يلتحق غير اليهود بالمحافل الماسونية مدفوعين بمجرد الفضولية أو أملا منهم في الحصول على المزايا التي توفرها لهم، ويلتحق بعضهم بها لكي يتمكنوا من مناقشة أفكارهم السخيفة أمام جمهور المستمعين، ويتوق غير اليهود إلى ضروب الإنفعالات التي يهيئها النجاح والهتافات، وها نحن نوزعها عليهم دون حساب، ولذلك نتركهم يحرزون نجاحهم، ونفيد من الرجال الذين يمتلكهم الغرور، والذين يستسيغون أفكارنا وكلهم ثقة في عصمتهم وفي أنهم وحدهم قادرون على التفكير وغير خاضعين لغيرهم. وهكذا كان الماسونيين أكبر معوان للحركة الصهيونية في شتى الأقطار يعملون على تحقيق أهدافها السياسية والاستعمارية بحماس ودأب، ومنهم على سبيل المثال (ونستون تشرشل) الذي عمل على تأييد الحكومة الانجليزية للمطامع الصهيونية في فلسطين، وكان (هاري ترومان) رئيس الولايات المتحدة ماسونيا أعظم. وقد أكدت ذلك مجلة شيكاغو افنجر في عددها الصادر في 13 يوليو 1955 م، وهو الذي سارع إلى الاعتراف بدولة إسرائيل ساعة ولادتها المشؤومة. وتعزى الحركات الثورية العاتية، والفتن المخربة التي اندلعت في شتى الدول في العصر الحديث إلى النشاط الماسوني الهدام، كالثورة الفرنسية في أواخر القرن الثامن عشر الميلادي، والانقلاب العثماني
صفحة 184
سنة 1327 ه (1908 م) والثورة الشيوعية سنة 1336 ه (1917 م) وغيرها (1) .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) يمكن لمن يرغب في المزيد من التفصيل الرجوع إلى الكتب التالية: أسرار الماسونية للجنرال جوار رفعت آتلخان. الماسونية في العراء للدكتور علي الزعبي. والكتاب النفيس الذي صدر أخيرا: (الصهيونية بين الدين والسياسة) للأستاذ عبد السميع الهراوي، وعليه عولنا في هذا البحث.
صفحة 185
الباب الرابع إتجاهات إسلامية اتجاهات قاصرة إتجاهات أصيلة
صفحة 187
اتجاهات إسلامية نحن نتحدث عن العالم المعاصر. ومن ثم فإننا نتحدث عن القرن العشرين ولئن كنا أوغلنا قرنا أو بعض قرن حين تحدثنا عن الاتجاهات الدخيلة:
غربية وشرقية فذلك لنبين جذورها ليعلم قومنا أن ما هم فيه ليس قصدا إلى تمدينهم ولا إلى رقيهم إنما هو عروة من عرى حرب ضروس شنها أعداؤهم عليهم. فلما لم تفلح حرب السلاح. لجأوا إلى حرب الفكر والعقيدة وكانوا في الثانية: أخبث وأنجح بيد أنهم. وإن نجحوا. فإن نجاحهم محدود. محدود كما فلا تزال القاعدة العريضة من المسلمين بعيدة عن تأثيرهم ولا تزال الفطرة في البادية والريف هي الغالبة برغم كل ما بذله الغرب والشرق من فساد وإفساد. وهو كذلك محدود كيفا:
فإن ما غيروه. قليل إلى جوار ما بقي حتى في نفوس أتباعهم ولا يزال الإسلام في كل يوم يضم إلى صفوفه. كثيرين ممن كانوا عندهم روادا. وهذا محمد حسين هيكل. يعلن عودته لحظيرة الإسلام. وهذا طه حسين. يتجه في أخريات حياته إلى الإسلام. وإن بقي فكره مشوبا بكثير من المؤثرات الأولى.
صفحة 188
وهذا جلال كشك، ومصطفى محمود. وغيرهم كثير. يفتح الإسلام ذراعيه فرحا بهم أشد فرحا من فرحة الأم بعودة وحيدها الغائب أو أشد فرحا من ظاعن بالصحراء وجد بعد لاي بعيره الشارد وهذا النجاح لا يأمن بعد ذلك رد الفعل. إن لم ينتهوا يتركوا أرض السلام وأبناء الإسلام وتعض الذي سنقدم إن لم يكن أكثره كان رد الفعل. وقد بدأ أو بدا أثره قاصرا. لكنه يوشك بإذن الله أن يعرف طريقه. وأن يبلغ غايته. ليتم الله نوره ولو كره المشركون. ونحن نكتفي في الحديث عن الاتجاهات الإسلامية بما كان منها في هذا القرن الرابع عشر الهجري لأن هذا هو معنى المعاصرة الذي نقصد إليه ولن نشغل أنفسنا ولا نشغل الناس بالحركات التي لبست ثياب الإسلام وهي تضمر له الشر وتحمل له الحقد فإن صبغها بصبغة الإسلام خطأ كبير (1) . لكنا قد نشغل أنفسنا ونشغل الناس بالحركات والاتجاهات القاصرة لأنها وإن كانت لا تمثل الإسلام الصحيح فإنها خطوات إليه حسب أصحابها منها حسن النية، وحسبهم اجتهاداتهم وإن أخطأوا فلهم الأجر إن شاء الله ثم لا بد من دراستها لنبين ما فيها من خير فنستثمره وما فيها من سوء فنرفضه ثم لندعو أصحابها أن هلموا إلى الإسلام الصحيح (وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمْ الْبَيِّنَاتُ وَ أُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ * يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ...) (آل عمران: 105، 106) ونبدأ بإذن الله بهذه الاتجاهات. ثم نثني بإذن الله بالإتجاه الصحيح. والله المستعان وعليه التكلان ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) مثل القاديانية التي قامت في الهند عميلة للاستعمار البريطاني. محاولة تحريف العقيدة الإسلامية. وهي وغيرها من الحركات المشبوهة موضع دراسة مادة الأديان والفرق
صفحة 189
الفصل الأول إتجاهات قاصرة مقدمة:
وفي حديثنا عن الاتجاهات القاصرة قد نغفل تسمية أصحابها ليس خوفا منهم ولا ملقا لغيرها فيعلم الله أن خوفنا منه ورجاءنا إليه. ـ ولكنه أدب علمنا إياه الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) حين كان يصعد المنبر فيقول ما بال أقوام فعلوا كذا كذا. ـ ثم هو بعد ذلك دعوة لأولئك الذين أحبوا الإسلام وإن لم يفهموه الفهم الصحيح أو المتكامل دعوة إليهم من غير جرح لمشاعرهم. فهم أقرب إلينا من الذين شردوا وهم أعز علينا منهم بل قد يكونون أعز علينا من أنفسنا وأول هذه الاتجاهات القاصرة ما اقتصر على العقيدة وغالى فيها وثاني هذه الاتجاهات القاصرة ما اقتصر على النسك وغالى فيه وثالثها ما اقتصر على محاولة إصلاح بعض المؤسسات ولم يستطع حتى أن يغالي فيه ونكتفي بهذه الاتجاهات لنجمع تحتها كثيرا من الحركات التي ظهرت في هذا القرن ولنجمع تحتها كذلك كثيرا من الجمعيات التي حملت اسم الإسلام أو جزءا من اسمه وكل ذلك بغير تسمية كما أشرنا.
صفحة 190
المبحث الأول:
إتجاهات نحو العقيدة لا شك أنها نقطة بداية صحيحة:
أن نبدأ من العقيدة فإنها الأساس لكن الخطأ والخطر أن نقف عندها أو أن نتغالى فيها وقبل أن نبين الخطأ والخطر فيها نبين الصواب فيها مشيرين إلى ظروف نشأتها فهذان بحثان بإذن الله .
أولا:
صواب البدء بالعقيدة البدء بالعقيدة عين الصواب. لأن الإسلام يقيم بناء له أساس وأساسه العقيدة وبناء الإسلام ليس من حجارة ولا من صخور وإن كان بعد قيامه أثبت من الرواسي وأصلب من الصخور إنه بناء معنوي بناء قيم ومثل بناء شريعة أساسها عقيدة وهذا البناء لا يقام في فراغ.
صفحة 191
ولا يقام كذلك على جماد. لكنه يقام على أكرم ما خلق الله على الانسان. ثم هو يقام في أعز مكان في الانسان وأغلى قطعة فيه إنه يقام في قلبه"التقوى هاهنا وأشار النبي صلى الله عليه و آله إلى قلبه" (1) ."ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب"! (2) . والذين أقاموا الحضارات غير الإسلامية. أخطأوا نقطة البدء. بل أخطأوا مكان البناء نفسه. فأقاموا بناء الحضارة خارج الانسان من الآلة والمصنع وناطحات السحاب وهم حتى حين نظروا إلى الانسان. نظروا إلى أحط شئ فيه غرائزه فكانت حضارتهم إشباعا لهذه الغرائز وإثارة لها حتى شقي الانسان بحضارتهم أيما شقاء. وأهملوا في الانسان أعز شئ فيه وأغلى قطعة منه أهملوا قلبه! وهذا هو الفارق بين حضارتهم وحضارة الإسلام! والظروف التي دعت للنداء بالعقيدة: