فهرس الكتاب

الصفحة 2371 من 3028

(1) للمفتش الانجليزي جي ديلو اينتر ـ بجريدة الديلي تلغراف اللندنية في 2 شباط 1888 وراجع تعليقا على ذلك للأستاذ غازي التوبة ـ الفكر الإسلامي المعاصر ـ دراسة وتقويم.

صفحة 204

ولا نحسب الرجل أشد حذرا من رئيس عربي ظل ينتسب لمحفل ماسوني حتى بعد أن صار"زعيم ثورة"و"رئيس دولة"فلما فاحت أمر بحل كل المحافل الماسونية في بلده! وأما الذي نأخذه على الرجل العالم:

أولا:

إقتصاره من الإسلام على الاصلاح عن طريق التعليم فالإسلام ـ كما سنشير ـ ليس مجرد ثقافة فقط لكنه منهاج تربية، ومنهاج حياة في هذا الجانب استطاع أن يصلح!!

ثانيا:

إن الرجل وهو في موضع القدوة للمسلمين مالأ"الكافرين"الذين غصبوا الديار وما بعد الديار! وإنكار القلب إن كنا نكتفي به من الشيخ الإمام يفرض مع الانكار"الاعتزال"وإلا فقد السلامة من الإثم والبراءة من الذنب. فليس وراء ذلك النوع من الانكار حبة خردل من الإيمان. ولا ندري هل الإمام يحفظ."يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة، وقد كفروا بما جاءكم من الحق، يخرجون الرسول وإياكم أن تؤمنوا بالله ربكم، إن كنتم خرجتم جهادا في سبيلي وابتغاء مرضاتي تسرون إليهم بالمودة وأنا أعلم بما أخفيتم وما أعلنتم، ومن يفعله منكم فقد ضل سواء السبيل إن يثقفوكم يكونوا لكم أعداء، ويبسطوا إليكم أيديهم وألسنتهم بالسوء وودوا لو تكفرون"وهل قرأ غيرها من الآيات في نفس المعنى أم أن فيه تأويلا كتأويله في الملائكة أو في سجودهم أو في معصية آدم أو في خلق عيسى (عليه السلام) أو في الجن، أو في السحر أو غير ذلك مما أعمل فيه عقله (الكبير) ليقول"بالرأي في كتاب الله؟!!". لقد مضى الرجل إلى ربه فنترك له حساب سره وعلانيته. لكننا إزاء الظاهر.

صفحة 205

وعمره الذي أفني في محاولة إصلاح التعليم بلوغا إلى مقاومة الإستعمار أو النهوض بالإسلام لا نملك إلا أن نتلو قول الله:

( قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا * لَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا) (الكهف: 103-104) ! ونترك من قبل ذلك ومن بعد ذلك حسابه على الله لكننا نسوق ما نسوق ليعتبر أولو الأبصار ويتذكر أولو الألباب فلا تتكرر الصورة مرة أخرى!

صفحة 206

الفصل الثاني

محاولة لخط إسلامي أصيل

المبحث الأول

ضلال وقصور أولا:

ضلال الاتجاهات الدخيلة:

لقد نقل"البعض"عن الغرب علمانية في التعليم والإعلام وفي القانون ونقلوا منه"تحرير المرأة"من بيتها ومن زيها ونقلوا عن إضعاف دور الدين وإضعاف رجاله فهل تحقق لهم ذلك؟ إن المنطق أولا يرفض ذلك النقل"الآلي". إن شخصين قد يمرضان بمرض واحد ومع ذلك يعرضان على طبيب واحد فيقضي لكل مريض منهم بدواء مختلف عن الآخر. وإن نباتا واحدا قد يزرع في أرضين كلاهما خصبة فتنبت الواحدة وترفض الأخرى وإن شخصين في سن واحدة ودرجة ثقافية واحدة قد يلقنان علما أو عقيدة فيورث أحدهما جهلا والآخر علما ويورث أحدهما إيمانا والآخر كفرا!! إن الشعوب تماما كالأشخاص لأنها مجموعة أشخاص ما يطب شعبا قد يمرض شعبا آخر. وما يعلم شعبا قد يورث الآخر جهلا.

صفحة 207

وما يدفع شعبا إلى الإيمان قد يدفع الآخر إلى الكفر والفسوق والعصيان! بل إن النبات ليأخذ بالاختيار فيتخير من عناصر التربة ما يصلح له. فما يختاره النخيل قد لا يختاره شجر البرتقال وهكذا فهل يؤتى النبات"فطرة"الاختيار ويفقد الانسان الذي أوتي الإرادة قدرة الاختيار؟؟ ثم إن"الأصالة"ترفض ذلك النقل. فالشعوب الأصيلة تستمسك بما لديها من"تراث"باعتباره أحد عناصر استقلالها بل أهم عناصره وهي ـ حتى تحت الهزيمة قد تستمسك به ولدينا مثل من الأمة الإسلامية الأولى. حين غلبت على أمرها أمام زحف التتار رفضت أن تأخذ بالياسق الذي وضعه الغالبون جزءا من شريعة جنكيز خان وجزءا من شريعة الإسلام وأجزاء من شرائع أخرى ومثل من الأمة الألمانية والأمة اليابانية لم يفقدا برغم الهزيمة المرة العناصر المميزة لشعوبهما. ولم يذهبا إلى نقل كل وارد من غير تمحيص وها هي الأمتان تعودان أقوى مما كانتا تعودان لتقرضا أغنى دول العالم ولتنشرا على مستوى العالم كله منتجاتهما!! والإسلام بعد ذلك يرفض ذلك النقل الأعمى. لأنه هو الأعلى والأعلى لا يمد اليد لما هو أدنى. لأنه الطيب والطيب لا يستبدل بالخبيث. لأن عنده ما ينفع الناس ولا يستبدل بما ينفع الناس الزبد أو الغثاء.

صفحة 208

ولا يتسع المجال لندلل من النقل والعقل. إن الإسلام هو الأعلى وهو الطيب وأن عنده ما ينفع الناس. فنحسب أنه لا ينكر على الإسلام ذلك إلا معاند أو جاهل وفي الإعراض عن كليهما خير أي خير والماركسية في منهجها الأخير تحاول أن تقيم صلحا بينها وبين الإسلام، والكفر والإيمان لا يصطلحان والشر والخير. لا يتقاربان ولا يجتمعان ومن ثم كانت دعوة مرفوضة غير مشكورة ولتبحث عن دين آخر يقبل الصلح أو التقارب أو الاجتماع. فلقد شب أبناء الإسلام عن طوقهم ولم يعودوا يقبلون ذلك"التغفيل"أو"التضليل"والماركسية بتراجعاتها الكثيرة في مجال النظرية:

في التفسير المادي للتاريخ وفي مفهوم المادة ذاته. وتراجعاتها الأكثر في مجال التطبيق العملي:

بعد عدولها الجزئي إلغاء الملكية. وبعدولها المرحلي عن إلغاء الأسرة. وبعدول بعض أجزائها الأوربية عن مبدأ دكتاتورية البروليتاريا. وبعدولها المرحلي"التكتيكي"عن الهجوم على الدين. وبأخذها عن"الرأسمالية"نظرة الحوافز. وبمهادنتها للنظم الرجعية بل إعلانها الوفاق مع بعضها

صفحة 209

كل ذلك لم يعد معه من المقبول ـ علما ومنطقا ـ أن نقول بوجود"النظرية الماركسية". وأخيرا فماذا فعلت الماركسية حين أعطيت لها"القيادة"في بعض البلاد الإسلامية هل حققت تقدما إقتصاديا الواقع الأليم يحكم على الاشتراكية والاشتراكيين بالخراب كل الخراب هل حققت تقدما سياسيا. في ظل توجيهاتها العليا كانت أكبر محنة للشعب المسلم في المنطقة حين استذلته واستعمرت أرضه أذل أمة في الوجود هل حققت تقدما إجتماعيا ليس سوى التمزيق بين أبناء البلد الواحد، بل بين أبناء الأسرة الواحدة من اتهامات باليمينية، والامبرايالية. وغيرها من الألفاظ والمصطلحات الرنانة ثانيا ـ قصور بعض الاتجاهات الإسلامية:

ماذا فعلت الاتجاهات الإسلامية التي عرضنا لها:

من اقتصار على العقيدة إلى اقتصار على النسك، إلى اقتصار على محاولة إصلاح التعليم؟؟ كلها باقتصارها على جانب واحد أشبه بجيش جرار معه سلاحه وذخيرته لكنه يقف مكانه يحرك رجليه وليس له ثمة تقدم يذكر. أنه يسير مكانه والعالم كله يسير إلى الأمام. أو هي من ناحية أخرى. تقيم جزءا من البناء وتهمل الباقي.

صفحة 210

فما يتكون البناء المتكامل الذي يشد بعضه بعضا. وما يكون نصيب الجزء الذي بني إلا أن تعشعش فيه الغربان وتأوي إليه الحشرات فلا يلبث أن يبدو بعد حين كريها لكل ناظر والإسلام أعز من ذلك وأكرم إذن فأين الطريق؟؟

صفحة 211

المبحث الثاني أين الطريق من ابتغى نباتا طيبا فلا بد له من أمرين رئيسيين:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت