وفي أواخر الخمسينيات كانت هذه المحددات لها صورة أخرى في رؤية الدكتور محمد البهي الذي كان مسكونا بهاجس الغزو الفكري والاختراق الثقافي والقيمي، وقد ارتبطت هذه المحددات عنده بمفهوم الإصلاح الديني في مجال الإسلام، التسمية التي يفضلها ويختارها على عبار تجديد الفكر الإسلامي، ويعني به ) محاولة رد الاعتبار للقيم الدينية، ورفع ما أثير حولها من شبه وشكوك، قصد التخفيف من وزنها في نفوس المسلمين. ونعني به كذلك محاولة السير بالمبادئ الإسلامية، من نقطة الركود التي وقفت عندها في حياة المسلمين إلى حياة المسلم المعاصر، حتى لا يقف مسلم اليوم موقف المتردد بين أمسه وحاضره، عندما يصبح في غده. والإصلاح الديني في مجال الإسلام بهذا المعنى ذو صلة وثيقة بالعصر الذي يتم فيه، وبالفكر الذي يقوم بمحاولته، وبظروف الحياة التي عاش فيها هذا الفكر ) (9) .
وفي الستينيات عبر أبو الأعلى المودودي عن رؤية مغايرة من حيث طبيعة محدداتها، لأنه كان مهموما بفكرتي الحاكمية والجاهلية، لهذا أعتبر أن ) التجديد في حقيقته هو تنقية الإسلام من كل جزء من أجزاء الجاهلية، ثم العمل على إحيائه خالصًا محضًا على قدر الإمكان ) (10) .
وفي السبعينيات كانت هذه المحددات في رؤية الدكتور حسن الترابي تتصل بعلل الفكر الإسلامي، والتي حددها في ثلاث نقاط هي:
أولًا: أن يتفاعل الفكر الإسلامي ويتصل بالأصول الخالدة التي انقطع عنها شيئًا ما بتقادم العهد.
ثانيًا: الانقطاع عن العلوم والمعارف العقلية.
ثالثًا: انقطاع الفكر الإسلامي عن حياة الناس، وأصبح فكرًا مجردًا (11) .
ويتناغم مع هذه المحددات الرؤية التي طرحها الدكتور علي شريعتي في تلك الفترة أيضًا، حين ناقش مفهوم الإصلاح الديني، واعتبر أن لا إصلاح ديني في الإسلام ) بمعنى إعادة النظر في الدين، بل إعادة النظر في رؤيتنا وفهمنا الديني، والعودة إلى الإسلام الحقيقي. من هنا أضحى الشعار الفكري والعقائدي لسائر كتابنا ومفكرينا، خصوصًا في جيلنا المعاصر الذي يشتد فيه الإحساس لهذه الحاجة، هو العكوف على إصلاح فكرنا الديني، يعني المعرفة الدقيقة والعلمية للإسلام. ونحن إذا لم نكيف رؤيتنا الدينية مع منطق العصر، ولم نتعرف على الإسلام الفاعل الإيجابي المسؤول، فمن المحتمل أن نضيع الكثير من أصولنا العقائدية خلال جيلين آتيين. وستفقد الأجيال القادمة أبسط الميل والتفاعل مع هذه الأصول، ويضحى لها الإسلام الواقعي والإسلام الخرافي على حد سواء ) (12) .
أما في الثمانينيات والتسعينيات فقد تعددت وتباينت تلك المحددات تضييقًا وتوسيعًا، قبضًا وبسطًا، تشددًا واعتدالًا، بحسب طبيعة الميول والانتماءات الفكرية والثقافية، على طريقة ما يظهر بين التقليديين والتجديديين، المحافظين والإصلاحيين، لأن جميع هؤلاء على اختلاف وتعدد تلك الانتماءات الفكرية والثقافية أخذوا يتحدثون عن التجديد في الفكر الإسلامي والخطاب الإسلامي، والفروقات بينهم تظهر في أن التقليديين أميل بطبعهم إلى التضييق والقبض والتشدد، بخلاف الإصلاحيين الذين هم أميل إلى التوسيع والبسط والاعتدال، كما أن التضييق والقبض والتشدد هذه الحالات لا تظل على درجة واحدة من الثبات وبدون تبدل أو تغيير، ولهذا فإن هذه الحالات لها أكثر من ذوق وصورة وفهم حتى بين التقليديين أنفسهم.
وأما الحديث عن التجديد في وقتنا الراهن، فلاشك أن تلك المحددات قد تأثرت بأحداث أيلول - سبتمبر، وارتبط هذا التأثير تحديدًا بتغيير الرؤية إلى العالم، الرؤية التي تغيرت تقريبًا عند مختلف الأمم والثقافات، والرؤية إلى العالم هي من المقولات الفلسفية التامة، والتغيير فيها يكون له شدّة وقوة على منظومات الأفكار, وهذا من طبيعة فاعلية وتأثير المقولات الفلسفية. وهذه المحددات قد ارتبطت بقضيتين، قضية الأصولية، وقضية الإرهاب، الأصولية كقضية فكرية ناظرة إلى الجانب الذهني وهي تعبر عن نزعة الغلو والتطرف التكفير، والإرهاب كقضية سلوكية ناظرة إلى الجانب العملي وهي تعبر عن نزعة العنف والقوة والصدام. وهذا يعني أن الأصولية شوهت صورة الإسلام فكريًا، وكأن الإسلام يدعو إلى التطرف ولا يتوافق مع التقدم. وأن الإرهاب شوّه صورة الإسلام أخلاقيًا، وكأن الإسلام يدعو إلى العنف، ولا يتوافق مع الآخر المختلف. لذلك أصبحت صورة الإسلام في العالم تارة تقترن بالتطرف، وتارة تقترن بالإرهاب. وهذا الذي ينبغي أن يتغير، وهي مهمة التجديد في الخطاب الإسلامي المعاصر. والتخلص من الأصولية بحاجة إلى تجديد داخلي على مستوى الذات، والتخلص من الإرهاب بحاجة إلى تجديد خارجي على مستوى الآخر. هذه هي السياقات والأرضيات الفكرية والموضوعية التي تبلور وتحدد فيها مفهوم تجديد الخطاب الإسلامي.
والذي أراه في النظر لهذا المفهوم بعيدًا عن تلك السياقات والأرضيات، ومحاولة فهمه بطريقة معرفية بعيدًا عن المحاذير والالتباسات، وذلك بالنظر إليه من جهتين، من جهة تفكيكية يكون النظر فيها بقصد تحليل عناصر ومكونات المفهوم. ومن جهة تركيبية يكون النظر فيها بقصد تحديد المعنى العام والكلي لذلك المفهوم.
الجهة الأولى: تفكيك عناصر المفهوم.
أولًا: ( تجديد ) هذه الكلمة ناظرة إلى الآلية والطريقة التي بإمكانها أن تحقق فعل التجديد، ليكون للتجديد المعنى الناجز والمتحقق. وبالتالي فإن البحث هنا هو في المنهجية، بمعنى ما هي المنهجية التي من خلالها نصل إلى التجديد ليتحقق بالفعل، وليكون المعنى له نسبة خارجية.
ثانيًا: ( الخطاب ) هذه الكلمة ناظرة إلى طبيعة المجال الذي يتوجه إليه فعل التجديد، وهذا المجال هو بنية النص المتصل والمتفاعل بشرائط ومكونات الزمان والمكان والحال، أو ما يطلق عليه جمعًا وتركيبًا بمفهوم العصر.
ثالثًا: ( الإسلامي ) هذه الكلمة ناظرة إلى مرجعية الخطاب، وهذه المرجعية يقصد بها مجموع القواعد والأصول والثوابت التي يرجع إليها ذلك الخطاب ويستند عليها ويتقوّم بها. وبالتالي فهي ناظرة إلى محددات وجوهر التجديد.
وعلى ضوء هذه المحددات نستخلص النتائج التالية:
1ـ التجديد هو بحث عن الجانب المنهجي، ما هو المنهج أو المنهجية؟. والخطاب هو بحث عن الجانب المعرفي، بمعنى تكوين المعرفة بهذا الخطاب المستهدف في عملية التجديد. والإسلامي هو بحث عن الجانب المرجعي، بمعنى تكوين المعرفة بأصول هذه المرجعية وقواعدها ومصادرها.
2ـ التجديد هو بحث عن المنهج، والسؤال ما هو هذا المنهج؟ والجواب أن محددات هذا المنهج أمران، الأول هو الموضوع والمقصود به الخطاب. والثاني هو الإطار العام أو الإطار المرجعي والمقصود به الإسلامي.
3ـ الخطاب هو الجانب المتغير، والإسلامي هو الجانب الثابت. ولا ينبغي أن ينفصل المتغير عن الثابت، كما لا ينبغي أن يفتقد الثابت إلى المتغير. فالثابت يعطي المتغير عنصر النظام الذي يحفظه من الفوضى والانفلات، والمتغير يعطي الثابت عنصر المرونة والحركة الذي يحفظه من التوقف والجمود.
4ـ الإسلامي هو المحدد والضابط لما هو التجديد، ولما هو الخطاب. بمعنى أن لا يقود التجديد إلى خطاب غير إسلامي أو لا يتوافق مع الإسلام، وهذا هو المعيار الرئيسي والثابت في تحديد واختيار المنهج. كما أن الخطاب المستهدف في عملية التجديد هو خطاب يتصل بمرجعية الإسلام، وإذا لم يتصل بهذه المرجعية أو لا ينتمي إليها فهو خارج عن مجال البحث.