هذا من جهة تفكيكية، وأما من جهة تركيبية، يمكن القول بأن مفهوم تجديد الخطاب الإسلامي يتحدد في نسقين، النسق الفكري الذاتي، والنسق الفكري الموضوعي.
وبحسب النسق الأول فإن مفهوم تجديد الخطاب الإسلامي يعني محاولة اكتشاف الحداثة بالمعنى الإسلامي من داخل المرجعية الإسلامية، ولسنا بحاجة إلى الفكر الغربي في بناء هذه الحداثة بنسقها الإسلامي. وهذا المعنى له ثلاثة عناصر:
1ـ تغليب النزعة المعاصرة على النزعة التراثية القديمة، للتخلص من إشكالية الاحتباس في الماضي، وهذا يرتبط بعلاقة الخطاب مع ذاته.
2ـ اكتساب القدرة على مواكبة العصر وشروطه ومقتضياته، للتخلص من إشكالية الانغلاق، وهذا يرتبط بعلاقة الخطاب مع عصره.
3ـ اكتشاف مفهوم التقدم والتأكيد عليه، للتخلص من إشكالية الجمود، وهذا يرتبط بعلاقة الخطاب مع ذاته وعصره معًا.
وأما بحسب النسق الموضوعي فإن مفهوم تجديد الخطاب الإسلامي يعني محاولة تحديد صورة لهذا الخطاب تكون مفارقة ومغايرة عن حالتين، عن حالة الجمود والتحجر في الحالة الأولى، وهي حالة داخلية متوارثة من عصور الانحطاط والتخلف. وعن حالة التبعية والاستلاب في الحالة الثانية، وهي حالة خارجية متوارثة من عصور الهزيمة والسيطرة الغريبة.
فالجمود والتحجر لا يحمي هوية، ولا يحفظ تراثًا، ولا يصنع تجديدًا بالتأكيد، والتبعية والاستلاب لا تخلق حداثة، ولا تبني تقدمًا، ولا تصنع تجديدًا بالتأكيد.
وتجديد الخطاب الإسلامي هو تعبير عن نقد ومفارقة لتلك الحالتين، والعمل على بلورة نموذج ثالث يتواصل مع التراث ولا ينغلق عليه، ويتواصل مع العصر ولا ينسحق به.
وهذا يعني أن التجديد هو في الرؤية الفكرية والمنطق الفكري للخطاب الإسلامي وليس في العبادات أو العقائد أو الأخلاق، لأن المشكلة ليس في العقيدة، وإنما في الفكر، وليس في الدين وإنما في الفهم البشري المتكوّن حول الدين.
ـ 3 ـ
لماذا لم يتجدد الخطاب الإسلامي؟
تجديد الخطاب الإسلامي يتوقف على سؤال لماذا لم يتجدد هذا الخطاب، أو لم يواصل استكمال عملية التجديد؟
والبحث في هذا السؤال يحتاج إلى معرفة السياق الموضوعي والزمني الذي اتصل به الخطاب الإسلامي وأثر على اتجاهاته وتكويناته، وإلى هذه الحالات التي وصل إليها. إلى جانب عوامل وأسباب أخرى قد تتصل أو تنفصل عن ذلك السياق.
فما هو هذا السياق الموضوعي، وما هي الأسباب المعرفية والمنهجية التي أعاقت أو أخرت أو جمدت عملية التجديد؟
أولًا: القطيعة بين الفكر الإسلامي في مرحلتيه الحديثة والمعاصرة، الحديثة التي تنسب إلى النصف الثاني من القرن التاسع عشر الميلادي وانبعاث حركة الإصلاح الإسلامي بزعامة السيد جمال الدين الأفغاني والشيخ محمد عبده. والمعاصرة التي تنسب إلى النصف الثاني من القرن العشرين وتمثلت في مجموع الكتابات الإسلامية الصادرة والمؤثرة في تلك الفترة. والذي كشف عن هذه القطيعة المفارقات الكبيرة التي تظهر بين تلك المرحلتين، فقد أظهرت المقارنات بينهما بأن الفكر الإسلامي في مرحلته الحديثة كان على درجة من التميز والتقدم يفوق ما كان عليه في مرحلته المعاصرة. ولعل الدكتور رضوان السيد هو أكثر من حاول أن يلفت النظر لوجود هذه القطيعة والتأكيد عليها، والتي تتحدد حسب رأيه في أن الإشكالية الرئيسية للفكر الإسلامي الحديث كانت إشكالية النهوض والتقدم، بينما الفكر الإسلامي المعاصر إشكاليته الأساسية هي الهوية ومقتضياتها وأساليب حفظها. وبتأثير تلك القطيعة أصبح الغالب على الحقبة المعاصرة في التفكير الإسلامي، كما يضيف الدكتور السيد، هي في النكوصية، ويتمثل ذلك في اعتبار أن محمد عبده كان متقدمًا على رشيد رضا، ورضا كان متقدمًا على حسن البنا، والبنا كان متقدمًا على سيد قطب، وقطب كان متقدمًا على عمر عبد الرحمن (13) .
وكثيرة هي الكتابات التي بالغت في وصف تلك المرحلة الحديثة بأوصاف التجديد والتحديث والإصلاح والتقدم كتأكيد على تميز تلك المرحلة وتقدمها. والقطيعة التي حصلت جعلت من الفكر الإسلامي المعاصرة لا يبني تصوراته وأفكاره بالاستفادة من التراكمات الفكرية والثقافية القادمة من تلك المرحلة الحديثة، لكي يواصل أو ينجز عملية التجديد.
ثانيًا: إن ظهور الدولة العربية الحديثة ساهم في تراجع وركود الفكر الإسلامي، وذلك حين قطعت هذه الدولة صلتها الثقافية والمعنوية والمرجعية بالإسلام والمنظومة الإسلامية، وارتبطت في المقابل بمرجعية الفكر الأوروبي الذي أخذت منها كل ما يرتبط بتكوين الدولة، وتشكيل مؤسساتها، وصياغة أنظمتها وقوانينها وتشريعاتها، لأنها أرادت أن تكون على صورة الدولة الأوروبية الحديثة، ولكي تكتسب وصف الدولة العصرية، أو المغايرة لصورة دولة الولايات السلطانية التابعة للخلافة العثمانية.
لهذا فقد عملت هذه الدولة العربية الحديثة على إهمال كل ما يرتبط بالثقافة الإسلامية من مؤسسات ومعاهد وجامعات وأوقاف، وضيقت عليها إلى أن تحولت إلى مجرد آثار وذكريات تاريخية كجامعة القرويين في المغرب والتي كانت من أقدم جامعات العالم، وجامعة الزيتونة في تونس وغيرها.. وذلك على خلفية أن هذه المؤسسات إنما تنتمي إلى عصور التأخر والجمود، وأنها باتت قديمة وتقليدية، ولا تنسجم أو تتناغم مع مقتضيات ومتطلبات الدولة الحديثة، وكان البديل عنها هو الجامعات و التي نشأت بدورها أيضًا على أساس القطيعة مع منظومة الثقافة الإسلامية، والارتباط الكلي بمنظومة الثقافة الأوروبية باعتبارها تمثل مصدر التعليم الحديث والمعارف الحديثة.
ثالثًا: ما أصاب المؤسسة الدينية من أزمة في علاقتها بالعصر والمعارف الحديثة، حيث انغلقت على نفسها، وانشغلت بالعلوم القديمة والتقليدية، وقطعت جسور التواصل مع مجتمعاتها، وذلك على خلفية حماية كيانها من الغزو الفكري والاختراق القيمي، والتحصن من أي تأثر بالثقافة الأوروبية.
وهذا كان حال هذه المؤسسة مع بداية القرن العشرين، وتكرس هذا الوضع بصورة أشد بعد قيام الدولة العربية الحديثة، فهذا الوضع الذي كانت عليه المؤسسة الدينية لم يكن يدفع باتجاه تجديد الخطاب الإسلامي، بل كان يعارض ويصادم من يتبنى مثل هذه النزعات الإصلاحية والتجديدية، ولسنا بحاجة إلى جمع الأدلة والبراهين على ذلك لشدة وضوح هذا الأمر، كما أن كتابات الإسلاميين ورجال الدين منهم في هذا الشأن أصبحت كثيرة ومعروفة، وعلى المستويين السني والشيعي. والتغير المهم الذي حصل في واقع هذه المؤسسة كان في العقدين الآخرين من القرن العشرين خصوصًا على المستوى الشيعي لكنه لم يكن كافيًا.
وهذا يعني أن تجديد الخطاب الإسلامي يتطلب تجديدًا وإصلاحًا في واقع هذه المؤسسات الدينية.
رابعًا: انقطاع المثقفين والنخب الفكرية عن الثقافة الإسلامية، ففي الوقت الذي اندفع فيه هؤلاء نحو الأفكار والمعارف الحديثة، وتمكنوا منها معرفيًا ومنهجيًا، والتي كانت ترجع في مصادرها إلى مرجعيات الفكر الأوروبي، ويقابل هذا الاندفاع انقطاع عن الأفكار والمعارف الإسلامية، وهذا هو منشأ الخلل والضعف. وهذه القطيعة أو الانقطاع أثرت على طبيعة تكوين رؤية هؤلاء للثقافة الإسلامية وطرائق التعامل معها، هذا من جهة، ومن جهة أخرى أن الثقافة الإسلامية كانت بأمس الحاجة إلى خبرة هؤلاء المعرفية والمنهجية الأمر الذي لم يحصل.