا لا تتعارض مع الاقتباس من الثقافة الحديثة السائدة في الغرب.
وفي الحقيقة اذا تركنا المحافظين في بعض الاقطار العربية - وهي فئة قد اصبحت لحسن الحظ قليلة العدد-فاننا لا نجد اليوم بيننا من ينكر ضرورة هذا الاقتباس. وانما هناك فئة تسمي نفسها بالمعتدلة تريد ان يقتصر الاقتباس على محاسن الحضارة الغربية وعلى تلك النواحي من ثقافتها التي تتلاءم مع حضارتنا وتقاليدنا وعاداتنا. ونقطة الضعف في هذا الراي الصعوبة في تحديد الصفات والتقاليد والعادات التي نختص بها، ويجب ان نحافظ عليها، ثم الاختلاف حول المعيار الذي يميز بين المحاسن من المساوىء».
فالكاتب هنا يغتبط اشد الاغتباط ان عدد المحافظين يتناقص، ويسوؤه ان المعتدلين لم يعودوا يدركون حقيقة المشكلة. ان المشكلة كلها، عند هؤلاء، هي فقدان المعيار الذي نميز به المحاسن من المساوىء. وعندما يبلغ الامر هذاالحد فمن الخير ان نمضي ولا نعلق.