فهرس الكتاب

الصفحة 2375 من 3028

"وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا" (البقرة: 143) . وهكذا تكتمل حلقة التوازن أمرا وتوجيها ومن قبل ذلك نتيجة لازمة لخصائص أخرى! وبهذا ينفرد النظام الاقتصادي عن أنظمة كثيرة تعاني إنعدام التوازن!

5 ـ النظام الاقتصادي الإسلامي يرفض الترف:

قد كان يكفي أن نقول أنه متوازن فهو يعني أنه يرفض الاسراف، والترف قمته! أولا أن الله ينص على الترف جعله قرين الفسق أو جعل الفسق نتيجته وجعل الهلاك والدمار عاقبته."وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها، فحق عليها القول فدمرناها تدميرا" (الإسراء: 16) ومعنى الآية الكريمة

صفحة 229

أمرنا مترفيها أن يرجعوا ويلتزموا لكنهم أبوا وفسقوا فكان الهلاك والدمار. وفي القراءة الأخرى بتشديد ميم تعني معنى آخر. أنه إذا كان الأمر إلى المترفين فسلام على الأمة إنها لا بد هالكة! لأنه إذا اجتمعت السلطة مع الترف فإنها لا تنتج غير الفسق، ولا ينتج الفسق إلا الهلاك والدمار (1) . ولقد يكون الهلاك والدمار في صورة آية من آيات الله التي أهلك بها أمما من قبل قال فيها"وكأي من قرية عتت عن أمر ربها ورسله فحاسبناها حسابا شديدا وعذبناها عذابا نكرا، فذاقت وبال أمرها وكان عاقبة أمرها خسرا" (الطلاق: 8 ـ 9) . كما قد يكون بتسليط أعداء الله عليها. ليذيقوها ألوانا من العذاب والهوان والإذلال أو لتنقلب الرأسمالية الطاغية التي يتحكم فيها الترف والمترفون إلى النقيض من ذلك إلى جحيم الشيوعية التي يتحكم فيها السفلة والكافرون! إن الشيء إذا زاد عن حده انقلب إلى ضده! الترف يؤدي إلى ضرر اقتصادي هام. إنه إذا شاع أدى إلى زيادة الاستهلاك على الإنتاج وأدى إلى التضخيم وما يترتب على ذلك من اختلال التوازن الاقتصادي، وحدوث الأزمات الاقتصادية. وذلك كله فوق الأضرار الاجتماعية الخطيرة التي يؤدي إليها. وفوق الأضرار السياسية وفي مقدمتها تمكن الشيوعية الكافرة من بلاد المترفين! وجماع هذه الأضرار أو نتيجتها هو ما أكده القرآن:

الهلاك والدمار، فليحذر المترفون. وليحذر الساكتون على المترفين.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) ورد الحديث عن الترف في آيات أخرى"بأن جعلت المكذبين من المترفين وما أرسلنا في قرية من نذير إلا قال مترفوها إنا بما أرسلتم به كافرون سبأ 34"وبعضها جعل المترفين من أصحاب النار"إنهم كانوا قبل ذلك مترفين وكانوا يصرون على الحنث العظيم"الواقعة 45، 46.

صفحة 230

إن الهلاك والدمار يقترب منهم فوق هلاك ودمار أشد وأكبر إنه الجحيم يوم القيامة! وخير للمترفين أن يضحوا بشئ قبل أن يحرموا من كل شئ وخير لهم أن يملأوا أنصاف بطونهم قبل أن تملأها الزقوم وشراب الجحيم (كالمهل يغلي في البطون كغلي الحميم) (الدخان 45 ـ 46) . وحسبنا هذه الخصائص الخمس لننتقل إلى الحديث عن الخطوط العريضة للاقتصاد الإسلامي فإنها إذا أزلنا الحاجز النظري كذلك خصائص!

ثانيا:

الخطوط الرئيسية للنظام الاقتصادي الإسلامي تنبع هذه الخطوط من التوازن الاقتصادي وصبغ الأنشطة الاقتصادية المختلفة بالصبغة الربانية. ونكتفي بخطوط ثلاثة رئيسية:

1 ـ ملكية متوازنة.

2 ـ حرية إقتصادية متوازنة.

3 ـ نظام مصرفي متوازن. ونتناولها بإذن الله على التوالي.

1 ـ ملكية متوازنة:

تملك الانسان أمر فطري حتى عدها علماء النفس إحدى غرائزه. والغريزة في علم النفس لا تقتل، ولكن يتسامى بها ومن ثم فلا سبيل إلى قتل حب التملك في النفوس. والنظام الذي يفعل ذلك يقتل نفسه!

صفحة 231

ومن هنا كان الخطأ الرئيسي في النظام الشيوعي النظري الذي لم يستطع حتى الآن أن يطبق نظريته تطبيقا عمليا كاملا، وإن انتحل التعلات والمعاذير! لكن إطلاق العنان لهذه الغريزة شأن إطلاق العنان لأية غريزة أخرى يهلك الانسان ويحطمه، كما يهلك النظام كله ويحطمه ومن هنا كان خطر الرأسمالية الطاغية التي تطلق العنان للملكية حتى تغدو لونا من الاقطاع يسلب الناس ويستعبدهم ويأكل ويشرب ثمرات جهودهم، وقطرات جبينهم بل ويمتد إلى قطرات دمائهم! ومن ثم كان خطأ الرأسمالية أو المذهب الفردي وبين هذا وذاك كان نظام الإسلام قواما، وكان كذلك قواما. إن الملكية في الإسلام معترف بها لأن ذلك يؤدي قدرا كبيرا من إنجاح النظام الاقتصادي فإن سلب العامل ثمرات جهوده بحرمانه من التملك ـ يجعله والخامل بسواء ومن ثم يركن النشاط الاقتصادي إلى الركود ويضعف الانتاج ويتهدد البلد البطالة والمجاعة ومن بعدها الإنهيار والهلاك! وروسيا الاشتراكية مثل قريب فإن إنتاج روسيا لم يزد طوال خمسين عاما من الحكم الشيوعي القائم على إضعاف الملكية الفردية والمنادي بإلغائها ـ لم يزد عما كان عليه في العهد القيصري أكثر من 4 % فقد كان إنتاجها في العهد القيصري 46 % من الانتاج الامريكي، وصار إنتاجها في العهد الشيوعي وبعد خمسين عاما من حكمه 50 % من الانتاج الامريكي (1) . فهل تستحق ال 4 % الزيادة كل هذا الفناء والإفناء الذي أحدثه الحكم الشيوعي الغاشم؟! وبلوغ الانتاج الروسي مثل الانتاج الامريكي حلم قصرت دون

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) مقومات الاقتصاد الإسلامي ـ للأستاذ عبد السميع المصري ـ مكتبة وهبة ـ ربيع الثاني 1395 ـ مايو 1975.

صفحة 232

تحقيقه برامجها الاقتصادية المختلفة وخططها الخمسية والعشرية رغم الأماني التي كانت تداعب ساستها وقادتها وكانوا يدغدغون بها عواطف الشعب اللهثى والجوعى التي بفردوس الشيوعية الكاذب! لكن هذه الملكية المعترف بها للفرد في النظام الإسلامي ليست طليقة من كل قيد بل إن كثيرا من القيود تحوطها مما يحقق انضباطها، وبما يحقق أداءها لرسالة في المجتمع يتحقق بها التوازن بين الفردية والجماعية. ولذا فالملكية تؤدي وظيفتين. وظيفة فردية بما تحقق للفرد من إشباع ووظيفة إجتماعية بما تحقق للمجتمع من فائدة. وأول قيود الملكية ما أشرنا إليه سلفا من تحريم الترف. إن الملكية المترفة مذمومة وإذا بلغت هذا الحد فإما إنتهى صاحبها من نفسه، وإلا كان لولي الأمر أن يقومه والسوابق الإسلامية في ذلك كثيرة. ودفع المفسدة في الإسلام مقدم على جلب المصلحة. وتلك بعض غايات التشريع الإسلامي الحكيم. ويلحق بالترف أمور أخرى حرمها الإسلام كالاحتكار، والغش، والتطفيف في الكيل والميزان.

ويلحق به كذلك الربا وهو آفة نفرد لها الحديث عند تناولنا للمصارف بإذن الله. وهذه كلها فيها آثار كثيرة ومشهورة. وثاني هذه القيود ما أقامه الإسلام من ألوان الملكية الجماعية. وهي مرافق كان الإسلام أسبق في تقدير ملكيتها في يد الجماعة لا الفرد لأن خيرها يعم الجميع، وضرر تركها أو منعها كذلك يعم الجميع، ومن ثم كانت الجماعة ـ ممثلة في أولي الأمر فيها ـ أقدر على إدارتها لتحقيق غايتها.

صفحة 233

والمثل التقليدي في ذلك قول رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : الناس شركاء في ثلاث: الماء والكلأ والنار. لكن علماء المسلمين قاسوا عليه كل مرفق تظهر حاجة الجماعة إليه وأهمية ملكيتها له. وثالث هذه القيود:

نظام الميراث. الذي قد يبدو للوهلة الأولى أنه نظام رأسمالي إذ يعتد بالملكية وينقلها إلى ورثة صاحبها لكن المتأمل يجده قيدا على الملكية إذ يجري توزيعها وفق نظام دقيق بكفل:

1 ـ تفتيت هذه الثروة وانتقالها إلى أيد متعددة بدلا من احتواء يد واحدة لها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت