فهرس الكتاب

الصفحة 2374 من 3028

بقية الجوانب وهي ما تعالج بعد العقيدة والأخلاق والشعائر جوانب الحياة توجيها وتشريعا ابتداء من الفرد ثم الأسرة ثم المجتمع وفي المجتمع كل نواحيه سياسية واقتصادية واجتماعية ولئن فصل الإسلام في ثبات ووضوح جوانب العقيدة والأخلاق والشعائر فإنه في بقية الجوانب فصل ما لا يتغير. وأجمل ما يتغير. فمن أمثلة ما لا يتغير جوهر الإنسان وما يتصل به من زواج وطلاق وميراث فقد فصل كل ذلك تفصيلا وافيا يعترف فيه بالواقع ثم يعرج بعد ذلك إلى معراج المثل والقيم التي يحرص عليها وما يثيرونه حول هذه القضايا إنما هي شبهات يثيرها جهل بالإسلام. أو حقد عليه وليس هنا مكان العرض لها ومن أمثلة ما يتغير:

الظروف السياسية والاقتصادية. ولذا رسم الإسلام فيها الخطوط الرئيسية. وليس معنى ذلك ـ كما يتفوه البعض ـ أن ليس للإسلام نظام سياسي أو نظام اقتصادي فإن الإسلام يرسي المبادئ والإطار العام. ويضع الخصائص العامة المميزة لهذا النظام الرباني. ثم يدع لاجتهاد الإنسان تبعا لتغير الظروف تفصيل بقية الأحكام. ولنأخذ النظام الاقتصادي والنظام السياسي كمثلين نؤيد بهما قولنا السابق، ونرد بهما عمليا على أولئك الذين يستوردون لنا النظم السياسية والاقتصادية بمقولة أن الإسلام لا يتضمنها.

صفحة 224

النظام الاقتصادي الإسلامي قد يحتاج النظام الاقتصادي الإسلامي إلى حديث طويل. وقد يحتاج إلى مقارنة مع أنظمة متعددة شرقية وغربية ليس من قبيل مقارنة المثيل بالمثيل ولكن قريبا من مقارنة الظلام والنور، والظل والحرور وبضدها تتميز الأشياء لكن حسبنا في هذا المقام أن نرسم الخطوط العريضة لندع للدراسة الواسعة المتأنية التفصيل بمشيئة الله. ويكتفى بالحديث عن أمرين:

1 ـ خصائص النظام الإسلامي الاقتصادي.

2 ـ الخطوط الرئيسية للنظام الاقتصادي الإسلامي. وإن كان الفصل بين الأمرين مجرد فصل نظري

أولا:

خصائص النظام الاقتصادي الإسلامي

1 ـ نظام رباني بمعنى أن مصدره هو الله سبحانه بما جاء في كتابه أو في سنة رسوله. أو ما أجمع عليه علماء المسلمون. أو ما كان سابقة ناجحة في نظام الحكم الإسلامي لأنها مستقاة أولا من معين رباني، ولأنها ثانيا اجتهاد صحابة أو تابعين لهم بإحسان يغني عنها اجتهادنا لو بلغنا إلى أفضل مما بلغوه! وربانية النظام تجعل له سحرا آخر.

أولا:

أنه يستثير في النفس وازعا لحفظه وحمايته أقوى من كل وازع. فلا تحتاج إلى كثير من الأجهزة الثقيلة المعقدة التي أثقلت بها كواهل الشعوب، وأثقلت بها ميزانيات الدول، وثقلت بها صدور الناس! ومن هنا ندرك الفارق بين حصيلة الزكاة على عهد عمر بن عبد العزيز

صفحة 225

التي وفت كل المحتاجين من الفقراء والمساكين، ثم العاملين عليها، ثم بقية المصارف الأخرى حتى بلغت إلى الغارمين، فسددت الدولة عن المدينين ديونهم. تدرك الفارق بين مثل هذه الحصيلة ومجموع حصيلة الضرائب كلها المتعددة التي لا تكاد تسد مصرفا واحدا من هذه المصارف!

ثانيا:

تجعل احترامه والخضوع له من المحكوم ومن الحاكم على السواء لأنه من مصدر فوق هذا وذاك وأعلى وأسمى.

ثالثا:

يتحقق التكامل بين النظام الاقتصادي والنظام الاجتماعي والنظام السياسي لأن الكل من مصدر واحد والتجزئة بينها غير جائزة! انتفاء الندرة مشكلة المشاكل في النظم الاقتصادية المعاصرة هو ما يتناولونه تحت عنوان الندرة ويقصدون به قلة الموارد بالنظر إلى تزايد الناس أو ما يصطلحون عليه بالانفجار السكاني. وهذه المشكلة لا وزن لها بل لا وجود لها في النظام الإسلامي.

أولا:

لأن هذا النظام تقوم عقيدة أصحابه على"أن الله هو الرزاق ذو القوة المتين" (الذاريات:58) ، وعلى أنه"وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها" (هود: 6) وعلى أن الله قسم الرزق كما قسم الأجل، وأن الرزق ليطلب المرء كما يطلبه أجله. ومن ثم فلا يمكن أن يأتي وقت أو يوجد مكان تحقق فيه الندرة الله إلا أن يكون الأمر عقابا من عند الله"ولقد أخذنا آل فرعون بالسنين ونقص من الثمرات" (الأعراف:130) . وكلما أقبلت الأمة على الله كلما زاد لها في رزقها."ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض" (الأعراف: 96) .

صفحة 226

"استغفروا ربكم إنه كان غفارا يرسل السماء عليكم مدرارا، ويمددكم بأموال وبنين ويجعل لكم جنات ويجعل لكم أنهارا" (نوح:10 ـ 12) . أضف إليها بعد ذلك قول الحكيم الخبير"وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها" (إبراهيم:24) . فنعمة الله ليست نادرة بل هي أعظم من أن تحصى.

ثانيا:

من ناحية الواقع فإن واقع الأمة الإسلامية يؤكد أمرا هاما أنها إن عادت أمة واحدة، وعادت إلى ربها فلا يمكن أن تتحقق فيها ندرة أبدا ـ إن المنطقة الإسلامية أخصب بقاع الأرض زراعيا ـ وأغنى بلاد الأرض بالمواد الأولية، وفي مقدمتها أنفسها، الذهب و اليوارنيوم والبترول. ـ وهي أوسط بلاد العالم موقعا تجاريا واستراتيجيا. إذ تشرف على منافذ البحار والمحيطات ويمكن لها أن تتحكم فيها، وهي من ناحية أخرى تقع في مكان وسيط بين قارات العالم. وهي من ناحية ثالثة أكثر البلاد اعتدالا وصلاحية لكل أنواع الإنتاج. ومن ثم فإن صح أن توجد الندرة في الشرق أو في الغرب بذنوب أهله وعصيانهم، بافتقاد المكان الذي حبا الله به أمة محمد عليه و (آله) الصلاة والسلام. ـ فإنه لا يصح بالنسبة للأمة الإسلامية إذا عادت مرة أخرى أمة الإسلام؟

3 ـ ابتغاء الآخرة:

وقد كان يصح أن تكون هذه الخصيصة الثانية لكنا فضلنا أن نشير إلى الربانية ثم إلى الندرة باعتبار الأولى صبغة هامة عامة، وباعتبار الثانية عند أهل العصر ومخالفة الإسلام لها

صفحة 227

أما إبتغاء الآخرة فهي خصيصة هامة وتأخيرها لا يقلل من أهميتها. وابتغاء الآخرة يخفف كثيرا من غلواء الأنظمة القائمة التي تتعامل وكأنه ليس في الحياة إلا المادة. وكأن ليس بعد الدنيا آخرة يحاسب فيها المرء (فَأَمَّا مَنْ طَغَى * وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى * وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنْ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى) (النازعات: 37 ـ 41) . الدنيا إنما تصير الدنيا وسيلة لا غاية، مرتقى وليست منتهى، طريقا إلى هدف وليست هدفا في ذاتها:

"وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة. ولا تنس نصيبك من الدنيا وأحسن كما أحسن الله إليك ولا تبغ الفساد في الأرض إن الله لا يحب المفسدين" (القصص: 77) . وهكذا يتضح وضع الاقتصاد إن الاهتمام به واجب لكنه لا يلهي عن الآخرة وإذا ابتغى الإنسان الآخرة في اقتصاده فردا كان أو دولة وسار على الطريق الذي رسمه الإسلام. فإنه بلا شك يؤدي عبادة من أجل العبادات لأن العبادة ليست قاصرة على النسك والتعبد إنما تشمل كل أنشطة الحياة وكل مجالاتها (3) .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) . راجع الإيمان الحق ـ للدكتور علي جريشة.

صفحة 228

وهذه الخصائص المتقدمة تفضي إلى ما يسمى بالتوازن الاقتصادي. قد كان ذلك يكفي لتقول أن النظام الإسلامي الاقتصادي يقوم على التوازن: لكن الإسلام أكد هذه الخاصية بأكثر من سبيل: فجعل التوازن أمرا ملزما للفرد:

"ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك، ولا تبسطها كل البسط" (الإسراء:29) . وجعلها بعد ذلك صفة للجماعة لازمة:

"والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما" (الفرقان: 67) . ثم جعلها أخيرا صفة للأمة التي أضفى عليها الخيرية في مكان آخر:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت