فهرس الكتاب

الصفحة 2444 من 3028

وفي المقابل، أرى أن أبرز ميزة للفلسفة الغربية - القديمة والحديثة - هي خلوها من الوسطيّة وميلها الكبير صوب التطرف في هذا الجانب أو ذاك، لدرجة أضحى الفكر الغربي معها يتسم بطابع ثنائي اختزالي دوغمائي متطرف Dogmatic Thinking وهنا نجد انعكاسًا واضحًا لهذه الثنائية في موجات الفلسفات المتعارضة والحروب الفلسفية (17) Paradigm Wars ، تلك الحروب الشعواء التي دارت وما تزال تضطرم أُوارها بين كبار منظّري وفلاسفة الفكر الغربيّ في مسائل فلسفية كثيرة، جعلت كثيرين منهم يؤمنون بأنه لا مجال للجمع بين فلسفتين أو منهجين (كالمنهج الكمّي والكيفي مثلًا) في بحث واحد لتعارض منطلقاتهم الإبستمولوجية وهي ما يسمى في أدبياتهم بفكرة التعارض والتضاد (18) Incommensuarbility or Incompatibility Thesis.

هل تنقصنا"الأنفة الثقافية" (19) !

هل يظن البرمجيون العرب والمسلمون أنه يكفي إيراد بعض آيات القرآن الكريم ونصوص السنة المطهرة وأبيات من شعرنا العربي الأصيل للقيام بالواجب المتحتم عليهم صوب الإنتاج الأصيل في كل شعب البرمجة ذات الصبغة الأيدلوجية؟ وقفت على بعض النماذج فوجدتها شبيهة بعمليات القص واللزق، فتشابه المعنى الوارد في تطبيقات البرمجة مع أي من هذه النصوص يجعل البرمجي يقدم على عملية"حشرها"، وليته لم يفعل، حيث إن بعض ذلك يحتوي على تكلف بين، كما أن العملية برمتها تمارس نوعًا من الخداع والتزييف، خداعًا للذات وتزييفًا للوعي بشروط النهضة ومعاييرها، شعر البرمجيون بذلك أم لم يشعروا! بل دعوني أتجرأ وأسال والمرارة تحشرج في حلقي والحرقة تأكل فؤادي:

هل ينتظر البرمجيون العرب والمسلمون باندلر و"جماعته"أن يتفضلوا علينا بما عساه يسعفنا في التعرف على خصوصيتنا الفكريّة وإطارنا الحضاري؟

حقًا إنّه عار ثقافي مخزٍ، العار في أنْ لا نتوفر على قدر كافٍ من"الأنفة الثقافيّة"حيث إنّ انعدامها أو ضعفها يجعلنا نستمر في فضاء الفكر والتحضر (وهمًا) متسلحين بعضلات التفكير الميكانيكي، الذي ينقل لنا الأفكار ولا يصنعها!

إنْ كان ثمة من ينتظر أو يتردد، فإنني أقول لهم بأن جملة متزايدة من الباحثين الغربيين بدؤوا يرفعون شعارات بشكل مباشر أو غير مباشر مثل:"هذه الفكرة قد لا تناسبكم"هذه الفلسفة ليست لكم"،"انتبهوا لخصوصيتكم الثقافيّة"."

وفي هذا الصدد أشير على عجل إلى بعض مقولات بعض الباحثين الغربيّين..

يقول شيريف، و ليفي (2001) Shiraev & Levy: إنّ السلوك الإنساني ونماذج التفكير تتشكل وتتطور في بيئات مختلفة مما يجعلها تختلف من مجموعة ثقافيّة إلى مجموعة أخرى.

ويشاطرهم الرأي في هذا جمع كبير من الباحثين، من هم على سبيل المثال: Triandis (1996) (20) , Hofstede (1980) (21) بل ذهب تريندز Triandis (1996) (22) إلى اختراع مصطلح"الأعراض الثقافيّة أو المتلازمات الثقافية"Cultural Syndromes، حيث يقصد به الأنماط المشتركة من الاتجاهات، والمعتقدات، والتفضيلات، والعادات، والقيم التي تنتظم في إطار يؤمن به مجموعة من الناس؛ يتكلمون لغة واحدة ويعيشون في بقعة محددة. وطالب تريندز بوجوب مراعاة التباين في الأنماط الثقافيّة والحضاريّة.

كما أنّ ثمّة محاولات بحثية أدّت إلى نشوء حركة بحثيّة تؤمن بمبدأ"التنوع الثقافيّ الحضاريّ" (23) Multiculturalism، ويلمس القارئ لأدبيّات هذه الحركة الوليدة أنّ لها بعدًا سياسيًا (24) واضحًا حيث تطالب بمبدأ المساواة بين الحضارات، ووجوب الإقرار أنْ لا فضل لثقافة أو لحضارة على أخرى بناء على معايير مسبقة (أو ما يسميها البعض حتى من مثقفينا بالمعايير العالميّة) ، وإنّما هناك تلوّن ثقافيّ وتنوع حضاريّ.

بل تعدى الاهتمام بهذه القضية مجرد بحوث تنشر في الدوريات العلميّة، إلى بلورة حقول معرفيّة متكاملة لها فلسفتها وأهدافها، وهي حقول تعنى بقضايا تأثير الثقافة والحضارة على السلوك الإنسانيّ، وتفكيره وإدراكه، ودوافعه ومشاعره، وآلية التطوير الذاتي والتفاعل الاجتماعي. ومن أبرز هذه الحقول حقل"علم النفس الثقافي المقارن" (25) Cross-Cultural Psychology.

ولكن وعلى الرغم من تلك البحوث الجادة، نشير إلى حتمية تلبسنا بقناعة بل إيمان أكيد بخصوصيتنا الثقافية والحضارية في إطار الانفتاح الواعي على دوائر الحكمة الإنسانيّة المشتركة. كما أنني أعتقد أنه آن الأوان لكي نجلي ونحدد أبعاد ومجالات وشروط تبني مبدأ"البعد الإنساني المشترك"في فضاء التثاقف مع الآخر. هذا المبدأ الذي تضخم في عقول ووجدان بعض المثقفين العرب وتماهى مع دوائر الخصوصيّة، لدرجة أنّ بعضهم ينفي وبطرق مختلفة حتميّة الخصوصيّة ويعدّها وصمة عار وتخلّف.

ونحن بدورنا هنا نتساءل عن قدر الانفتاح التثاقفي للحضارة الغربيّة، ثقافة الرجل الأبيض! بمعنى آخر نتساءل:

* هل تتوفر الحضارة الغربيّة على درجة من الانفتاح الثقافيّ مع ما تسميه بـ"العالم الثالث" (26) ؟

* ما هي الثقافيّة العالميّة، أدبًا، وفنًا، وفكرًا؟

* أليست الثقافة العالميّة دائمًا هي ثقافة الرجل الأبيض (عدا في حالات ترويجيّة رخيصة!) ؟

ولذا نقول لتلك الفئة من المثقفين العرب: أرونا الفلسفة ذات الطابع العربيّ والإسلاميّ التي التصقت برحم الفلسفة الغربيّة الحديثة التي خالطت ثقافتنا العربيّة الإسلاميّة لعدة قرون!

أين هي في مختلف مجالات الفلسفة؟ أين هي في الانتولوجيا؟ أين هي في الابستمولوجيا؟ أين هي في الميثدولوجيا؟

إنّ الثقافة والحضارة الغربيّة في توجهها العام تنطلق من نظرات استعلائية تجاه"اللأبيض"تجاه"اللاغربي"، وهذا - في تقديري - منحهم قدرًا كبيرًا من"اللاموضوعية"، وصبغ كثيرًا من أساليب تفكيرهم وتحليلهم بالتحيز الفلسفي والمنهجي، مما يوصلهم - بالضرورة - إلى نتائج متحيزة.

قد يقول البعض: إنّ هذا مجرد زعم وتهويل! فأقول: وليكن. أين دليلكم وبرهانكم على دحض ما ترونه زعمًا؟!

ثمرة النقد: هل نستمر في التعاطي مع البرمجة؟

عطفًا على كل ما سبق، تبرز الحاجة إلى بلورة إجابة علميّة جادة على بضعة أسئلة منها:

هل نوصي الناس في العالم العربيّ والإسلاميّ بالتعاطي مع البرمجة؟

هل نوصيهم بالاستمرار بأخذ دورات تدريبيّة في البرمجة؟

ماذا يجب علينا عمله تجاه البرمجة؟

هنا أجدني مضطرًا لإعادة التذكير بأنني مدرك لبعض جوانب التفوق والتميز في حقل البرمجة، وقد ذكرت بعض الشواهد على ذلك، كما اذكر أيضًا بنقدي للبرمجيين العرب والمسلمين لضعف إسهامهم في توجيه بوصلة هذا الحقل بما يتناغم مع مركّبهم الحضاري. إذا اعتبرنا هذه الأمور بجانب مقتضيات ونتائج العمل النقدي الذي مارسته في هذا البحث والذي بين جانبًا من الآثار السلبيّة والخطيرة لتبني الفلسفة المؤطرة لحقل البرمجة في الفضاءات الدينيّة والثقافيّة والفلسفيّة والمنهجيّة والنفسيّة، فإنني أقرر ميلي وبقوة ووضوح إلى التوصية بعدم التعاطي مع البرمجة، ويشمل ذلك التوصية بعدم الانخراط في الدورات التدريبيّة لهذا الحقل، وتتأكد هذه التوصية لغير الباحثين والمتخصصين، حيث إنّهم - غالبًا - لا يملكون إطارًا ومنهجًا نظريًا يمكّنهم من ممارسة نقدية واعية، تعين على التقليل من تلك الآثار السلبيّة.

وماذا بعد؟

دعونا نتساءل:

هل ُينسف حقل البرمجة وُيدفن؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت