فهرس الكتاب

الصفحة 2369 من 3028

قريبة من الظروف التي دعت الإسلام بها أول مرة. فكثير من ا لمجتمعات الإسلامية خلال القرنين الثاني عشر والثالث

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) من حديث طويل رواه الشيخان.

(2) رواه البخاري في كتاب الإيمان 39 ومسلم وابن ماجه.

صفحة 192

عشر، وبعضها لا يزال حتى القرن الرابع عشر الحالي يتنازعها تقاليد، وأفكار إن لم تكن هي الشرك فهي قريبة منه بل إن بعض هذه المجتمعات أوشك يوما أن يعبد شجرة أو مكانا حاطه البعض بشئ من التقديس ولا يزال كثير مما حتى اليوم فيما يسمى بالموالد له شكل الشرك ولا ينقصه إلا النية والله أعلم بالنوايا وبرغم أن أصحاب هذه"الموالد"برءاء مما أحدث الناس بل إن بعضهم لو كان على الحياة لحرق كثيرا من أولئك الضالين كما علي بن أبي طالب رضي الله عنه بمن ألهوه من دون الله سبحانه وتعالى وبرغم ما يقال من أن إحياء هذه"الموالد"إحياء لمبادئ وقيم أصحابها وتذكير بها فإن ما غلب عليها من"بدع"وما يرتكب فيها أو باسمها من"آثام"كفيل بالانتهاء عنها فإن من أسباب تحريم الخمر والميسر قول الله يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما. فضلا عن أن درء المفسدة مقدم على جلب المصلحة. وسد الذرائع كفيل بترك ما لا بأس به خشية أن يكون به بأس طواغيت:

والطواغيت التي أمرنا الله أن نكفر بها ليصح إيماننا ليست ولم تكن، الأوثان والأصنام فحسب إن تلك الأوثان والأصنام مجرد صورة واحدة، أو مثل واحد. لكن صور الطواغيت كثيرة:

معتقدات مبادئ

صفحة 193

أفكار. أشخاص عواطف ومشاعر سلوك صور للتنسك وجماع هذه جميعا أن تعطيها أو تعطي شيئا منها بعض صفات الله أو بعض أفعاله التي اختص بها وحده سبحانه ولا يهم أن تفردها بهذا العطاء أو أن تشركها مع الله فيه فمن أعطى شخصا أو هيئة مبدأ صفة"الحكم"أي وضع القواعد التشريعات ابتداء وهذا خالص حق الله سواء في مجال العقيدة، أو الأخلاق، أو العبادات أو المعاملات:

إقتصادية، وسياسية، واجتماعية فقد اتخذ الشخص أو الهيئة أو المبدأ طاغوتا فإن أفرده بهذه الصفة فقد اتخذه طاغوتا من دون الله. وإن أشركه مع الله في هذه الصفة فقد اتخذه طاغوتا مع الله. وفي الحالين إن توافرت له الإرادة فقد انتفى عنه الإيمان (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا) (النساء:60) إلى قوله تعالى:

(فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) (النساء:65) .

صفحة 194

فلينظر الذين يقولون"أنا مسلم العقيدة ماركسي المذهب"فإن العقيدة لا تصح حتى يسقط كل طاغوت يعطيه الانسان بعض حق الله. (فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى) (البقرة 256) . ولذا كان في شهادة التوحيد سابقا على الاثبات لا إله إلا الله! العقيدة الصحيحة:

والعقيدة الصحيحة. ليست قاصرة على نطق اللسان:

لا إله إلا الله محمد رسول الله. إنها قبل ذلك علم القلب وعمله. وهي ليست قاصرة بعد ذلك على عمل الجوارح. إنها إن اقتصرت على الأولى:

شهادة اللسان وانتفت الثانية:

كانت نفاقا وإن اقتصرت على الثانية دون الأولى كانت كفرا وإن اقتصرت على الأول والثانية دون الثالثة كانت فسقا ثم:

إنها ليست قاصرة على جانب من صفات الله دون الجانب الآخر. إنها كما تشمل الاعتقاد بإن الله خالق تشمل كذلك الاعتقاد بأنه رازق تشمل كذلك الاعتقاد بأنه: حكم أو حاكم

صفحة 195

والاخلال في جانب من هذه كالاخلال بالجانب الآخر سواء بسواء (1)

ثانيا:

خطأ وخطر الذين نادوا بالعقيدة على ذلك النحو. أصابوا كل إصابة لكنهم أخطأوا من جانبين. إنهم وقفوا عندها أو أنهم غالوا فيها أو فعلوا الخطأين معا أما خطؤهم في الوقوف عندها:

فإن العقيدة أساس لا يقوم بناء بغيره وهذه أهميتها لكن. أيصح لعاقل أن يقيم الأساس ويكتفي؟ فلا يقيم بعده البناء؟ وما يجديه الأساس إن أصابته حرارة الصيف أو مسه برد الشتاء؟ وأما خطأ المغالاة فيها:

فقد جاء من اعتبارهم الائتمار بالأمر والانتهاء عن النهي جزء من العقيدة، وترتيبهم نفس النتيجة التي تترتب على تخلف الأجزاء الأخرى كشهادة اللسان أو اعتقاد بالقلب. واعتبار"العمل"بتفصيله السابق جزءا من الإيمان صحيح.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) تفصيلا لذلك بحثا مفصلا (الإيمان الحق: شهادة وعقيدة وعبادة) ـ للدكتور علي جريشة ـ دار الشروق الطبعة الأولى ـ سبتمبر سنة 1975 ـ والمراجع المشار إليها في هذا البحث.

صفحة 196

لكن ترتيب نفس النتيجة عليه غير صحيح. ذلك أن للإيمان درجات كما أن في الجنة درجات. وللكفر دركات كما أن في جهنم دركات! أو هو كاالكائن الحي لا يستوي فصل رأسه مع فصل رجله أو يده ومن ثم فلا يستوي في شرع الله تارك الشهادة:

لا إله إلا الله مع تارك إطعام المسكين ولا يستوي من داس مصحفا أو أنكر شيئا ما فيه. مع من اغتاب، أو سعى بالنميمة، أو حتى قتل!. والقرآن سمى تارك"الهجرة"مؤمنا" (...والذين آمنوا ولم يهاجروا ما لكم من ولايتهم من شئ...) (الأنفال: 72) ". وسمى من قاتل أخاه"مؤمنا" (وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما) (الحجرات: 9) ". وتداعى الناس وتتابعهم في المعاصي لا يدفعنا إلى خطأ آخر هو تكفيرهم إنما ينبغي على المسلم أن يمسك في أحلك الظروف بالميزان الدقيق. يزن به الأفعال والأشخاص (الله الذي أنزل الكتاب بالحق والميزان) (الشورى: 17) ."

صفحة 197

المبحث الثاني الاقتصار على النسك لا شك في فضل شعائر الله. ولا شك أنها عمد هذا الدين لا يقوم بغيرها ولا شك أن تعظيمها وتوقيرها من تعظيم الله وتوقيره من تقوى القلوب (ذلك ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب) (الحج: 32) . لكن هل نستطيع أن نقتصر عليها فقط ونقول هي الدين؟ الرسول يرفض محاولة الاقتصار أو محاولة التغالي:

بعض الذين يقتصرون اليوم على الشعائر يقولون أنهم يتشبهون بالصحابة، وأصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) برءاء مما يقولون فمنهجهم هو منهج الرسول عليه و (آله) الصلاة والسلام الذي شجب مثل هذه المحاولات ليوضح سنته حين قال بعض أصحاب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أين نحن من النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ، قد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، قال أحدهم: أما أنا أصلي الليل أبدا، وقال آخر: أنا أصوم الدهر ولا أفطر، وقال آخر: أنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبدا فجاء رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال: أنتم الذين قلتم كذا وكذا؟ أما والله إني لأخشاكم وأتقاكم له ولكني أصوم وأفطر وأصلي وأرقد وأتزوج النساء

صفحة 198

فمن رغب عن سنتي فليس مني! (1) . وهذا حنظلة الكاتب التميمي، يقول:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت