وهذا ضرب وقح من الغرور، نعيبه على كافة طلاب العلم وباحثي المعرفة، حيث نعده مؤشرًا جليًا لانعدام أو ضعف المصداقية العلمية والبحثية، وقلة التوفيق والقبول، نعيب هذا ونزدريه ونمقته في الأشخاص، فما بالكم بحقل معرفي كامل صبغ بالغرور والتهويل والمبالغة. أفلا نكون مضطرين حينذاك لسحب القاعدة نفسها على الحقل؟ أو نخطّأ في هذا؟
من المزايا الأساسية للعلم في الفكر الإسلامي، التواضع للحق، و التواضع للناس، تواضعًا قلبيًا وجدانيًا نفسيًا؛ يجد الإنسان فيه نفسه ضعيفًا في فهمه، ضعيفًا في حصوله على المعلومات والمعارف، ضعيفًا في تحليله، ضعيفًا في استنباطه واستقرائه، ضعيفًا في تنظيره وتطبيقه.. إذًا تواضع صادق يثمر سلوكًا عمليًا حميدًا..
كيف والحالة هذه نفسّر سرّ سقوط جملة البرمجيين العرب في فخ الغرور والتهويل والمبالغة؟
هل يعود السبب في ذلك إلى قناعات نظرية؟ أم أسباب برغماتية؟ أم خليط بين هذا وذاك؟
هل ثمة سبب آخر لا نعرف كنهه؟
لا أملك جوابًا، غير أنه يسعني ويكفيني التساؤل..
في تفاصيل البرمجة مصادمة لبعض النصوص الشرعية..
ربما يكون قد تبين من المحاور السابقة أن البرمجة تتوفر على ما يعارض روح الفكر الإسلامي والفلسفة الإسلامية، وهذا البحث الإجمالي وإن كان - في رأيي- يكفي لإصدار حكم عام على البرمجة، إلا أننا مطالبون بالقيام بأبحاث تفصيلية تستهدف نقد البرمجة -أدبيات وتطبيقات- في ضوء النصوص الشرعية، قرآنًا وسنةً.
ومع أن هذا البحث لا يروم القيام بهذه المهمة العسيرة، أشير إلى قضية واحدة كمثال في هذا الاتجاه. مما أرى أن فيه مصادمة لما أفهمه من النصوص الشرعية ما يتعلق بالمبدأ أو الافتراض الذي تؤمن به البرمجة والذي يعتبر من أهم مبادئ وافتراضات البرمجة، هذا المبدأ أو الافتراض يقضي بـ:"أن وراء كل سلوك نية إيجابية"Every behaviour has a positive intention 7.
لا أرى أن هذا يتوافق مع مقتضى بعض النصوص الشرعية. فمثلًا يقفز إلى ذهني في هذا السياق بعض النصوص القرآنية الكريمة التي تحدثت عن الهوى باعتباره دافعًا ومحركًا للسلوك الإنساني، كقوله تعالى: { أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ اللَّهِ أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ } [الجاثية:23] ، وقوله مخاطبًا النبي الكريم داود -عليه الصلاة والسلام-: { يا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلاَ تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ } [سورة ص:من الآية26] ، وقوله: { وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى } [النازعات:40] ، وقوله: { فَلاَ تَتَّبِعُواْ الْهَوَى } [النساء: من الآية135] .
هذه النصوص وأمثالها تشير إلى حقيقة الهوى، وتأثيره الهائل على السلوك الإنساني، لدرجة تحذير الأنبياء المعصومين من الوقوع في حبائله.
إذًا يمكن لنا أن نقرر بعد هذا البيان القرآني الجلي أن أي محاولة -مباشرة أو غير مباشرة- للتقليل من أثر الهوى هي ذاتها أشد أنواع الهوى عمىً وتحيزًا. وهنا ندرك وبجلاء وجوه التعارض بين معالجة البرمجة للسلوك الإنساني على أنه نتيجة لنية طيبة، وبين مدلولات الهوى في القرآن الكريم ومغزى التركيز القرآني عليه.
ولعله من السائغ وربما الواجب توجيه بعض الأسئلة للبرمجة إزاء الهوى، لنستكشف كنه الهوى وكيفية توصيفه في ضوء فلسفة البرمجة. من هذه الأسئلة ما يلي:
* ما الهوى؟ ما حقيقته؟ ما تأثيره؟
* ألا يرتكز الهوى في حقيقته على أسس غير موضوعية وغير مبررة؟
* هل يمكن اعتبار الهوى"نية إيجابية"؟ ومتى؟
تتسم البرمجة اللغوية العصبية (كما ذكرنا سابقًا) بتجزيئية ضيقة في التعاطي مع الظاهرة العجيبة"الإنسان": روحًا وعقلًا وجسدًا، إيمانًا وكفرًا، رشدًا وضلالًا، اعتدالًا وتطرفًا، كسلًاَ ونشاطًا، إقدامًا وإحجامًا، ارتفاعًا وانخفاضًا؛ نجاحًا وإخفاقًا؛ أملًا ويأسًا، علمًا وجهلًا؛ تجردًا وتحيزًا؛ أكثر ذكاءً وأقل ذكاءً، أكثر مهارة وأقل مهارة، منتميًا وغير منتمي. غنىً وفقرًا، فرديًا وجماعيًا، رجلًا وامرأةً، طفلًا وشابًا ورجلًا وشيخًا وكهلًا؛ يمتلك هذه الخلطة من التفكير أو تلك...
وكل هذه الاشتباكات وأمثالها كثير تؤكد على تعقد الإنسان كظاهرة ونظام، لدرجة من التعقيد استحقت معها توجيهًا ربانيًا كريمًا لبني الإنسان بأن يتفكّروا في أنفسهم، يقول الحق تعالى { وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلاَ تُبْصِرُونَ } [الذاريات:21] . ومع كل هذا التعقيد نجد أن البرمجة عالجت الإنسان كأجزاء متناثرة - كما سبق توضيحه وبيانه سابقًا -، وهو ما سنقيم عليه الدليل من خلال الأمثلة التي سنعرض لها لاحقًا.
البرمجة تكتشف"الإنسان الأزرار"!
ويُضاف لهذا الخلل الكبير في التعاطي مع الإنسان خلل لا يقل سوءً وخطورةً وذلك أن البرمجة تتعامل مع الإنسان في بعض مناهجها وتطبيقاتها تعاملًا"ميكانيكيًا"، وبعبارة أخرى يمكننا القول أن البرمجة اكتشفت"الإنسان الآلة"أو"الإنسان الأزرار"الذي يمكن تحريكه بأي اتجاه، كما يمكن تنمية إنتاجه وفعاليته وكفاءته من خلال لمسة سحرية لا تكلف أكثر من"ضغطة"، من خلال ما يسمى في البرمجة بتقنية"الإرساء" (8) Anchoring (هذه التقنية تعتمد بشكل ضمني على نظرية الارتباط الشرطي الشهيرة لبافلوف) . أي إن البرمجة تزعم أنها تحيلنا إلى"إنسان متفوق"في مجال أو آخر عن طريق ممارسة وتطبيق تقنية الإرساء.
فمثلًا يمكنك استدعاء مشهد من خزان ذاكرتك، وليكن مشهدًا كنت فيه متألقًا في خطابك وإلقائك مع ثقة كافية، هنا يأتي إليك البرمجي"ليبرمجك"على هذا الوضع من خلال تمرين تدريبي تكون فيه في حالة من"التطابق" (9) مع صورة ذلك المشهد أو الحدث، تستصحب ذلك الاستغراق في هذا المشهد إلى لحظة زمنية معينة لتقوم بعدها بإرساء أو تثبيت هذا السلوك من خلال - على سبيل المثال - ضغطة على معصم يدك اليسرى. البرمجة تقول لك: إنها"تضمن"في حالة"نجاح"عملية الإرساء أنك قادر على الوصول إلى نفس الدرجة من التألق والتميز في الخطابة والإلقاء في مستقبل أيامك بمجرد لمسة أو ضغطة!!.
وربما يكون مفيدًا إيراد مثال آخر على القدرة"الفائقة"للبرمجة في هذا المجال. للبرمجة دائرة يسمونها بـ"دائرة التميّز" (10) Circle of Excellence، وبطريقة مشابهة يمكنك أن تضمن تميزًا في بقية مشاهد عمرك وذلك فيما يتصل بالمهارة المتضمنة في الخبرة التي قمت بإرسائها عبر دخولك في دائرة تسميها بدائرة التميز!.
ومع أنني أؤمن بأن الإنسان أعقد من ذلك وأكرم وأجلّ، أتساءل:
* وما دليل البرمجة على هذا الزعم؟
* وهل الأثر دائم أم مؤقّت؟
* ثم إنني أتساءل في اتجاه آخر لأقول:
* هل يمكن لك أن تأتي (كمبرمج!) لإنسان"محترم"وتقول له اضغط هنا أو هناك حتى تظفر بنتيجة أو أخرى؟
* ما نوعية البشر الذين يتقبلون مثل تلك المعاملة الميكانيكية؟
* بماذا تمتلئ قلوب أولئك البشر: بالتوكل الشرعيّ على الله تعالى بعد استفراغ الوسع، أم الافتقار إلى بعض الضغطات السحريّة؟
* هذا المدخل الميكانيكي هل يُعلي من شأن الإنسان المكرّم ويعمّق تفكيره وعمله وإيمانه؟ أم يُهينه ويسطّح تفكيره ويجفّف إيمانه؟
البرمجة تعبث بـ"الأسلاك الداخليّة"للإنسان!