فهرس الكتاب

الصفحة 2438 من 3028

نقد الأساس الفلسفيّ

نقد الأُسس الفلسفيّة والمنهجيّة للبرمجة

تتمحور نظريّة المعرفة أو الابستمولوجيا أو ما يمكننا تسميته بـ"المعرفيّات"في جوهر التساؤل الفلسفيّ الكبير"عمّا يمكن اعتباره علمًا أو معرفة صحيحة، دقيقة، موضوعيّة، وحتى لا يعترض علينا البعض ممّن لا يرى، ولا يسلّم بأنّ صفات الصّحة والدّقة والموضوعيّة هي السّمات الأساسيّة للمعرفة الإنسانيّة؛ دعونا نقل"المعرفة الإنسانيّة التي ُيرى أنّها قابلة للتفعيل في المحيط الاجتماعيّ اعتمادًا على أسس يتّفق عليها مجموعة من الباحثين". ومدخل المعرفيّات - متجسدًا بذلك السؤال الضخم - يستدعي بالضرورة وضع تعريف ضابط لـ"العلم"أو"المعرفة"، وتحديد - من ثم - وسائل الحصول على المعلومات التي تشكل بنية هذا العلم أو المعرفة، وكل هذا يجب أنْ يشتمل على تأطير حدود هذا العلم أو المعرفة وتحديد صفات الرديء منه والجيّد. وهذا السؤال بذاته مبحث فلسفيّ كبير لا يسعنا الخوض فيه، بل وليس ثمّة حاجة إلى ذلك أصلًا في بحثنا هذا. إذن ما يهمّنا هنا هو الإشارة على عجالة إلى أهم الأسس الفلسفيّة المعرفيّة التي أرى أنّ حقل البرمجة قد تأسّس عليها."

البرمجة والفلسفة البراغماتيّة

يقوم هذا الحقل على ما يسمى بالمنهج النّفعيّ"البراغماتي"Pragmatic Approach ، وهو المدخل الذي يرى أنّ النّفعيّة هي المعيار لتحديد المعرفة الإنسانيّة الصّحيحة الدّقيقة أو التي تمتلك مقوّمات التفعيل في المحيط الاجتماعيّ. إنّه منهج مشابه لمن يتعاطى العلاج بالأعشاب، فكلّ عشب ينفع مع مريض يمكن أن ينفع مع الآخر المشابه في الأعراض والشكوى، دون إخضاعه للتجربة بضوابطها المنهجيّة المحكمة. وكذلك يفعل المتخصصون في البرمجة اللغويّة العصبيّة"أو البرمجيّون - اختصارًا"إذ إنّهم يطبّقون كلّ نموذج"يعمل"دون النّظر في منطلقاته الفلسفيّة والفكريّة أو صحّته التّجريبيّة. بل إنّ منظّري البرمجة يعدون هذا واحدًا من أهمّ مزاياها حيث يقول أصحاب موسوعة البرمجة"روبرت ديلتس"و"جوديث ديلوزير"ما نصه:

وهنا قد يثور تساؤل جوهريّ بل أكثر مفاده:

-ما الخطأ في هذا المنهج النّفعيّ الذي يتبناه حقل البرمجة؟

-وهل سلم المنهج العلميّ من الأخطاء، حتى نحاكم الحقول المعرفيّة له ونحكمها بها؟

-يمكننا تقديم الإجابة على الشطر الثاني من السؤال - لاعتبارات منطقيّة - وذلك بالقول: إنّ المنهج العلميّ باعتباره فكرًا إنسانيًا لا يمكن الزّعم مطلقًا بخلوّه من المثالب والعيوب والصعوبات فلسفيًّا ومنهجيًّا وعمليًّا، غير أنّه أسلم المناهج الذي يمكّننا من الحصول على المعارف الإنسانيّة واختبارها وتجريبها وإنضاجها فلسفيًّا أو علميًّا أو معًا، وربّما تتّضح معالم هذا التميّز والتفوّق من خلال استعراضنا لبعض مثالب وعيوب ونتائج تبنّي المنهج النّفعيّ في الحقول المعرفيّة، مع الأخذ في الاعتبار أنّ التركيز سيكون على تلك التي لها صِلة أكبر وأوثق بحقل البرمجة.

يمكننا تلخيص أهمّ عيوب المنهج النّفعيّ بالنّقاط التالية:

-عدم إمكانية التحقق من نتائجه Verification باعتبار الصّحة المنهجيّة، الفلسفيّة أو التّجريبيّة وباعتبار أثر هذه النتائج من حيث ديمومتها وطبيعتها وقوّتها، وذلك لانعدام وجود معايير وطرق وخطوات منهجيّة وعمليّة للتجربة والقياس والتحقّق. وفي هذا السياق نجد أنّ أسئلة ملحةً كثيرًا ما تعرض لمن يتدرّب على البرمجة دونما إجابة مقنعة من البرمجيّين غير إيراد"مزاعم"- قد تثبت أو تنفى - عارية من كل دليل تجريبيّ أو برهان عقليّ. ويقف على رأس هذه الأسئلة عند كثير من المتدرّبين والمتابعين للبرمجة ما يتعلّق بمدى ثبوت وديمومة الأثر الذي يتحقّق من جراء تطبيق إحدى تقنيات البرمجة.

-هل يجب توافرها في كل من يروم تنظيرًا وإسهامًا في البرمجة؟ أم ُيفتح باب الاجتهاد"النّفعيّ"لكل أحد دون شرط أو قيد مادام أنّ الحقل يعتنق المبدأ النّفعيّ؟

-هل يوافق من يرى أنّ"المَشْي على الجمر"تقنية برمجيّة نافعة؟ ولماذا لا يكون المَشْي على مسامير نافعًا أيضًا؟ ما المعيار في ذلك؟ أليس النّفعيّة؟

هذه الأسئلة - وأمثالها كثير - تحتاج إلى إجابات"منهجية" (أو قل"مقنعة!"حتى لا يشغب علينا البرمجيّون على استخدام منهجيّ) من منظّري وفلاسفة المنهج"النّفعيّ"، بحسب قراءتي المتواضعة لأدبيّات البرمجة لم أقف على إجابات مقنعة على تلك الأسئلة الخطيرة. وهنا نتساءل مجددًا عن مدى إمكانيّة الظفر بإجابات من قبل البرمجيّين العرب والمسلمين حيال هذه القضايا ذات البعد الأيدلوجي.

-ينتج مما سبق مشاكل و صعوبات غاية في التعقيد والخطورة والتي منها:

إشكاليّات كبيرة فيما يتعلق بالتعميم Generalization: يمكن استجلاء بعض الإشكاليّات التي تصاحب وتنجم عن المنهج النّفعيّ بخصوص قضية التعميم عبر طرح الأسئلة الخطيرة التالية:

-هل يمكن تعميم"نفعيّة"كل النماذج التي ثبت نفعيّتها عند كلّ أحد؟ أم يلزم ثبوتها عند رواد الحقل ومنظّروه (وفلاسفته!) ؟

-هل الأثر الذي تتركه تطبيقات البرمجة دائم أم مؤقّت؟ وما المعايير في التفريق بين هذا وذاك؟

-أين دور"الثقافة"في التأثير؟

ومثل هذا الاستعراض السريع يبيّن بجلاء خطورة تبني المنهج"النّفعيّ"في الحقول المعرفيّة، بل ومِمّا يثير الدّهشة - فعلًا - أنّ رواد البرمجة (9) لم يكتفوا بتبني هذا المنهج واعتباره إيجابيًّا و"مكسبًا"للحقل، بل راحوا يقلّلون ويزدرون المنهج العلميّ ويُكيلون التّهم - وبنبرة تهكميّة - لبعض الحقول المعرفيّة العريقة كـ"علم النفس"، وهنا يمكننا أنْ نسجّل دهشتنا الكبيرة لسرّ هذا الهجوم غير العلميّ وغير المنصف، ومع إدراكنا لوجود خلفيّة"ثأر نفسي"بين بعض روّاد حقل البرمجة وعلم النفس تحديدًا، فإنّ الناقد يأكله الاستغراب من جرّاء اتباع جملة البرمجيّين المرموقين في عالمنا العربيّ لمثل هذا المنهج (اللاعلميّ) في التّعاطي مع الحقول المعرفيّة"الصّديقة"و"المنافسة"في المجالات الأكاديميّة والتّدريب.

وهذا لا يجب أنْ يُفهم منه دفاعي عن أيّ حقل معرفيّ، بل إنّني أدعو وأشاطر رأي من يوجّهون نقدًا علميًّا أو فلسفيًّا لهذه الحقول وعلى رأسها"علم النفس"لإخفاقاته في تحقيق تقدّم في بعض المسارات الهامّة في خارطة الإنسان الروحيّة والعقليّة والجسديّة والعاطفيّة. وفي هذا السياق يحسن بنا أنْ نؤكّد على أنّ البرمجة اللغويّة العصبيّة قد حققت تقدمًا كبيرًا في بعض المسارات والتي من أبرزها - في نظري-"نمذجة"السلوك والأداء الإنسانيّ of Behaviour and Performance Modelling .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت