فهرس الكتاب

الصفحة 2437 من 3028

وأقول أخيرًا إن أمر العقل الباطن والبرمجة غير المثبت علميًا أُعطي أكثر مما يستحق وهو يضاد الوازع الإيماني. فالإنسان يتأثر بقوى ثلاث: إيمانية موصولة بالله عز وجل عن طريق الروح، وقوى النفس الأمارة بالسوء، وقوى الشيطان المساندة للنفس الأمارة بالسوء في حثه على شهواتها الخفية الظاهرة. والغرب المادي الملحد لم يعرف الجانب الروحي البتة، و لذلك هو متخبط في هذا الجانب ويحاول جاهدًا للوصول إلى حقائقه ولن يستطيع البتة إلى إذا عرف الإسلام وكيف تعامل هذا الدين مع الجانب الروحي والإيمانيات. فالغرب من تخبطه أخذ بعمل الأبحاث على أرواح الموتى في ساعة الاحتضار لمعرفة هذه الأسرار وأنشأ لذلك ما يُسمى بعلم الأعصاب الروحي. فلننتبه إلى هذا البعد حتى أن بعض كبار مدربي البرمجة يقول: (علمتنا البرمجة كذا وكذا) ، (قالت لنا البرمجة كذا و كذا) ، وتغافلوا عن الأصل: قال الله وقال رسوله

نَظَرات نقديّة للبرمجة اللغويّة العصبيّة

الكاتب د.عبد الله البريدي

فهرس المقال

نَظَرات نقديّة للبرمجة اللغويّة العصبيّة NLP

صفحة 2

صفحة 1 من 2

الجزء الأول:

مدخل

بدأ ارتباطي ومعرفتي بحقل البرمجة اللغويّة العصبيّة (البرمجة اختصارًا) منذ أحد عشر عامًا، حيث بدأت رحلتي معها بقراءة كتاب عن البرمجة اللغوية العصبية وضعه الصديق الدكتور محمد التكريتي (1) ، وبعد فراغي من الكتاب والتأمل في تقنيات البرمجة المقترحة أحسست أنّها ظريفة ومفيدة، غير أنّني توقعت للبرمجة ألا تعدو مجرد كونها"موضة"تدريب وتنقشع، لتجيء موضة أخرى في فضاء ثقافيّ"يرحّب"بالأفكار ولا"يصنعها"! ومما أزعجني في البرمجة أنّها تعتمد على المنهج النّفعيّ (سيأتي توضيح ذلك بالتفصيل) وغيرها من الأمور. والحقيقة أنّني حينذاك لم أكنْ على دراية بالأسس الفلسفيّة للبرمجة لعدم وقوفي على المصادر الأصليّة لها، حيث إنّها لم تكن البرمجة من جملة اهتماماتي الأساسيّة، فذهبت بضع سنوات وأنا أحمل ذات القناعات حيال البرمجة، وكنت طيلة تلك الفترة أسرب بعض قناعاتي"المبدئية"لبعض الأصدقاء وأجد تفاوتًا في الآراء.

ثم ما لبثت البرمجة أن انتشرت بشكل لم يكن يخطر على بالي (مع أنّني مصرّ على أنّها موضة أو هكذا يجب أنْ تكون!) ، فتنافست مراكز التدريب وكثير من المدربين المرموقين في العالم العربيّ على التبشير بها، وجعلت جحافل الترويج للبرمجة تقرع كلّ أذن وتقع على كلّ عين، واحتدم النقاش بين مؤيّدين ومعارضين، وتوقف قوم، فلا هم من هؤلاء ولا من هؤلاء، ومع شيء من القراءة والنّقاش اتضح لي معالم جديدة في البرمجة زادت من مخاوفي السابقة، فقررت أن أبدأ رحلة أخرى مع البرمجة، رحلة أكثر عمقًا تمكّنني من الوقوف على جوهرها، فكان لزامًا عليّ أنْ أبدأ بالفلسفة التي تقوم عليها البرمجة، مرورًا بأطرها الثقافيّة والنفسيّة.

ولقد خلصت بعد ذلك إلى كتابة بحث نقديّ تضمن بعض النتائج التي رأيت أنّها جديرة بالطرح والنقاش في الساحة الثقافيّة، علّها تكون معينًا لنا على الوصول إلى الحقيقة تجاه البرمجة بكل تجرّد وموضوعيّة. ولقد حرصت على صياغة البحث بأسلوب علميّ سهل، ولذا فإنّني أرجو أنْ يجده القارئ"خفيف الظلّ"، مع التأكيد على أنّ قراءة موضوع كهذا يجب أنْ تتلبّس بالتأنّي والتأمّل.

تحاول هذه المقالة ممارسة العمل النقديّ لحقل البرمجة من حيث المنطلقات والآثار و الانعكاسات. وفي هذه الممارسة النقديّة سيتمّ التركيز على الأسس التالية:

1-الأُسس الفلسفيّة والمنهجيّة للبرمجة.

2-الأُسس الثقافيّة للبرمجة.

3-الأُسس النفسيّة.

وقبل البدء بمناقشة هذه المحاور يتعين علينا الإشارة إلى بعض القضايا الهامّة التي تشكل إطارًا يساعد على فهم الممارسة النقديّة في هذه الورقة البحثيّة.

1-العمل النقديّ في هذه الورقة يؤمن بوجوب دوران الحركة النقديّة في فلك التحليل الحضاريّ (2) ، الذي يتفهم تموضع ووظيفة الثقافة في مسار التحضّر، ويدرك سير الأمة وتقلباتها في هذا المسار. ومع استفراغ الوسع للتلبّس بهذه الصّفة، لا تدّعي هذه الورقة أنّها حقّقت نجاحًا كبيرًا في القيام بهذه المهمة العسيرة. ونحن في هذا السياق نؤكّد على أهميّة وجود محاولات جادّة في سبيل رسم الإطار النظريّ والمفاهيميّ للحركة النقديّة الثقافيّة الحضاريّة.

2-إنّ الممارسة النقديّة للبرمجة ستوجه بشكل رئيس إلى إطارها وفلسفتها ونسقها العام دون ملامسة تفاصيلها وتقنياتها وطرقها العمليّة، إلا على سبيل إيراد بعض الأمثلة والشواهد على ما نسوقه في هذه الممارسة النقديّة.

3-إنّ هذه الممارسة لا تدّعي الإتيان على كافة القضايا المهمة المتعلقة بحقل البرمجة، وذلك طلبًا للاختصار والتركيز، مع الإشارة إلى أهميّة وجود دراسات أكثر شمولًا وعمقًا.

4-اتّكأ هذا العمل النقديّ على مقولات ورؤى وفلسفة منظري الحقل، ممن يشهد لهم بالريادة والتأثير النظريّ والعمليّ على حقل البرمجة.

5-تناول العمل النقديّ بعض الجوانب المتعلقة بالمتخصصين في البرمجة في العالم العربيّ الإسلاميّ، دون الدخول في مناقشة تفصيليّة لآرائهم حيال البرمجة فلسفيًا ونظريًا مع إيمان الباحث بأهميّة ذلك لانطواء بعضها على ما يستوجب العمل النقديّ الجادّ.

6-في هذه الممارسة نثبت النصّ الإنجليزيّ لبعض القضايا الهامة بجانب الترجمة العربيّة وذلك للتوثيق العلميّ، والتأكّد من مدى وجود فهم مشترك للنّص.

وبعد هذه المقدمة المختصرة، يتعين علينا البدء بتعريف حقل البرمجة كي يكون ذلك منطلقًا لفهم واستيعاب بنية الحقل وفلسفته وأهدافه ومنهجيّته وتطبيقاته ومجالاته.

*ما هي البرمجة اللغويّة العصبيّة؟

البرمجة حقل معرفي نشأ وتبلور في السبعينيّات الميلاديّة على أيدي مجموعة من المنظّرين والفلاسفة الغربيّين أبرزهما على الإطلاق"ريتشارد باندلر"و"جون قريندر"Richard Bandler & John Grinder ، وشاركهما في تأسيس وتأطير وتطوير الحقل جملة من المنظرين الآخرين أمثال"روبرت ديلتس"و (3) "جوديث ديلوزير"Rober Dilts & Judith Delozier,. مع أنّه يجب أنْ نأخذ في الاعتبار أنّ هذا الحقل قد تأسس على بعض الرّؤى الفلسفيّة لمجموعة أخرى من الفلاسفة الغربيّين (4) . حقل البرمجة يتعاطى مع الظواهر الإنسانيّة من خلال ثلاثة مكوّنات هي: الجهاز العصبيّ Neuro واللّغة Language و البرمجة Programming، وهذه المكوّنات الأساسيّة أعطت للحقل اسمه المعروف البرمجة اللغويّة العصبيّة Neuro-Linguistic Programming (NLP) . ولعلنا نورد هنا بعض التعريفات للبرمجة، مع حرصنا على إثبات تعريفات كبار منظّري وفلاسفة حقل البرمجة. يعرف ريتشارد باندلر البرمجة بقوله:

"إنّ البرمجة اللغويّة العصبيّة هي اتجاه (أو توجه) و منهجيّة يخلفان أثرًا من جراء تطبيق بعض التقنيات"

في حين يذهب روبرت ديلتس أن"البرمجة اللغويّة العصبيّة هي كل ما يحقق النتائج"

ويعضد هذه المعاني ما جاء في موسوعة البرمجة (6) المعدة من قبل اثنين من أبرز روّاد ومنظري البرمجة وهما"روبرت ديلتس"و"جوديث ديلوزير"، حيث يقولان: إنّ البرمجة اللغويّة العصبيّة مدرسة فكريّة نفعيّة - فلسفة للعلوم تعالج المستويات المتعددة في الإطار الإنسانيّ""

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت