فهرس الكتاب

الصفحة 2441 من 3028

وفي هذا السياق أشير إلى نتيجة أخرى هي أيضًا خطيرة، بل هي أخطر من سابقتها، وهي: ضعف اهتمام جملة البرمجيين العرب والمسلمين بالبعد الابستمولوجي (أو ما نسميه بالمعرفيات) للحقول المعرفية، وبالذات الوافدة من خارج نطاق الفكر الإسلامي، وهم - أي جملة البرمجيين - أشتات يتفرقون في الأسباب التي أدت بهم إلى مثل هذا التجاهل الذي لا يُغتفر غير أنهم يجتمعون في تحمل"الوزر"الثقافي، كل بحسبه، فمنهم من لا يكترث أصلًا بالبعد الفلسفي مكتفيًا"بعضلاته"لنقل الأفكار، أي أنه يتبنى"النقل الميكانيكي"للأفكار والفلسفات، وفي هذا المسلك سطحية وخطورة بالغة. ويدخل في هذه الفئة أولئك الذين أُصيبوا برهاب وإرهاب"الانغلاق الفكري"من جراء تعرضهم لنقد -مشروع وغير مشروع- بسبب تحجرهم الفكري وعدم تبنيهم للرأي الآخر، مما أحدث عندهم ردة فعل عنيفة، أضحوا معها مرحبين"بعضلاتهم"بكل وافد فكري. وطبقة أخرى من البرمجيين ربما يكونون من أولئك الذين لا يرون أصلًا أي اختلاف بين الفكر الإسلامي والفكر الغربي في قضايا كهذه، ونحن بدورنا نطالب هولاء بالرد على أو أوردناه من إشكاليات ضخمة في الفضاءات الثقافية والمنهجية والنفسية وإيراد الأدلة والأمثلة.

البرمجة اللغوية العصبية تؤله الإنسان"السوبر"و تجففه إيمانيًا""

تتميز البرمجة بأنها تعين الإنسان على التعرف على طاقاته المخزونة، كما ترشده إلى كيفيات (كيف؟) مقترحة تمكنه من تفجير هذه الطاقات، وللحق أقول: إن البرمجة نجحت في هذا المجال بشكل يستحق الإشادة والتنويه. كما تجدر الإشارة إلى التأكيد على أهمية هذا المنحى التعريفي التشجيعي في التعاطي مع طاقات الإنسان المسلم - وبالذات العربي - في زمن كالذي نحياه الآن، وذلك لتعرض المسلم - وتحديدًا العربي - إلى ألوان من الإهانة"النفسية"بعضها مدروس ومبرمج ومؤدلج وبعضها الآخر عشوائي.

مثل تلك الإهانات تعمد إلى برمجة المزاج العربي والعقل العربي والنفسية العربية عبر تكريس"صور ذهنية مركزة"وعجنها نفسيًا وذهنيًا لتتحول إلى ما يشبه الحقائق عند بعض الشرائح Stereotype، هذا العجن يحدث من جراء متاريس ثقافية ضارة وربما معادية سواء كانت داخل الفضاء العربي وخارجه. هذه الإهانات المتكررة تحاول أن ترسخ سطحية العربي وجهله وكسله وخشونته الحضارية، وهذه الإهانات ترتدي أحيانًا رداء البحث العلمي الجاد تحت شعارات متعددة منها تركيبة العقل العربي، سيكولوجية الرجل العربي، وبنية المجتمع العربي (6) .

إذًا نحن نقرّ بأهمية شحذ"البطارية"النفسية للإنسان العربي/ المسلم وتعريفة بطاقاته الكامنة وسبل تفجيرها، لاسيما إن كنا نقرّ بوجود شيء من الضغط النفسي والفكري على الإنسان العربي/ المسلم، كما أننا نقرّ ونؤكد على حقيقة امتلاك الإنسان لمخزون هائل من الطاقات الكامنة والتي تجعل منه - بشرط الاهتداء بالمنهج الرباني- خليفة تعمر الأرض وتشيد الحضارات الراشدة التي ينعم بها الإنسان، متلذذًا بلذائذه الفطرية والمكتسبة، محققًا بها ذاته، متمتعًا بحريته وانطلاقته في فضاءات الفكر والإنتاج والتفاعل مع بني البشر، ناشدًا تحقيق أكبر قدر ممكن من التوازن بين روحه وعقله وجسده، مُريدًا بذلك كله تحقيق العبودية الخالصة لربه ومولاه تبارك وتعالى.

كما أننا نقرّ بإسهام البرمجة - وببراعة عملية - في تعريف الإنسان بطاقاته وتفجيرها، غير أننا نلحظ في الوقت ذاته مظهرًا بل منهجًا وفلسفة تؤمن بها البرمجة وتبني عليها إطارها الفكري ومداخلها العملية في اتجاه تفعيل طاقات الإنسان، وهذه الفلسفة لها خطورتها البالغة على البعد الإيماني، مما يجعلنا ندرك أن إيجابيات البرمجة وإنجازاتها في هذا الاتجاه ربما تغوص وتنغمر في محيط متلاطم من السلبيات والثغرات الخطيرة التي تتجه بالإنسان إلى"الركون"و"الاغترار"بقدراته الذاتية، وقدراته فحسب، دون توكل قلبي وارتباط وجداني بالخالق العظيم المدبر المهيمن الرزاق الخافض الرافع، تبارك وتعالى.

إن البرمجة تقوم على فكرة تعريف الإنسان بطاقاته ومساعدته على تفجيرها، لكنها تبالغ في هذا الاتجاه لدرجة تأليه"قدرات"الإنسان، فهي المسؤولة عن نجاح الإنسان وفشله في مشروعاته وإدارته وقيادته وتأثيره وغنائه وسعادته، حيث يغيب البعد الإيماني بأن الإنسان مخلوق ضعيف حقير"عبد لله"يسير في الكون بفضل الله ورعايته وتوفيقه وإرادته وعطائه ومنعه، فمصدر قوة المؤمن الحقيقية هو ضعفه بجانب الله تعالى وافتقاره إليه والتسليم بعجزة المطلق على الفعل والعطاء دون إرادة الله وتوفيقه ورحمته.

وهنا يجب علينا الإشارة إلى أن محاولات البرمجيين العرب -المشكورة- الرامية إلى تطعيم البرمجة بـ"نصل إيماني"- عبر بث بعض الآيات والأحاديث والآثار والأشعار والقصص- قد أسهمت بترطيب يبوسة البرمجة نوعًا ما، إلا أن الناظر والمتدبّر والمستمع للبرمجة يحس بخشونتها الإيمانية ويلمس نشافتها الروحية، وهنا يحق لنا أن نتساءل -متعجبين-:

لماذا لم تفلح محاولات البرمجيين العرب في الحد من غلواء وجفاف البرمجة في البعد الإيماني؟

لأنها محاولات ترقيعية تجزيئية، فسمة الجفاف الإيماني للبرمجة وتأليه قدرات الإنسان سمة طاغية على لونها ونفسها العام، متغلغلة -بخفاء- إلى أطيافها وتفاصيلها، مما جعل تلك المحاولات -في رأيي- تبوء بفشل عام، بحسب ما أراه في الكتب أو"النسخ"النظرية لأولئك البرمجيين وتطبيقاتهم العملية. ويمكن أن يعد هذا -إن تقرر وسلم به- مظهرًا من مظاهر تأثير البيئة الأصلية والمناخ العقدي الفلسفي العام على نشأة العلوم والحقول، تأثيرها على بنيتها وإطارها ونفسها وتوجهها وغايتها وثمرتها.

إذًا نقول: إن البرمجة تتجه إلى تأليه الإنسان"السوبر"وتجفيفه إيمانيًا، ولا نتوقع أن تفلح محاولات ترقيعية ضعيفة - كالتي أشرنا لها - في تحقيق أي تقدم يذكر على الأرضية الحالية للبرمجة، إنها تشبه من يجلب نخلة طيبة مثمرة، حاملًا إياها على كتفه، يروم أرضًا يبابًا هناك، مع علمه بأنها ليست لها أرضًا ولا مناخًا ولا سقيًا. نعم البرمجة - بوضعها الراهن - مستعصية على محاولات هزيلة كهذه.

إذًا نحتاج إلى نوع آخر من التفكير.. مستوى أعلى من التفكير .. يمكننا من الغوص في إشكاليات وبنية الفلسفة التي تتأسس عليها البرمجة، مع أدوات منهجية استنباطية استقرائية تحليلية في مكونات الفكر الإسلامي ومنطلقاته. ولعلّي أعرض لاحقًا إلى بعض القضايا في هذا الاتجاه علها تصلح لتكون خطوطًا عريضةً للتعاطي مع هذه الإشكالية الكبيرة.

البرمجة اللغوية العصبية"فلسفة مغرورة"!

ربما يكون البعض قد لمس ما أرمي إليه في هذا العنوان من خلال تحليله لما تقدم. على كلٍ، برز مما تقدم أن البرمجة تحاول أن تقدم نفسها كحقل معرفي يتناول كافة الظواهر الإنسانيّة بالتحليل والعلاج، و لم تكتف بهذا، بل راحت تعد بتقديم أفضل الحلول وأسرعها، تهويلًا ومبالغةً، وقد انعكس هذا المسلك المشين بجلاء على جملة البرمجيين في كتابتهم وتطبيقاتهم، إذ جعلوا يحتقرون ويقللون من شأن بقية الحقول المعرفية وإسهاماتها الضخمة في التعاطي مع مختلف الظواهر الإنسانيّة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت