فهرس الكتاب

الصفحة 2392 من 3028

وفي تلك الفترة نشر الدكتور أحمد كمال أبو المجد مقالًا حول ( التجديد في الإسلام ) بمجلة العربي الكويتية عام 1977م، شرح فيه واقع الحال آنذاك بقوله ) لا يكاد صوت يرتفع اليوم مناديا بالتجديد في الفكر الإسلامي، شاكيًا من الجمود والانغلاق، مناقشًا في ذلك أقوال العلماء من ا لسلف أو من المعاصرين، أو داعيًا إلى مراعاة ظروف الزمان والمكان، حتى تتناوشه من كل جانب صيحات المحذرين والمنذرين، يذكرون بالمزالق والمخاوف والمحاذير، ويؤكدون أن الدعوة إلى التجديد مدخل لإسقاط الالتزام بالشريعة، وباب شر ينفذ منه الحريصون على تمييع حقيقة الإسلام، وإذابة جوهره في جوهر حضارات وثقافات مناقضة لأصوله، معارضة لمبادئه ) (7) .

وهذه الأصوات الداعية إلى التجديد هي التي أدركت أن واقعًا جديدًا بدأ بالتشكل بعد نكسة 1967م، وأن أمام الخطاب الإسلامي فرصة التقدم والنهوض، المهمة التي كانت بحاجة إلى تحريك مفهوم التجديد الإسلامي.

الطور الثالث: في هذا الطور وجد الخطاب الإسلامي نفسه مدفوعًا بقوة نحو مفهوم التجديد، ولم يعد لتلك الهواجس والإشكاليات السابقة من أثر، وتحول التعامل معه من منطق الحذر إلى التعامل معه بمنطق الاندفاع. وذلك بعد ما شهد الواقع الإسلامي صحوة ويقظة غيرت من رؤية الخطاب الإسلامي لذاته، وتشكلت لديه رؤية إلى الواقع مغايرة للرؤية التي كان عليها في السابق. ولم يعد محكومًا بذهنية الخوف على الهوية، ومن الغزو الفكري والاختراق القيمي، أو أنه في موقف الدفاع عن الذات. كما وجد الخطاب الإسلامي نفسه أيضًا ولأول مرة منذ زمن طويل أنه أمام فرصة لأن يجرب ويختبر ما لديه من أفكار وتصورات وأطروحات، ويكون قريبًا من الواقع ومكوناته وتعقيداته. الوضع الذي جعله يتعرض وباستمرار لمساءلة الآخرين المختلفين معه فكريًا وسياسيًا، وإلى نقدهم وحتى إحراجاتهم. وهذه المساءلات والنقد والإحراجات كانت تدور في إطار هل يمتلك الخطاب الإسلامي برنامجًا؟ وما هو تفاصيل ومكونات هذا البرنامج؟ بمعنى لا يكفي الادعاء بأن الإسلام هو الحل، وإنما لابد أن يستند هذا الحل على برنامج واضح ومحدد.

هذه الأرضيات والتغيرات والمساءلات ساهمت في بلورة بواعث الخطاب الإسلامي نحو مفهوم التجديد. ولهذا ظهرت في هذا الطور أوسع الكتابات والاشتغالات الإسلامية حول مفهوم التجديد، وبالذات في عقد التسعينيات، حيث سجل الخطاب الإسلامي تراكمًا كبيرًا حول هذا المفهوم، وعقدت حوله العديد من الندوات والمؤتمرات الفكرية والإسلامية في المغرب والكويت ومصر ومالطا وغيرها، كما وخصصت الكثير من الدوريات الفكرية ملفات موسعة حوله أيضًا، مثل مجلة ( الاجتهاد ) في لبنان (1990م) ، ومجلة ( قضايا إسلامية ) في إيران (1996م) ، وغيرها. وفي عام 1997م صدرت دورية فكرية حملت عنوان ( التجديد ) ، وهي المجلة التي صدرت في ماليزيا عن الجامعة الإسلامية العالمية. يضاف إلى ذلك أن هذا المفهوم قد استحوذ على اهتمامات الجيل الجديد من المثقفين والمفكرين الإسلاميين حيث صدرت لهم حوله كتابات ومؤلفات مهمة.

لكن ماذا بعد كل تلك الاهتمامات والتراكمات فهل تجدد الخطاب الإسلامي؟

في تلك الفترة وتحديدًا في النصف الثاني من عقد التسعينيات تعرض الخطاب الإسلامي إلى نكسة خطيرة مع ظهور حركة طالبان وسيطرتها على السلطة في أفغانستان، وانبعاث تيار الأصولية مرة أخرى الذي عبرت عنه بعض الجماعات السلفية المتطرفة التي تؤمن بالعنف والتكفير، وتنتمي إلى فكر قديم لا يتواصل مع العصر، ولا يتناغم مع المدنية، ولا يعبر عن الجوهر الحضاري للدين.

وبعد انبعاث هذا التيار الأصولي أدرك الخطاب الإسلامي المعاصر بأنه بحاجة إلى أن يميز نفسه عن ذلك التيار، وبذل جهدًا في هذا السياق، كما ترسخت قناعته بضرورة التجديد.

الطور الرابع: في هذا الطور تغيرت ولأول مرة صورة العالم بتأثير من جماعة أصولية بعد أحداث 11 أيلول - سبتمبر، التي غيرت معها أيضًا صورة الخطاب الإسلامي ناظرًا ومنظورًا إليه. فقد ظهرت هذه الأصولية إلى العالم بوجه مخيف ومرعب، وأنها قد تجاوزت في خطورتها عالم الأفكار والمفاهيم وتحولت إلى قوة تدميرية على مستوى عالم الأشياء وعالم الإنسان. كما أنها لم تعد مصدر خطر يتحدد في إطار مجتمعاتها وبيئاتها، وتحولت إلى مصدر تهديد وخطر على مستوى العالم. لذلك أصبح الخطاب الإسلامي في دائرة نظر واهتمام العالم برمته، الجميع يتحدث عنه، ويقرأ ويكتب ويناقش عنه، وبات الشاغل الأكبر والأساسي في مختلف وسائل الإعلام والنشر والاتصالات المرئية والسمعية والمقروءة.

وفي ظلّ هذه الأجواء وجد الخطاب الإسلامي المعاصر أنه أمام محنة شديدة تجاه ذاته وتجاه العالم، تجاه ذاته حين وجد تفشي ظاهرة الأصولية بالصورة المخيفة التي ظهرت عليها، وما تمثله هذه الظاهرة من غلو وتطرف وتكفير ونزعة نحو العنف، وكأن هذه الأصولية هي التي كانت تتنامى وتتقدم في المجتمعات العربية والإسلامية، على حساب نهج الوسطية والاعتدال والتنوير، وهي الملامح والأبعاد التي كان يشتغل عليها الخطاب الإسلامي المعاصر.

وتجاه العالم حين أوقعته تلك الأصولية التي نسبت لنفسها أحداث أيلول - سبتمبر في مشكلة حرجة وخطيرة للغاية، فبعد أن بذل الخطاب الإسلامي المعاصر جهدًا في سبيل تطوير تواصله مع العالم، وإذا به يجد نفسه في مشكلة مع هذا العالم بدون رغبته واختياره، وهو الذي كان يدفع بأفكار حوار الحضارات وتعارف الحضارات، والارتقاء بمستويات التفاهم بين عالم الإسلام وعالم الغرب، والاهتمام بتحسين صورة الإسلام في الغرب، وتجديد المعرفة بمنظومة الأفكار المعاصرة كالحداثة والديموقراطية وحقوق الإنسان وغيرها. وإذا بهذه الأفكار ترتد إلى الوراء وتتراجع، لأن العالم لم يعد يرى مشكلة غير الأصولية، ولم يعد يرى المجتمعات العربية والإسلامية إلا من خلال هذه المشكلة.

لذلك فقد تغيرت رؤية الخطاب الإسلامي لمفهوم التجديد وطريقة التعاطي معه، وأصبحت القناعة بهذا المفهوم حقيقة وفعلية وأولوية من أجل مواجهة التطرف والغلو والتكفير، والانتصار على نزعة العنف والإرهاب، والتغلب على هذه الأصولية المتحجرة، وترسيخ نهج الوسطية والاعتدال والتنوير.

وإذا كانت هناك بعض المخاوف والمحاذير من وجود ضغوطات سياسية ودولية تطالب بإصلاحات دينية وفق معايير معينة، ومع معقولية هذه المخاوف والمحاذير، إلا أنها لا ينبغي أن تعطل أو تعرقل مهمة التجديد.

ماذا يعني تجديد الخطاب الإسلامي!

لقد تأثر مفهوم تجديد الخطاب الإسلامي بطبيعة المحددات الناظرة له، وهي المحددات التي كانت تتغير وتتبدل بحسب القضايا والمشكلات التي ظلت تعترض الخطاب الإسلامي في أزمنته المتغيرة والمتلاحقة، فهذه المحددات في رؤية الدكتور محمد إقبال ليست مجرد التناغم أو الملاءمة مع أوضاع الحياة العصرية، وحسب قوله ( إن لهذا التجديد ناحية أعظم شأنًا من مجرد الملاءمة مع أوضاع الحياة العصرية وأحوالها، وإن العالم الإسلامي وهو مزود بتفكير عميق نفّاذ، وتجارب جديدة ينبغي عليه أن يقدم في شجاعة على إتمام التجديد الذي ينتظره ) (8) . وقد جاء هذا الكلام من إقبال في أواخر عشرينيات القرن العشرين، ولعله أسبق المفكرين الإسلاميين حديثًا عن التجديد برؤية فلسفية جديدة، كما شرحها في كتابه الشهير ( تجديد التفكير الديني في الإسلام ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت