تربة طيبة وبذرة طيبة والباقي عوامل مساعدة. والتربة الطيبة ـ في رأينا ـ هي الانسان كله والبذرة الطيبة هي شريعة الله كلها فإذا أحسن زرع البذرة الطيبة في الأرض الطيبة كان نبات طيب كانت حضارة ونهضة يسعدان الانسان العالم كله. ونتحدث عن كل عنصر بما يسمح به المقام. أولا:
الانسان كله أشرنا من قبل إلى أنه إذا كانت حضارات القرن العشرين أو بالأصح جاهلياته قد لجأت إلى الآلة وإلى المصانع وجعلت الانسان في الدرجة الثانية. فإن حضارة الإسلام تجعل الانسان في الدرجة الأولى صانعا لها ثم هدفا لها والانسان بلا شك ـ هو أكرم المخلوقات في هذا الوجود. ومن ثم كانت حضارة الإسلام باعتبار الانسان صانعا لها ثم هدفا لها أكرم حضارة في الوجود وقضية تكريم الانسان وتفضيله على غيره من المخلوقات قد تبدو قضية بديهية، بالنسبة لعصرنا لكنه قد أتى حين من الدهر لم يكن فيه الانسان شيئا مذكورا حتى لقد استعبد في فترة وخضع للبيع والشراء في سوق النخاسة.
صفحة 212
واستعبدت المرأة في فترة وكان ينظر إليها على أنها متاع كسائر المتاع في البيت وكانت تورث من بين ما يورث من الأشياء. ولا تزال المرأة في حضارات كثيرة مستعبدة وإن علقوا على رأسها لافتة الحرية لا تزال تباع وتشترى في سوق الرقيق الأبيض، ولا تزال تعرض سلعة رخيصة في كثير من الأماكن تبيع النظرة وتبيع البسمة وتبيع ما وراء ذلك بالدرهم والدولار!! وفي زمن نظر الناس إلى الملائكة على أنهم الجنس الأكرم. ونظر آخرون إلى الجن. وجاءت كلمة الإسلام قاطعة"ولقد كرمنا بني آدم، وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا". وقصة سجود الملائكة لآدم التي حكاها القرآن ليست للتسلي ولا للتلهي"لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب ما كان حديثا يفترى" (يوسف:11) . لكن البعض قال فيها بغير علم، وتأول صريح ألفاظها ودلالاتها، بما يخرجها عن معناها وهدفها"وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم إلا إبليس أبى واستكبر وكان من الكافرين" (البقرة:24) . وتكررت في أماكن أخرى بألفاظ أخرى لكنها كلها من الوضوح بما لا يصرفها عن معناها الظاهر إلى معنى خفي أو ملتو الله أمر الملائكة بالسجود لآدم والملائكة كلهم سجدوا إلا إبليس أبى واستكبر وكان من الكافرين. وسجود الملائكة على هذا النحو فعل حدث وتم وهو يعني التكريم الذي أشارت إليه آيات أخرى بل هو أبلغ درجات التكريم وتكريم الإسلام لآدم وبنيه ينصرف بلا شك إلى الجنسين الذكر والأنثى وهذا التكريم اقتضى صيانة"الانسان"ولذا كانت صيانة"دمه"و"عرضه"و"ماله"بل يبلغ التكريم والصون
صفحة 213
غايته ومنتهاه حين يقول رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ناظرا لبيت الله الحرام الذي زاده الله تشريفا وتكريما"ما أعظمك"و"أعظم حرمتك"لحرمة المؤمن أشد عند الله من حرمة بيته المحرم حضارة القرن العشرين شهدت على أيدي بعض أدعيائها ممن جعلوا حرمة المؤمن دون حرمة الكلاب فأهدروا جسده، ودمه، وماله، وعرضه وحرموه من أدنى الحقوق بل أدنى الضرورات حرموه أن يقضي حاجته، وحرموه أن يسد رمقه!! قد يقال وكل حضارات الدنيا لم تقم ولا يمكن أن تقوم بغير الانسان. ونقول ولكنها لا تجعله من الدرجة الأولى. ولا تنظر إليه نظرة الإسلام كلا لا يتجزأ أشرف ما فيه قلبه الانسان كله:
في هذا تفترق حضارة الإسلام عن سائر الحضارات إنها لا تنظر للانسان كجسد وحسب كما تفعل الحضارة المادية شرقية وغربية نزوعا إلى ذلك المستوى الهابط الذي صور به فرويد الانسان مجموعة غرائز تتحرك أو نزوعا إلى ذلك الاصل الهابط الذي تدرج به دارون إلى أن يجعل أصل الانسان قردا أو ما وراء ذلك حضارة الإسلام لا تغفل واقع الانسان أنه جسد لكنها لا تغفل الجانب الآخر من الواقع أن له روحا أن له عقلا وقلبا وهي تبدأ مع الانسان وفي هذا نفترق ـ عن سائر الحضارات من أعز مكان فيه وأشرفه من قلبه فتودع فيه العقيدة والإيمان وبهذا تكون نقطة التحول للانسان. بهذا يبدأ الانسان معراجه إلى حضارة ا لمثل والقيم والأخلاق. ولا تغفل بعد ذلك بقية القوى فيه إن لربك عليك حقا وإن لبدنك عليك حقا وإن لزوجك عليك حقا
صفحة 214
فاعط كل ذي حق حقه ويتحقق في الانسان"المسلم"التوازن المفقود عند غيره فلا الجسد ولا حاجاته يطغى فينقلب الانسان إلى حيوان تسيره غرائزه ولا العقل ومنطلقاته يطغى فينقلب الانسان إلى خيال بعيد عن الواقع والحياة. ولا القلب وأشواقه يطغى فينقلب الانسان إلى راهب ينقطع عن الدنيا وما فيها وإنما كل يسير بقدر كما أن كلا خلق بقدر. كل يسير في فلكه المرسوم كما تسير الكواكب في فلكها المرسوم."لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر ولا الليل سابق النهار وكل في فلك يسبحون" (يس 40) . أما القدر الذي يسير قوى الانسان وأما الفلك الرسوم الذي يسير فيه فهو الشريعة التي أنزلها الله له وفيها هذا النظام الرائع المحبوك الذي لا يقل روعة عن نظام هذا الكون المتناسق الغريب وحين تختل القوى أو تطغى ففي توجيهات هذه الشريعة وأوامرها ونواهيها ما يرد الأمر إلى توازنه ليعود كل يسير بقدر وليعود كل إلى فلكه المرسوم بغير طغيان ولا خسران بغير إفراط ولا تفريط. ثانيا:
الشريعة كلها الانسان هو التربة الطيبة والشريعة هي البذرة الطيبة ومنهما يكون النبت الطيب بإذن ربه ومنهما تكون حضارة المثل والقيم والأخلاق
صفحة 215
ومحاولات النهضة الإسلامية السابقة لم تؤت ثمارها المرجوة. أما لأنها اقتصرت على جانب في الانسان تقيمه وتزكيه، وأهملت بقية الجوانب. وكما قدمنا فالانسان كل لا يتجزأ ومخاطبة جانب فيه يخل بالتوازن الذي أودعه الله في هذا الانسان كما أودع التوازن في الكون كله"والسماء رفعها ووضع الميزان ألا تطغوا في الميزان، وأقيموا الوزن بالقسط ولا تخسروا الميزان" (الرحمن: 7 ـ 9) . وبالنسبة للشريعة فالذين اقتصروا على العقيدة كما قدمنا اقتصروا على أساس وتركوا بقية البناء. والذين اقتصروا على النسك اقتصروا على أعمدة وتركوا بقية البناء. والذين اقتصروا على التعليم أخذوا جانبا وتركوا بقية الجوانب. وشريعة الله بناء متكامل يشد بعضه بعضا. أساسه:
عقيدة وأخلاق وعمده:
شعائر ونسك وبقية أركانه وجوانبه:
أوامر ونواه وتوجيهات تشمل جميع الحياة. ونشير في إيجاز لهذه الجوانب ثم نشير إلى أنها لا تقبل التجزئة ولا التفرقة ثم نختم بحثنا بتساؤل كيف نقيم بناء الشريعة في النفس وفي الناس؟؟ هذا ما تجيب عليه بمشيئة الله في الفصل الثالث تحت عنوان جوانب شريعة الله.
صفحة 216
الفصل الثالث جوانب شريعة الله كان من نتائج إبعاد شريعة الله عن حياة المسلمين، وإبعادهم عنها أن اختلفت نظرة الكثيرين إليها حتى المخلصين الراغبين إليها وكان كل من قبس منها قبسا ظن ذلك هو الإسلام أو ذاك هو الشريعة فراح يعكف عليه وحده ويدعو إليه وحده بيد أن شريعة الله كل لا يتجزأ قد نقبس منها قبسا لكننا لا نقف عنده. بل نحاول أن نحيط بالنور كله ليكون فيه الخير كله ولسوف نرى فيما بعد إن شاء الله. أن تجزئة شريعة الله قد تكون فتنة تماما كمنعها كلها بل ربما أشد. من هنا كانت هذه الجوانب وأشرفها هو العقيدة. وثانيها المكمل لها هو الأخلاق. ومن هذين يصطبغ المسلم بصبغة الإيمان. لكن لا بد من صقله وتنمية هذا الإيمان بالشعائر والنسك. ثم بإتباع سائر أوامر الله في سائر جوانب الحياة. ونشير لكل جانب بكلمة:
صفحة 217