فهرس الكتاب

الصفحة 2373 من 3028

المبحث الأول العقيدة والأخلاق والشعائر

أولا ـ جانب العقيدة:

العقيدة أشرف جوانب الشريعة. ولذا كانت تخاطب أشرف جزء في الانسان تخاطب قلبه. وبقيامها في قلوب الناس. يقوم أساس هذه الشريعة متينا قويا."أفمن أسس بنيانه على تقوى الله ورضوان خير، أمن أسس بنيانه على شفا جرف هار" (التوبة:109) وقد أشرنا ـ في معرض الحديث عن الاتجاهات القاصرة ـ إلى أن عقيدة الإسلام متمثلة في الكلمة الطيبة:

لا إله إلا الله. وهي بهذا كما أشرنا تتضمن نفيا ثم إثباتا. نفيا يقتضي إسقاط كل صفات الألوهية والربوبية عن سوى الله سبحانه وتعالى من طواغيت بشرا كانت أو حجرا. ولا نحسب الانسانية ـ بعد أن شبت عن طفولتها ـ ترتد مرة أخرى إلى جاهليتها الأولى لتعطي بعض صفات الألوهية أو الربوبية لوثن أو صنم لكنها لا تزال ـ حتى اليوم ـ تتردى في إعطاء بعض هذه الصفات للبشر. فتعترف لهم بحق وضع"منهاج الحياة". كما اعترف الماركسيون بهذا الحق لماركس ومن جاء بعده.

صفحة 218

ليفسروا لهم الكون، والتاريخ، والاقتصاد. ويضعوا لهم منهج السياسة والاجتماع والاقتصاد. وكما اعترف غيرهم بهذا الحق لبشر مثلهم ويشرعون لهم"قيمهم"و"مثلهم". وقواعد مجتمعاتهم وسائر جوانب حياتهم. وتردت من ورائهم الأمم الإسلامية تأخذ عن هؤلاء القيم والمثل والأخلاق والسلوك وسائر مناهج التعامل بين الناس وفي مقدمتها القوانين. ونسيت هذه الأمم أنها تتخذ أربابا من دون الله تعطيها بعض صفات الله وبعض حقوقه تزعم أنها آمنت بالله وهي تتحاكم إلى هذه الطواغيت:

من قيم ومبادئ وقواعد وتشريعات وإيمانها يقتضي أولا إسقاط هذه الطواغيت. وإثباتا:

يقتضي الاقرار بكل صفات الربوبية الألوهية لله وحده. وبذا تقوم عقيدة الإسلام واضحة قوية في قلوب المسلمين. يقوم الأساس متينا ليصح من بعده ومن فوقه بقية البناء.

ثانيا ـ جانب الأخلاق:

وهذا جانب يغفل عنه الكثير. من المصلحين ومن الدعاة. مع أنه في ميزان الإسلام يقف إلى جانب العقيدة. ليقيم الأساس. وكيف لا والرسول يجعلها غاية لابتعاثه"إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق" (1) .

وكيف لا وقد ظل الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) يربي المسلمين عليها مع العقيدة أكثر من نصف حياته"الرسالية".

ــــــــــــــــــــــ

(1) رواه مالك.

صفحة 219

وكيف لا وبها انتشرت دعوة الإسلام في أكثر من نصف الأرض التي فتحها الله على المسلمين لما رأى الناس من أخلاق تجار المسلمين في معاملاتهم وكيف لا وبها يصير المسلمون"مثلا"تتحرك و"قيما"تسعى على الأرض ويسعى نورها بين أيديها وبأيمانها؟؟ وكيف لا وقد كان خلق رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) القرآن، وكان بهذا الخلق أشرف من خلق"وإنك لعلى خلق عظيم" (القلم:4) "وهو الذي بعث في الأميين رسولا منهم يتلو عليهم آياته، ويزكيهم، ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين" (الجمعة:2) . وأمرنا أن نقتدي بهذا الرسول في خلقه العظيم."لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر. وذكر الله كثيرا (الأحزاب:21) ". ولئن اختلفت مذاهب العالم في الأخلاق واختلفت فيها اهتماماتهم. فإن السمة الواضحة في هذه المذاهب وتلك الاهتمامات أنهم لا يضعونها في المنزلة التي يضعها الإسلام أساسا مع العقيدة للبناء كله. ثم هي عندهم ليست نابعة عن عقيدة ولا متصلة بعبادة. بينما هي في الإسلام كذلك. فأما نبعها من العقيدة فهناك أمثلة منها"من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه (1) "."والله لا يؤمن (ثلاثا) قيل من يا رسول الله ـ قال ـ من لا يأمن جاره بوائقه" (2) .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) رواه البخاري.

(2) رواه البخاري.

صفحة 220

"لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن."إنما يتذكر أولو الألباب * الذين يوفون بعهد الله ولا ينقضون الميثاق * والذين يصلون ما أمر الله به أن يوصل ويخشون ربهم ويخافون سوء الحساب. * والذين صبروا ابتغاء وجه ربهم (الرعد:20- 22) . وأما اتصالها بالعبادة. فإن إتيانها نفسه والاستمساك بها عبادة. إسمع إن شئت قول رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) "إن الرجل ليبلغ بحسن خلقه درجة الصائم القائم (1) ". أقربكم مني منازل يوم القيامة أحاسنكم أخلاقا، الموطئون أكتافا. ما من شئ أثقل في ميزان المؤمن يوم القيامة من خلق حسن (2) ". ثم إنها بعد ذلك تزكو بالعبادة وتربو. فالصلاة من بين غايتها تنمية النظام، والطاعة، والطهر والنظافة والعفة (إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر(العنكبوت: 45 ) ) "لو أن بباب أحدكم نهرا يغتسل منه في اليوم خمس مرات أيبقى من درنه شئ (3) . وأداؤها في جماعة ينمي روح التعاون والتراحم والود والإلفة فيتحقق قول الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) "مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى (6) ".

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) رواه أبو داود.

(2) رواه أحمد.

(3) رواه الإمام أحمد ومسلم.

صفحة 221

والصيام يزكي خلق الصبر، والاحتمال، والإحساس بالفقير والعطف عليه. وينمي في الوقت نفسه مراقبة الله في السر كمراقبته في العلانية. مما يولد التقوى (يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون) (البقرة: 182) . والزكاة تطهير للنفس من شحها. وتطهير للمجتمع من الأحقاد. وتزكية لأخوة الإسلام والمحبة في الله بين الغني والفقير."خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها وصل عليهم إن صلاتك سكن لهم" (التوبة: 102) . وهي حق في مال الغني، وليست مجرد إحسان، ومن ثم ينتفي فيها ما قد يجرح الفقير"والذين في أموالهم حق معلوم للسائل والمحروم" (المعارج: 24ـ25) . وفي المال ـ بعد ذلك ـ حق سوى الزكاة والحج فيه صبر. وتطهر من الرفث والفسوق والجدال. وفيه تنمية لروابط الأخوة بين المسلمين. وتزكية للوحدة على الله الواحد والقبلة الواحدة. والغاية الواحدة."الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى" (البقرة 197) .

صفحة 222

وهكذا هذه مجرد نماذج. وأخلاق الإسلام بعد ذلك كله فيها الثبات. فهي لا تتغير بتغير الأزمة. ولا تتأثر بالظروف ولا المصالح. هي ترتفع بالمسلم إلى مستوى من"المثل"لا تدانيه أية قيم أرضية أخرى. ومن هنا وجب أن يربى عليها المسلمون، كما يربون على تقوى الله سواء بسواء.

ثالثا ـ جانب الشعائر:

العقيدة والأخلاق أساس. ويأتي بعد الأساس:

العمد. والشعائر هي العمد. من هنا كانت صلتها وثيقة بالعقيدة وبالأخلاق. فهي كذلك استمداد من العقيدة.

"ذلك ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب" (الحج: 32) . ثم إن العقيدة تربو بالشعائر وتزكو. ومن هنا كان قول السلف الإيمان يزيد بالطاعات وينقص بالمعاصي. وبينها وبين الأخلاق تأثير متبادل. فحسن أدائها تزكو به الأخلاق وتربو ـ على نحو ما أشرنا. كذلك الأخلاق تؤدي إلى حسن أدائها. فمن كان ذا وفاء فهو مع الله أوفى. ومن ذا صدق فهو مع الله أصدق. ومن كان ذا أمانة حفظ أمانة الله أول ما يحفظ. وهكذا

صفحة 223

المبحث الثاني

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت