وجاهلية. ومحادة لله ورسوله. ومن ثم كانت مرفوضة غير مقبولة. وهكذا تكتمل للشرعية شروطها. إذا كان لله الشرع ابتداء. إذا كانت شريعة الله هي العيا. إذا طبقت شاملة غير مجزأة قدم سليمان بن عبد الملك المدينة فأرسل إلى أبي حازم فكان مما قاله سليمان:
ـ يا أبا حازم: ما لنا نكره الموت؟ ـ لأنكم خربتم آخرتكم، وعمرتم دنياكم، فكرهتم أن تنتقلوا من العمران إلى الخراب
ـ فقال: يا أبا حازم: كيف القدوم على الله؟
ـ قال يا أمير المؤمنين: أما المحسن فكالغائب يقدم على أهله، وأما المسئ، فالآبق يقدم على مولاه.
ـ فبكى سليمان وقال: ليت شعري، ما لي عند الله؟
ـ قال أبو حازم أعرض نفسك على كتاب الله، تعالى حيث قال: (إن الأبرار لفي نعيم * وإن الفجار لفي جحيم) (الإنفطار:13-14) .
ـ فقال سليمان: فأين رحمة الله؟ قال: قريب من المحسنين
ـ ثم سأله بعد ذلك؟ ما تقول فيما نحن فيه؟
ـ قال أو تعفيني؟ ثم قال: إن آباءك قهروا الناس بالسيف، وأخذوا هذا الملك عنوة من غير مشورة من المسلمين ولا رضى منهم (1) .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) تفصيل ذلك في تفسير القرطبي.
صفحة 244
وقيام الشريعة الإسلامية على هذا النحو، أو تطبيق الشريعة الإسلامية بهذه الشروط يستتبع ويستلزم للنظام الإسلامي أن توجد أمة تحمله وأن توجد سلطة تحميه ولهذه وتلك من السمات والشروط ما يحتاج لشئ من التفصيل.
ثانيا ـ أمة تحمل الحق:
"وممن خلقنا أمة يهدون بالحق وبه يعدلون" (الأعراف: 181) . وهذه الأمة التي جعل الله لها الخيرية على سائر الأمم جعلها بحقها وشروطها وهي إن قامت فيها هذه الشروط كتب الله لها الخلود. ولقد بقيت الأمة الإسلامية رغم المحن والأزمات، ورغم تقلبات الحكم والحاكم. بقيت بحمد الله حافظة لكتاب الله محفوظة بعناية الله حتى لقد صح ما قاله أحد الأئمة من أن العصمة في الإسلام للأمة لا للإمام، وصح ما نقوله من أن الأمة الإسلامية كانت بعد الكتاب العزيز من أكبر آيات الله العزيز الحميد فلو أن أمة أخرى تعرضت لما تعرضت له الأمة الإسلامية من كيد وبطش وعسف لما كان لها اليوم وجود. وإن الأمة التي أخرجت أبا بكر وعمر وعثمان وعليا وعمر بن عبد العزيز من الحكام، وأخرجت من العلماء العاملين:
أبا حنيفة ومالكا والشافعي وأحمد بن حنبل ومن بعدهم الذين"صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا" (الأحزاب: 23) . وحج الرشيد عاما فلقيه عبد الله العمري في الطواف فقال يا هارون قال لبيك يا عم، قال كم ترى هنا من الخلق لا يحصيهم إلا الله قال إعلم أيها الرجل أن كل واحد منهم يسأل عن خاصة نفسه، وأنت واحد تسأل عنهم كلهم فانظر كيف تكون فبكى هارون وجلس فجعلوا يعطونه منديلا منديلا للدموع ثم قال له إن الرجل ليسرع في مال نفسه فيستحق الحجر عليه فكيف بمن أسرع في مال المسلمين (1) .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) سراج الملوك للعلامة أبي بكر محمد ابن الوليد سنة 1311 وهامش مقدمة ابن خلدون ص 66.
صفحة 245
والأمة الإسلامية وإن كانت اليوم تبدو مفككة ضعيفة فإنها تحمل عناصر الابتعاث وهي في ابتعاثها لا تحتاج إلى وقت طويل! وقد أدرك ذلك بعض المستشرقين فقاله وحذر منه. ونحن بحاجة في هذه العجالة أن نشير إلى سمات هذه الأمة وتكملها أخرى أشرنا إليها في مكان آخر. فهي أولا آمرة بالمعروف ناهية عن المنكر:
ولا يمكن أن تأمر بمعروف ولا تأتيه، أو أن تنهى عن منكر وتأتيه، ففاقد الشئ لا يعطيه فأمرها ونهيها يعني أنها تقيم هذا المعروف وتلفظ ذلك المنكر. وكل ما أمر الله ورسوله معروف بل هو أعرف المعروف. وكل ما نهى عنه الله ورسوله منكر بل هو أنكر المنكر. هي ثانيا تؤمن بالله:
وإيمانها بالله يعني أنها تقوم على التوحيد ولا تقارب بين توحيد وتثليث. ولا تقارب بين توحيد وشرك. ولا تقارب بين توحيد وغيره من العقائد الفاسدة وهي ثالثا تقوم مع التوحيد على الوحدة:
"إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون" (الأنبياء: 92) . وهذه الجنسيات، وهذه الحدود دخيلة عليها ليست من أمر الله في شئ والأمة الواحدة هي التي انتصرت من قبل ولقد رفض رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) عصبية الجاهلية وقال دعوها فإنها فتنة، ورفض المناداة بالعصبية بين الأنصار والمهاجرين
صفحة 246
حين نادى أحدهم ياللأنصار ونادى آخر، يا للمهاجرين فغضب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) غضبا شديدا وقال أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم؟ ونزل الكتاب العزيز يؤكد قول الرسول الكريم"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ * وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ..." (آل عمران:100 ـ 101) . وهكذا كانت الفرقة والجنسيات والحدود جاهلية أو كفرا وكانت الوحدة أخت الإيمان:
"يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون * واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا..." (آل عمران:102- 103) . وامتدح الرباط الذي وحد الأمة في كتابه، فقال عن المهاجرين"للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلا من الله ورضوانا وينصرون الله ورسوله أولئك هم الصادقون" (الحشر: 8) . وقال عن الأنصار"والذين تبوؤا الدار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة" (الحشر: 9) . وهكذا قامت دولة الإسلام الأولى تضم كل من قال لا إله إلا الله بغير تفرقة لوطن أو جنس وبغير اعتراف بحدود أو جنسية! وهكذا ينبغي أن نقوم مرة أخرى!
ثالثا:
سلطة تحمي الحق قلنا لا بد من أمة تحمل الحق وسلطة تحمي الحق. هذه السلطة لا بد لها من أمرين تقوم بهما:
1 ـ إقامتها شريعة الله وهذا أساس شرعيتها الأولى.
صفحة 247
وبغيره تغدو سلطة غير شرعية يجب جهادها. وإقامتها شريعة الله لا بد أن يكون على النحو الذي أشرنا إليه.
2 ـ قيامها على رضى المسلمين بها:
والأدلة على ذلك كثيرة نذكر منها:
(أ) أن الرضى أساس المعاملات في الإسلام"إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم" (النساء: 29) . والإمامة أو الخلافة عقد بين الخليفة والرعية يلزم له الرضى.
(ب) أن الرضى لازم لصحة الإمامة الصغرى إمامة الصلاة فوجب من باب أولى لصحة الإمامة الكبرى إمامة المسلمين.
(ج) لقول الله سبحانه"أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم" (النساء: 59) فدلت الآية في الطاعة على الشرط الأول وهو إقامة شريعة الله، ودلت بلفظ منكم على الشرط الثاني وهو الرضى فإنهم لا يكونون منا بغير رضى منا. (د) لأن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قد حرص على غرس هذا الأصل في المجال السياسي بما فعله ببيعة العقبة الأولى والثانية مع أنه رسول الله وما كان بحاجة إلى رضى الناس لكنه حرص حين مهد لإقامة الدولة أن تكون إمامته ورئاسته لهذه الدولة برضى من المسلمين.
(ه) ثم ما فعله حين ترك تعيين خليفة من بعده ليتم إختياره برضى المسلمين الأمر الذي حرص عليه الخلفاء الراشدون من بعده على تفصيل ليس هنا محله.
(و) لقول عمر بن الخطاب رضي الله عنه:
"فمن بايع رجلا من غير مشورة من المسلمين فإنه لا بيعة له ولا للذي بايعه تغرة أن يقتلا".