وربّما يعطي هذا التقدّم لحقل البرمجة مع استخدام المنهج النّفعيّ دلائل وإشارات إلى أهمّ أوجه ضعف"المنهج العلميّ"والتي تتمثل - في رأيي - في عدم إعطاء المرونة الكافية مما يحدّ أحيانًا من قدرة العالم والباحث على الإبداع في التّعاطي مع العلم والمعرفة إنتاجًا ونقدًا، لاسيّما داخل االرّواق الأكاديميّ"الأكاديميا"، ذلكم االرّواق الذي يحتاج منا أيضًا إلى وقفة نقديّة تعرّي خروقه وثقوبه وعيوبه. ومثل هذا النقد يتأكّد إذا سلّمنا بأنّ أكثريّة علماء وباحثي العلوم الاجتماعيّة في العالم العربيّ مصابون بداء أسميه بـ"السّلفية للذهنيّة الغربيّة"، تلك السلفيّة المقيتة تتعدّى أطر الإفادة مما يمكننا تسميته بـ"المنهجيّات الصلبة" (والتي يمكننا تشبيهها بالأوعية أو الأواني التي تنقل الأطعمة والأشربة) والمتضمّنة للإجراءات"العمليّة"في البحث والقياس، إلى نسخ"المنهجيّات الرّخوة" (وهي الأطعمة والأشربة ذاتها!) والمتمثلة في الفلسفة"الأيدلوجيّة"والتي تنقل في أغلب الأحيان إلينا أفكارًا ميّتة وأخرى ُمميتة (10) في محيط الثقافة.
إذًا نحن بحاجة ماسّة لممارسة نقديّة واعية للمنهج العلميّ وتطبيقاته وكافّة المناهج المنافسة وتطبيقاتها بغية الوصول إلى منهج علميّ يعصم التفكير الإنسانيّ من الخطأ المنهجي - قدر المستطاع -، ويزيد من إنتاجه، ويستفز إبداعه؛ بما يستلزمه ذلك من بلورة وإنتاج لمصطلحات ومفاهيم فلسفيّة عميقة تضيف أبعادًا وأدوات تفكيريةً خلاقة تقود إلى اختراق فضاءات معرفيّة جديدة، وتطوير لأدوات قياس علميّة للظواهر الإنسانيّة والاجتماعيّة تحظى بالثبات والصّحة Reliability & Validity. ونحن إذ نقرّر ذلك يتوجب علينا التأكيد على حتميّة انبثاق واهتداء هذا المنهج بمنطلقات وأسس فكرنا الإسلاميّ الأصيل، اعتمادًا على قرآن ربّنا تعالى وسنّة نبيّنا محمد صلى الله عليه وسلم.
النسبية"المطلقة"Absolute Relativism
طبقًا لمنظومة قيم البرمجة Belief System of NLP، تتبنى البرمجة مبدأ"النسبيّة"في تحصيل العلم أو المعرفة بما يتضمنه ذلك من: التّفكير، الإدراك، التّحليل، الفهم، حيث تؤمن البرمجة باستحالة الظفر بـ"المعرفة أو الحقيقة لموضوعيّة"من قبل أيّ إنسان! وفي هذا يقول أصحاب موسوعة البرمجة"روبرت ديلتس"و"جوديث ديلوزير"ما نصه:
"بناء على ما سلف ذكره، نخلص إلى أنّ في هذا المدخل ضيقًا وتطرّفًا واضحًا، إذ إنّ المعارف تتفاوت من حيث كُنهها وخصائصها ووظائفها ومصادر الحصول عليها، لدرجة تجعلنا نرفض هذا التقييد"المتطرّف"للمعرفة الإنسانيّة. أي أنّنا نؤمن بأنّه يمكن لنا أنْ نظفر بمعرفة"موضوعيّة"يتّفق عليها - صحة ً - مجموعة من الناس اتكاءً على معايير محدّدة، بجانب تلك المعرفة"الشخصيّة"والتي تتلوّن"بنظارتنا"النفسيّة أو الحضاريّة في إطار من التفاعل الاجتماعيّ؛ على المستويين الفرديّ والجمعيّ".
وهذه المدرسة التركيبيّة جاءت كردّة فعل لإيغال الفلسفة الوضعيّة Positivism (11) في تبني الطّرق"الموضوعيّة"Objectivism وهي أدوات العلوم التّجريبيّة، حيث إنّها الطّريق الأوحد الذي يمكّن الإنسان من الحصول على معرفة موضوعيّة يمكن اختبارها وتجريبها على حدّ زعم هذه الفلسفة. كما أنّها تزعم بأنّ البحث العلميّ يجب أنْ يكون مجردًا من الإطار القيمي Value-free ولذا فهي تؤسّس لقبول الواقع كما هو، وعليه فإنّها لا تعتد - مثلًا - بالعلوم الدينيّة"الشرعيّة"المستقاة من الوحي المطهّر لانتفاء شرط الاختبار والتجريب فيها، بل تعدها علومًا ميتافيزقيّة. إنّها باختصار فلسفة"عديمة الخلق"،"سطحيّة"،"ملحدة"لا تؤمن بما وراء الطبيعة من ربّ خالق مدبّر رازق، أوجد الإنسان والكون لغاية محدّدة، كما قال الحق تعالى { وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ } [الذريات:56] ، ولتحقيق هذه الغاية أكسب الله تعالى الإنسان طاقات عقليّة ضخمة تدلّه على خالقه وتعرّفه بأسرار الكون ومفاتيح عمارته عمارةً راشدة مهتدية متوازنة.
الزّعم بتبني التّفكير المنظومي Systems Thinking
تزعم البرمجة أنّها تتبنّى مدخل"التفكير المنظومي"في معالجتها للظواهر الإنسانيّة، حيث إنّها تدّعي أنّها تعالج الظاهرة المعينة باعتبارها نظامًا جزئيًّا Subsystem في إطار نظام شمول Holistic System، وفي هذا السياق يذهب أصحاب موسوعة البرمجة"روبرت ديلتس"و"جوديث ديلوزير"على أنّ هذا سِمَة أساسيّة وفائقة في البرمجة، بل إنّهم يعتبرون هذا المدخل واحدًا من أهم ٌمسلّمتين في البرمجة. وهذا المدخل ينصّ على أنّ الحياة والعقل عمليات منظوميّة " Life and Mind are systemic processes". وعند النّظر في أدبيّات البرمجة وتطبيقاتها نجد أن مثل هذا الزعم باطل وغير متحقق، بل إن ما يناقضه هو المتحقق في حق البرمجة، حيث إنّها تتبنّى منهجًا تجزيئيًّا تبسيطيًّا عند تعاطيها مع الظواهر الإنسانيّة، ربما بحجّة تحقيق شرط وصفة"العمليّة"!! وحتى لا يكون هذا - أي ما قرّرته - مجرّد زعم أورده فإنّه يتعين علينا أنْ نأتي ببعض الأدلّة والأمثلة.
من ذلك أنّهم حين يمارسون مثلًا تقنية الإرساء Anchoring لا يهتمّون بالخلفيّة النفسيّة والاجتماعيّة للعميل المتدرّب، وحينما تذكّرهم بأهميّة ذلك يقولون لك: لدينا شيء في البرمجة اسمه البرامج العليا Meta Programmes تراعي مثل تلك القضايا!! ونحن نتساءل هنا:
-لمَ لا يتمّ تفعيل البرامج العليا عند تطبيق هذه التقنية أو تلك؟
-هل يعود السّبب إلى أنّ ذلك يجرّ عليهم تعقيدات"نظريّة"لا طائل من ورائها؟
-ألا يوقفهم هذا على تعقد الظاهرة الإنسانيّة؟ وسطحيّة المنهج النّفعيّ؟ و اكتشاف أُكذوبة تبنّي المنهج النظاميّ؟
الهوامش:
* كاتب وأكاديمي سعودي
1-د. محمد التكريتي (1993) ، آفاق بلا حدود، الرياض: دار المعا رج، ط1.
2-في ضوء مصطلح"النقد الثقافيّ الحضاريّ"، يشير النقد الثقافيّ إلى ممارسة العمل النقديّ داخل أروقة الثقافة الواحدة، كالنقد داخل الثقافة العربيّة الإسلاميّة. بينما يعمل النقد الحضاريّ على رفع سقف النقد الثقافيّ وتوسيع دائرته ليشمل تموضع وحركة الأمّة ذات الثقافة الواحدة في خضم المسار الحضاريّ وتفاعلها مع الحضارات الأخرى. أي أنّنا نمارس العمل النقديّ في ضوء مستويات متعدّدة من التحليل. الأمر الذي يبيّن سرّ وفلسفة الجمع بين مصطلحي الثقافة والحضارة في هذا السياق.
كما تجدر الإشارة إلى أنّ بعض الباحثين العرب يقترح بعض المصطلحات ذات البعد التكاملي في العمل النقديّ. فمثلًا يطرح عالم الاجتماع المغربيّ مصطفى محسن مصطلح"النقد متعدّد الأبعاد"، انظر مثلًا: مصطفى محسن (2002) ، في المسألة التربويّة - نحو منظور سوسيولوجي منفتح، ط2، الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي.
3-لقريندر وباندلر العديد من الكتب التي تعتبر المراجع الأساسيّة للبرمجة. من هذه الكتب ما يلي: