فهرس الكتاب

الصفحة 2443 من 3028

ومظهر آخر خطير للبرمجة في السياق النفسي يتمثل في أنّ البرمجة تتعامل مع الظواهر الإنسانيّة من"الداخل العميق"من خلال ما يسمى بالبرمجة بـ"النميطات" (11) Sub-modalities، أي بطريقة داخليّة مؤثرة، تقوم على بناء ثقة كبيرة بين البرمجي والعميل/المتدرب، في حين يصل البرمجي في بعض الأحايين إلى لمس وتحريك كوامن النفس وطاقاتها وانفعالاتها وأحاسيسها، خاصة تلك القابعة أو المدفونة في اللاشعور، وهذا اللمس والتحريك يتجه أحيانًا لأصغر مكوّن نفسيّ أو ما يمكننا تسميته بـ"النّفيس"باعتباره أصغر وحدة قياس نفسيّة، وبعبارة أخرى نقول: إنّ البرمجة تقوم بما يمكننا تشبيهه بتحريك"الأسلاك الداخليّة"للنفس البشريّة.

والحقيقة تحتّم علينا الإشارة إلى أنّ هذه القدرة الفائقة للبرمجة في لمس الأسلاك الداخليّة تعد ميزة حققتها هذه البرمجة على نحو مميز، غير أنّ الخطورة تكتنف هذه القدرة وتحفّها من أكثر من جهة وزاوية، لاسيّما إذا أخذنا في الاعتبار بعض الأمور المصاحبة لهذا العمل، والتي منها ما يلي:

(1) عدم اعتراف البرمجة بخطورة وحساسيّة لمس الأسلاك الداخليّة، ومن ثم ضعف أو انعدام استعدادها الفكريّ والتطبيقيّ لآثار ومقتضيات هذا الفعل (12) .

(2) ضعف استيعاب البرمجي للحالة النفسيّة والاجتماعيّة"النفسجتماعيّة"للعميل/المتدرب، وعدم مراعاة ميوله وقدراته وأوجه قوته وضعفه وما إلى ذلك (13) .

(3) ضعف تأهيل بعض البرمجيين أو عدم مناسبة المخزون الفكري لديهم أيدلوجيًّا أو منهجيًّا للتعاطي مع هذه القضية الخطيرة (14) .

(4) إنّ لمس بعض الأسلاك الداخليّة"قد"يؤثر على البعض الآخر و"ربّما"بشكل سلبيّ مع عدم أخذه في الحسبان، وهذا الأثر يمكن أنْ يحدث ولو بعد حين، غير أنّ البرمجيين لا يبدون أيّ اهتمام البتة لمثل هذه الآثار، إذ المهم عندهم"فقط""تعمل"تطبيقاتهم، وهذا يكشف مظهرًا خطيرًا آخر للمعالجة التجزيئيّة للظواهر الإنسانيّة التي تتبناها البرمجة، كما يبرز بعض معالم ضعف المسؤوليّة الفكريّة والاجتماعيّة والنفسيّة للبرمجة كبعد أخلاقيّ.

(5) البرمجة والبرمجيون لا يتورّعون عن معالجة الكثير من الظواهر الإنسانيّة وعلى نحو جازم وبنفسيّة وثوقيّة حادة.

قد يقال هنا إنّ ما قررته سابقًا يفتقر لمزيد من الأدلة المقنعة، أو أنّه غير مقنع على الإطلاق، فأقول حسنًا، هذا مطلب مشروع ومناقشة منهجيّة سائغة بل وواجبة، ولكنّني أقول بدوري في السياق ذاته متسائلًا:

* ألا يدل هذا على حاجتنا إلى تبني المنهج العلمي في التعاطي مع هذه الظواهر الإنسانيّة المعقدة بدلًا من منهج"إنّه يعمل ويؤثر!"، لبحث مثل تلك القضايا المعقّدة!.

* هل يتوفر المنهج النّفعيّ على القابليّة للنظر في هذا القضايا ومناقشتها؟

* أم أنّها خارج نطاق قدراته واهتماماته أصلًا؟

أسئلة جديرة بالطرح، ويجب على من يتبنى المنهج النّفعيّ التصدي لها، ونحن بذلك ندعو فلاسفة البرمجة ومنظّريها كما ندعو البرمجيين العرب إلى التعاطي مع هذه الإشكاليات والجدليّات وعدم تجاهلها، حيث إنّ تجاهلها لا يغيّر من الحقائق شيئًا، كما أنّه لا يزيل الآثار الخطيرة التي قد تترتّب على تبني المنهج النّفعيّ بهذا الشكل الخطير.

ربّما يكون من المناسب الاكتفاء بهذا القدر في نقد الأسس الفلسفية والمنهجية والثقافية والنفسية لحقل البرمجة اللغوية العصبية، ليتبقى لنا جولة واحدة نقف فيها مع البرمجيين العرب بعض الوقفات الثقافية، لنخلص في نهاية البحث إلى نتيجة محددة، وما توفيقنا إلا بالله.

وقفات ثقافية مع البرمجيين العرب

البرمجيون: لماذا لا يبرمجون تفكيرهم ويوجهونه نحو الإبداع الفكري في حقلهم؟

كما سبق بيانه في الحلقات السابقة، تزعم البرمجة أنها قادرة على نمذجة السلوك، ومن ذلك نمذجة السلوك الإبداعي للمتميزين من أجل إكسابه الآخرين، ومن تلك النماذج ما يعرف بـ"استراتيجية ديزني للإبداع"Disney Creativity Strategy. وإمكانية مثل هذه النمذجة والإكساب محل تسليم لدي؛ ولكن بشروط وبيئة ومعايير ومقادير محددة (15) ، لم تنل من البرمجة أي اهتمام يذكر، ولم تدخل نسيجها الفلسفي وأطرها الفكرية، بعكس الحال في الحقول المعرفية ذات الصلة بأدبيات الإبداع والتي راعت بمنهجية علمية تلك العوامل المحددة والمؤثرة في الإبداع إيجابًا وسلبًا.

أعود لزعم البرمجة في هذا المجال وأقول: دعونا نسلّم جدلًا بصحة هذا الزعم؛ لأتساءل عن مدى إمكانية أن يقوم البرمجيون العرب والمسلمون ببرمجة تفكيرهم وتوجيه بوصلتهم الفكرية نحو الإبداع في حقل البرمجة، وذلك ببلورة وتطوير وإنضاج فلسفات فكرية وتقنيات عملية تتناغم مع منظومتهم الثقافية وإطارهم الحضاري. لماذا لا يتبنّون أي استراتيجية - يرونها مناسبة - في الإبداع ليخرجوا من حيز التطبيق الميكانيكي لتطبيقات باندلر، وقريندر، ودليتس، و ديلوزير وأضرابهم إلى فضاءات الأصالة والطلاقة والمرونة التي تقود إلى إبداع أصيل فكرًا وروحًا وتطبيقًا، لاسيما في القضايا ذات الصبغة الأيدلوجية، والتي منها على سبيل المثال ما يسمى بـ"البرامج العليا"Meta Programmes، ذلك أنها تنطلق وتتأثر بعقيدة الإنسان، والتي تحدد له هدفه الرئيس في الحياة لتضبط بعد ذلك بوصلة تفكيره ومتاريس سلوكه صوب ما يحقق ذلك الهدف. وهنا نتساءل:

* هل البرامج العليا كلها بالضرورة تخضع لاعتبارات إنسانية مشتركة؟

* ألا توجد برامج عليا مميزة لنا؟ أليس ثمة شيء يميزنا عن غيرنا؟

* ألا يفترق المؤمن بالله تعالى ربًا وخالقًا ومدبرًا ورازقًا وإلهًا عن ذلك الملحد المعاند أو اللأدري (16) غير المبالي؟

* أمَا يتميّز ذلك الرجل وتلك المرأة اللذان يعيشان همّ نهضة أمتهما وسيادتها وارتفاع لواء حضارتها عن أولئك الرّعاع الذين لا همّ لهم سوى أكلهم وشهواتهم؟

* ألا يتوفر العالِم بمقاصد الشريعة الربانيّة على برامج عُليا تميّزه عمن سواه؟

* هل يستوي من يُغلّب الخوف على الرجاء بشكل مرضي أو العكس مع من يتسم بالوسطيّة في ذلك؟

وقضية الوسطيّة هذه تجرّني إلى الإشارة إلى مسألة في غاية الأهمية وهي أن البرامج العليا الخاصة بنا يجب أن ينظر لها في إطار فلسفة"الوسطيّة"أي أننا ننظر إلى طرفين ووسط في معالجتنا للظواهر الإنسانيّة. ولكي أزيد الأمر وضوحًا أقول: إنّ أهمّ سِمة - في نظري - تميّز الإسلام شريعةً وفكرًا وممارسةً ما يتصل بقضيّة وخصلة"الوسطيّة"، والتي تدفع إلى التحلّي بأكبر قدر ممكن من التوازن بين ثنائيات متعارضة، أو متضادة، أو متقابلة، أو المتنافسة في بعض الأنساق الفلسفيّة ومنها الفلسفة الغربيّة كـ الآخرة والدنيا، والعلم والإيمان، والعقل والنّص، والقدر والجبر، والرجل والمرأة، وما إلى ذلك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت