وحسب هذا التصور فإن الغربيين هم الذين اخترعوا مفهوم التجديد، وهم أول من تحدثوا عنه بعد انحلال الخلافة العثمانية، وحاولوا إقناع المسلمين والنخب الفكرية منهم بالذات بهدف أن يكون هذا المفهوم إطارًا يحدد اتجاهات الفهم والنظر للإسلام والفكر الإسلامي، بقصد أن لا يكون الإسلام عقبة في تقبل النموذج الثقافي والقيمي الغربي.
وأبرز الكتابات الغربية التي يستشهد بها في هذا الشأن، هما كتابان، الأول كتاب ( الإسلام والتجديد في مصر ) ، لشارلز آدمز من الجامعة الأميركية في القاهرة، والصادر عام 1933م، والثاني كتاب ( الاتجاهات الحديثة في الإسلام ( للمستشرق البريطاني هاملتون جيب عضو المجمع العلمي العربي في القاهرة، والصادر في الأربعينيات من القرن العشرين.
ولعلّ أكثر كتاب يعبر عن هذا الطور في علاقة الخطاب الإسلامي بمفهوم التجديد، هو كتاب ( الفكر الإسلامي الحديث وصلته بالاستعمار الغربي ) للدكتور محمد البهي، الصادر عام 1957م، الذي تحدث فيه عن التجديد في الفكر الإسلامي، وخصص له فصلًا موسعًا في كتابه زادت عدد صفحاته على (170) صفحة، ويقصد بهذا المنحى الاتجاه الفكري الذي يتماهى ويتطابق مع نظم التفكير الغربي، وحسب قوله ) فالتجديد في رقعة الشرق الأدنى، منذ بداية القرن العشرين هو محاولة أخذ الطابع الغربي، والأسلوب الغربي في تفكير الغربيين، سواء في تعبيرهم عن الدين، أو في تحديدهم لمفاهيمه، ومفاهيم الحياة التي يعيشونها، أو في تقديرهم للثقافات الشرقية الدينية والإنسانية) (1) .
وبعد أن تتبع الدكتور البهي مسارات هذا الاتجاه خلال ما يزيد على نصف قرن، منذ بدايات القرن العشرين إلى أواخر الخمسينيات، ختم كلامه مع نهاية هذا الفصل بقوله ) والآن نرى أن التجديد في الفكر الإسلامي في الوقت الحاضر، يعيش في التفكير الغربي الذي خلقه القرن التاسع عشر، وينقل منه ما لا يفيد التوجيه في الشرق الإسلامي. ينقل منه آراء المستشرقين الصليبيين فيما يصور الإسلام على أنه رسالة بشرية لمصلح إنساني، أو قائد ناجح، يرتبط اعتبارها بوقت حياة هذا المصلح، أو ينقل منه آراء بعض المدارس اليسارية والإلحادية ضد الدين عامة ) (2) .
والنماذج التي تحدث عنها الدكتور البهي وصنفها على هذا الاتجاه، محاولة الدكتور طه حسين في كتابيه ( في الشعر الجاهلي ) الصادر عام 1926م، و ( مستقبل الثقافة في مصر ) الصادر عام 1938م. ومحاولة الشيخ علي عبد الرازق في كتابه ( الإسلام وأصول الحكم ) الصادر عام 1925م. ومحاولة الدكتور زكي نجيب محمود في كتابه ( خرافة الميتافيزيقا ( الصادر عام 1953م ، ومحاولة الدكتور مصطفى محمود في كتابه( الله والإنسان ) الصادر عام 1955م, وأخيرًا محاولة الدكتور خالد محمد خالد في كتابه ( من هنا نبدأ ) الصادر عام 1950م.
ويتناغم مع هذا الطرح ما يراه الدكتور طارق البشري بعد عدة عقود من الزمن على ذلك الكلام، حيث يرى بأن المحاولات الفكرية التي رفعت شعار التجديد تعمدت إقصاء الفكر الإسلامي، والجدير بالانتباه كما يقول بأن ( إقصاء الفكر الإسلامي من قبل النزعة الغربية بدأ بلفظ التجديد. ومن هنا إذًا كان التجديد يقصد به إقصاء الفكر الإسلامي ) (3) .
ومع أن الخطاب الإسلامي المعاصر قد تجاوز الكثير من تلك الالتباسات والهواجس والرواسب التي أحاطت بمفهوم التجديد في ذلك الطور، إلا أنه ما زالت هناك بعض البقايا، وعند الخطاب الإسلامي السلفي تحديدًا، كما عبر عن ذلك جمال سلطان في كتابه ( تجديد الفكر الإسلامي ) بقوله ( مصطلح التجديد في الفكر الإسلامي الحديث والمعاصر، قد واكب مرحلة فكرية ومعرفية، تجعلنا مدعوين إلى إعادة النظر فيه، أو تنويع الرؤية له على ضوء تلك المرحلة وخلفياتها، فقد شاع في مرحلة بدأت فيها المنهجية العلمانية تتسرب في قطاعات واسعة من حياتنا الفكرية والمعرفية والقيمية والفنية.. وكان مصطلح التجديد قد شاع في أوائل هذه المرحلة للحديث عن مفكري الإسلام الذين يقتربون بنسقهم الفكري من القيم الغربية والفكر الغربي والمنهجية العلمانية الغربية. وأصبح مصطلح التجديد يثير القلق والريبة والتوجس في نفوس المسلمين، لأن التيارات العلمانية استطاعت احتلاله وتعبئته بمضامين وتوجهات جعلته رمزًا على تجاوز الشريعة وتخريب الدين ) (4) .
ومشكلة الخطاب الإسلامي في هذا الطور أنه كان متأثرًا بصدمتين، صدمة انهيار الخلافة العثمانية في العقد الثالث من القرن العشرين. وصدمة تخلي الدولة العربية الحديثة في مرحلة ما بعد الاستعمارعن الهوية الإسلامية والمرجعية الإسلامية، حينما تبنت هذه الدولة فكرة العلمانية، لذلك لم يكن واردًا في تلك الوضعيات الحديث عن التجديد في داخل الخطاب الإسلامي، ولم يكن مقبولًا أيضًا عند طرحه من خارج الخطاب الإسلامي.
الطور الثاني: في هذا الطور تغيرت صورة الخطاب الإسلامي بعض الشيء، وأخذ يتعامل بمنطق الحذر، والاقتراب المحدود لمفهوم التجديد. وكان الهاجس الأساسي في هذا الطور هو محاولة ضبط مفهوم التجديد وتحديد طبيعة مجاله، وأن مجاله يتحدد في نطاق الفكر الإسلامي وليس في الدين. وإنجاز هذه الخطوة، وهذا القدر من التطور، هو الذي مهد لتقبل مفهوم التجديد في الفكر الإسلامي، وشكل البدايات الأولية لانخراط الفكر الإسلامي المعاصر في عملية التجديد، ومن بعدها تلاحقت التراكمات المعرفية في هذا المجال.
ولعل من المحاولات المبكرة في هذا الشأن، والتي يمكن أن تؤرخ لهذا الطور في تحوله وتحديد صورته، هي محاولة الدكتور حسن الترابي الذي نشر محاضرة عام 1973م بعنوان ( الفكر الإسلامي.. هل يتجدد؟( وقد اشتهرت هذه المحاضرة بعض الشيء في وقتها، وفيها حاول الدكتور الترابي أن يلفت النظر إلى أمرين أساسيين يشكلان بداية تحول في حركية الفكر الإسلامي المعاصر، وهذين الأمرين هما:
أولًا: التحول من الحديث عن الغزو الفكري إلى الحديث عن الضعف الذاتي في الفكر الإسلامي والالتفات إلى علله الداخلية. وفي هذا الشأن يقول الدكتور الترابي )قد يحلو لنا أن نتحدث عن الغزو الفكري في التبعية بعد أن نلقيها على الآخرين، والأولى بنا أن ننظر في تقصيرنا ونتأمل هذه الظاهرة التي عم بها البلاء ) (5) .
ثانيًا: تحديد مجال التجديد وأن مجاله هو الفكر الإسلامي ولا يشمل الدين. فحين يتساءل الدكتور الترابي عن الفكر الإسلامي هل يتجدد؟ يجيب بقوله: ) أليس الدين هديا أزليا خالدًا لا مكان فيه للتجديد والذي يتجدد ويتقادم ويبلى إنما هو الفكر الإسلامي. والفكر الإسلامي هو التفاعل بين عقل المسلمين وأحكام الدين الأزلية الخالدة ) (6) .
وقد تابع الدكتور الترابي هذا الاهتمام، ونشر حوله العديد من الكتابات في أزمنة متلاحقة، وكان ينطلق من خلفية التخلص من الفكر التقليدي القديم الذي عبرت عنه بعض الجماعات الدينية والصوفية، وتجاوز فكر الإخوان المسلمين المصريين بعد أن قطع صلته عنهم.
ومع هذا القدر من التطور في العلاقة مع مفهوم التجديد، إلا أن وجهة الخطاب الإسلامي العامة ظلت حذرة، وبقيت بعض الهواجس. ولهذا لم يحصل تقدمًا مهمًا وملحوظًا على مستوى التراكم المعرفي في هذا الشأن، والكتابات التي ظهرت كانت قليلة ومبعثرة، ويغلب عليها طابع الحذر، وهاجس الدفاع عن الذات.