أصدقكم القول: إنّني - ومع ولعي واحترامي وإجلالي لكافة الحقول المعرفيّة - أرى - وبكل حسرة - نسف هذا الحقل بوضعه الراهن، حيث إنّه جدير بذلك ومستحق له، هذا الحكم مترتب في حالة استمرار الحقل على نهجه وفلسفته التي أبنت عن شيء من عللها ومخاطرها وآثارها. ودعوتي هذه لا ُيفهم منها البتّة الدعوة إلى عدم التعاطي والإفادة من النماذج والتقنيات والاقتراحات التي جاء بها هذا الحقل أو طوّرها، كلا، بل نحن مطالبون معاشر المتخصصين في كافة العلوم الاجتماعيّة أن نفيد من هذه التركة، في محيط يضبط بالمنهج العلميّ معاييرَ وشروطًا وصفاتٍ، ذلك أنّ الحكمة ضالّة المؤمن أنّى وجدها فهو أحقّ بها.
ألمحت في معرض المحاولة للإجابة عن التساؤل السابق إلى أنّ التوصية التي أراها - والله تعالى أعلم وأحكم - هي عدم التعاطي مع البرمجة في حالة استمراره على نهجه وفلسفته، أي أنني ألمح إلى إمكانيّة بلورة حركة تصحيحيّة في أروقة البرمجة، وفي السياق يتعين علينا الإجابة عن بعض التساؤلات:
* ما طبيعة هذه الحركة؟ وما فلسفتها؟ وما برنامجها؟
* وكيف نوفر بيئة لنجاحها؟ وما مدى إمكانيّة نجاحها؟
في العنوان التالي أحاول أن أستفرغ وُسعي للإجابة باختصار عن هذا التساؤل الكبير.
نحو حركة تصحيحيّة داخل البرمجة
ثمّة تفاؤل كبير لديّ بأنّه يمكن لمجموعة من البرمجيين العرب والمسلمين وجملة من الباحثين في العلوم الاجتماعيّة أن يبلوروا مشروعًا يؤذن بحدوث حركة تصحيحيّة واعية ناضجة، تفلح في توجيه بوصلة البرمجة وفق محددات خريطتهم الثقافيّة، بمنطلقاتها ومسلّماتها ومنهجها ونفسها.
نعم يمكننا ذلك، بشرط توفّر القناعة الأكيدة بأهمّية وحتميّة ووجوب القيام بمثل هذه الحركة التصحيحيّة داخل البرمجة، مع بذل جهد علمي بحثي مقنن وفق خطوات منهجيّة محكمة، وخُطّة عمليّة مدروسة وممرحلة. وهنا يمكنني تسجيل بعض الاقتراحات العمليّة للبدء بمثل هذا المشروع الكبير عبر النقاط التالية:
(1) تبنّي المنهج العلمي في حقل البرمجة ورفض المنهج البراغماتي كأساس منهجيّ، والعمل على تأسيس منهجيّة علميّة في القياس والتجربة والتقييم وما إلى ذلك.
(2) دعوة أبرز البرمجيين العرب والمسلمين مع جملة من المتخصصين والمهتمين في بعض الفروع المعرفيّة (ومنهم المتخصصون في العلوم الشرعيّة، وعلوم النفس، والاجتماع، والتربية، والفلسفة) ، لندوة تستهدف أساسًا:
* بلورة مشروع حركة التصحيح. ويمكن أنْ يُطلب من البعض المشاركة في كتابة أوراق بحثيّة، تكون معينًا على استفزاز إبداع المتواجدين في الندوة، وحافزًا لهم على إنضاج الرّؤى والأفكار وتطويرها.
* الإعلان عن تأسيس حركة التصحيح من خلال مؤسّسة يُتّفق على بنيتها وأهدافها وبرامجها.
* تعليق برامج التدريب ريثما يتم الانتهاء من الإطار المنهجيّ والفكريّ للحركة التصحيحيّة للبرمجة بناءً على خطة علميّة وبرنامج زمنيّ محدد.
(3) توضيح كيفية الانتساب والاشتراك والعضويّة بحركة التصحيح بالنسبة للبرمجيين العرب والمسلمين من المدربين والأكاديميّين والباحثين والكتّاب وغيرهم.
(4) الاستمرار في عقد الندوات البحثيّة ووضع خطة عمليّة لإنتاج مواد وحقائب تدريبيّة جديدة تتناغم مع فلسفة الحركة التصحيحيّة.
(5) بحث الأمور المتعلقة بالارتباطات الرسميّة مع المنظّمات والمؤسّسات المهتمة بالبرمجة داخل الوطن العربيّ وخارجه.
وأخيرًا أرجو أن أكون قد وُفّقت في محاولتي المتواضعة هذه لنقد البرمجة اللغويّة العصبيّة، كما آمل أن تسهم هذه المحاولة في التنبيه إلى أهميّة تدعيم حركة النقد الثقافيّ الحضاريّ، التي نؤمن أنّها وسيلة - ضمن وسائل أخرى - تمكّن من بلورة ليس فقط الحقول المعرفيّة، بل ومفردات التحضر في بوتقة المركّب الحضاري الإسلامي (27) المنبثق أساسًا من القرآن الكريم والسنة النبويّة المطهّرة.
والأمل معقود في أن ُتقرأ هذه المحاولة من كافة المهتمين بحقل البرمجة بكل تجردٍ وإنصافٍ وموضوعيةٍ، وأنْ يكون رائدنا جميعًا الحقّ، والحقّ وحده، مبتعدين جميعًاعن التشبث بالرأي دون دليل وبينة، متلبّسين بالشجاعة العلميّة والفكريّة، وذلك بالرجوع إلى الحقّ وبدء حركة التصحيح وفق إطارنا الثقافيّ، والله تعالى أعلم وأحكم.
الهوامش:
(6) ثمّة مشاريع فكريّة أصيلة وناضجة تناولت ظواهر تندرج تحت هذه الشعارات وأمثالها، وهذه المشاريع تحتاج إلى حركة نقديّة نشطة وواعية.
(9) تسمى هذه الحالة في البرمجة بحالة"الاتحاد"Association والتي تقابل حالة"الانفصال"Dissociation، ويعنون بحالة الاتحاد تلك الحالة التي تكون فيها مندمجًا في الحدث الذي تفكر فيه أي أنك تتصور نفسك وكأنك تعيش ذلك الحدث، تراه، وتسمعه، وتشمه، وتحسه. في حين تعني حالة الانفصال تلك الحالة التي ترى فيها الحدث من الخارج، أي بدون معايشة له. وهذا توصيف جيد، وهو معمول به في بعض الحقول النفسيّة. لمزيد من المعلومات يمكنك الرجوع إلى المراجع السابقة.
(10) تقنية"دائرة الامتياز"، مضحكة حقًا، وفيها استخفاف كبير للإنسان، وقد لاحظت أنّ بعض المدربين يقولون: إنّ هذه التقنية تناسب الأطفال فقط، وبعضهم يعممها على الكبار. لمزيد من المعومات انظر المراجع السابقة.
(11) تتعمق البرمجة في مسألة ما تسميه بـ النميطات اعتمادًا على ثلاثة أنماط هي النمط الصوري و النمط السمعي و النمط الحسي، حيث يتم التركيز على الصفات التفصيلية (المنيطات) لكل نمط من تلك الأنماط الثلاثة. واستخدام البرمجة للنميطات يتركز بشكل مكثف في حل المشاكل النفسية كالفوبيا وغير ذلك. لمزيد من المعلومات يمكنك الرجوع إلى المراجع السابقة.
(12) لم أقف في المراجع الرئيسية التي وقف عليها على أي تحفظ، بل ثمة إقدام مفرط على اقتحام باحة النفس الإنسانية والعبث بأسلاكها، وليتهم على الأقل أوقفوا هذه المهمة على أكثرهم تأهيلًا، إن كان ثمة ضبط أصلًا لمسألة التأهيل لديهم!!
(13) انظر التعليق السابق.
(14) انظر التعليق السابق.
(15) من أهم عوامل تنمية الإبداع وتشجيعه الدافعية الداخلية والاستعداد الفكري والنفسي، ومنها الاهتمام أو ما يسميه المفكر السعودي اللامع الأستاذ إبراهيم البليهي بـ"عبقرية الاهتمام"وهو مصطلح في غاية العمق، وثمة جملة من العوامل الأخرى المؤثرة في الإبداع في المحيط النفسي والعقلي والاجتماعي يدركها المتخصصون في حقل الإبداع.