ما الفخرُ إلا لأهل العلم إنهُم على الهدى لمن استهدى أدلاءُ
وقدُر كل امرئ ما كان يُحسنه والجاهلون لأهل العلم أعداءُ
ففز بعلم تعش حيا به أبدًا الناس موتى وأهل العلمِ أحياء
لذا فإن أغلى ما يطلب في هذه الدنيا هو العلم ، بل ولم يأمر الله جل وعلا نبيه e بطلب الازدياد من شئ من هذه الدنيا إلا من العلم فقال سبحانه: )وقل رب زدنى علما(
ومن أعظم كرامات الله تعالى لأهل العلم ، أنه جل وعلا قد استشهد بهم على أجل وأعظم مشهود به ألا وهو التوحيد وقرن شهادة أهل العلم بشهادته سبحانه ، وشهادةِ ملائكته وهذه هىَ أعلى وأعظم درجات التعديل فإن الله جل وعلا لا يستشهد بمجروح !!
فقال سبحانه: )شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولوا العلم قائمًا بالقسط لا إله إلا هو العزيز الحكيم (( 211)
يشهد الله تعالى لنفسه بالوحدانية ويثنى في هذه الشهادة الكريمة بملائكته ثم يثلث بأهل العلم
ثم رفع الله شأنهم وأعلى منزلتهم وأجل قدرهم فقال عز وجل: )يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات (( 212)
ولم لا ؟! وقد شهد الله جل وعلا لهم بهذه الشهادة الزكية فقال سبحانه: )إنما يخشى الله من عباده العلماءُ (( 213)
فلا طريق - أحبتى في الله - إلى معرفة الله تعالى والوصول إلى رضوانه والفوز بجنته إلا بالعلم النافع الذى أنزل به كتبه وبعث به رسله
والناس على حق وفى خير وهدى ما دام العلم باقيًا في الأرض ، فإن ذهب العلم بذهاب أهله وقع الناس في الضلال هكذا قال سيد الرجال محمد e ففى الحديث الذى رواه الشيخان من حديث عبد الله بن عمرو عن النبى قال e:"إن الله لا يقبض العلم انتزاعًا ينتزعه من صدور الناس ولكن يقبض العلم بقبض العلماء حتى إذا لم يترك عَاِلمًا اتخذ الناس رؤسًا جُهالًا فَسُئِلوا فأفْتَواْ بغير علم فضلوا وأضلوا" (214)
ومن ثم فلقد كان النبى e عظيمَ الاهتمام بالعلم ، شديدَ الحفاوة بأهله وهذا طالبُ علم كريم يجسد لنا هذه الحفاوة الكريمة فيقول: صفوانُ بنُ عَسَّالٍ المُرادى t أتيتُ النبى - e- وهو في المسجد متكئُ على بُردٍ له أحمر فقلت له: يا رسول الله إنى جئتُ أطلبُ العلم فقال النبى e:"مرحبًا بطالب العلم ، إن طالبَ العلم تحفه الملائكةُ بأجنحتها ثم يركب بعضها بعضًا حتى يبلغوا السماء الدنيا من محبتهم لما يطلب" (215)
وكان الإمامُ أحمد بن حنبل - رحمه الله تعالى - يقول: الناسُ إلى العلم أحوج منهم إلى الطعام والشراب لأن الرجل يحتاج إلى الطعام والشراب في اليوم مرة أو مرتين وحاجته إلى العلم بعدد أنفاسه
والحدث عن فضل العلم حديث طويل وله موضع آخر فإذا كان ذلك كذلك فإن أولى الناس بذلك هم الدعاة إلى الله تعالى بصفة خاصة وأبناء الحركة الإسلامية بصفة عامة
فإن أول واجبٍ على الداعية"المؤهل"الذى يشتغل بالدعوة إلى الله عز وجل قبل أن يخطو على طريق الدعوة هو طلب العلم الشرعى من نبغيه الصافيْين الكريمْين القرآن والسنة ليكون العلم دليله وهاديه على طول الطريق من أول قدم إلى آخر قدم ينتهى إليه
ومن أفقه التراجم التى ذكرها الإمام البخارى - رحمه الله - في الصحيح ترجمة بعنوان"باب: العلم قبل القول والعمل" (216)
لقول الله جل وعلا: )فاعلم أنه لا إله إلا الله واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات والله يعلم متقلبكم ومثواكم (( 217)
فلقد أمر الله تعالى نبيه eفى هذه الآية الكريمة بأمرين ، فبدأ بالعلم فقال تعالى: )فاعلم أنه لا إله إلا الله ( ثم أعقبه بالأمر الثانى وهو العمل فقال تعالى: ) واستغفر لذنبك(
فدل ذلك على أن مرتبة العلم مقدمة على مرتبة العمل"وأن العلم شرط في صحة القول والعمل فلا يعُتبران إلا به ، فهو متقدم عليهما ، لأنه مصححُ للنية المصححة للعمل" (218)
والعلم الممدوح الذى دل عليه الكتاب والسنة هو العلم الذى ورثَّه الأنبياء كما قال النبى e:"وإن الأنبياء لم يورثوا دينارًا ولا درهمًا إنما ورثوا العلم فمن أخذه أخذ بحظ وافر" (219)
وقد قسم شيخ الإسلام هذا العلم إلى ثلاثة أقسام:
القسم الأول: علم بالله وأسمائه وصفاته وما يتبع ذلك
القسم الثانى: علم بما أخبر الله به مما كان من الأمور الماضية وما يكون من الأمور المستقبلة وما هو كائن من الأمور الحاضرة
القسم الثالث: العلم بما أمر الله به من العلوم المتعلقة بالقلوب والجوارح من الإيمان بالله من معارف القلوب وأحوالها وأقوال الجوارح وأعمالها، وهذا يندرج فيه العلم بالأقوال والأفعال الظاهرة ، ويندرج فيه ما وجد في كتب الفقهاء من العلم بأحكام الأفعال الظاهرة ، فإن ذلك جزء من جزءٍ من علم الدين" (220) "
والسؤال الهام الذى يثور هنا هو: ما هى أهم الأسباب والطرق الموصلة لتحصيل العلم الشرعى ؟
والجواب في عُجالة سريعة:
أولًا: أن يلجأ الداعية الصادق وطالب العلم المخلص إلى الله جل وعلا وهو الذى علم داود وفهم سليمان أن يعلمه وأن يفهمه ، ولن يعرف قدر هذا الدعاء وفضل هذه الاستعانة إلا من وجد بردها وذاق فضلها وبالله إن فضلها لعظيم !! ولقد كان النبى نفسه يلجأ إلى الله تعالى مستعينًا به سبحانه أن يعلمه وأن ينفعه بما علمه فيقول:"اللهم انفعنى بما علمتنى وعلمنى ما ينفعنى وزدنى علمًا" (221)
ثانيًا: بذل أقصى ما يمكن من جهد ووقت ومال لطلب العلم والصبر على ذلك، والحرص على أخذ العلم من أهله المتحققين به ، وقديمًا قالوا: لقد كان العلم في صدور الرجال ثم انتقل إلى بطون الكتب وصارت مفاتحه بأيدى الرجال ولما سُئل أحدهم ، ما السبب الذى ينال به العلم ؟ فقال: بالحرص عليه يتبع وبالحب له يستمع وبالفراغ له يجتمع
ورحم الله الشافعى حيث قال (222) :
أخى لن تنال العلم إلا بستة سأنبئك عن تفصيلها ببيان
ذكاءُ وحرصُ واجتهادُ وبلغةُ وصحبة أستاذ وطول زمان
يقول الإمام الشاطبُى - رحمه الله تعالى -:
"وإذا ثبت أنه لابد من أخذ العلم عن أهله المتحققين به فلذلك طريقان:"
الأول: المشافهة وهى أنفع الطريقين وأسلمها لوجهين
الوجه الأول:
خاصية جعلها الله تعالى بين المعلم والمتعلم ، يشهدها كل من زاول العلم والعلماء، فكم من مسألة يقرؤها المتعلم في كتاب ، ويحفظها ويرددها على قلبه فلا يفهمها فإذا ألقاها عليه المعلم فهمها بغتة وحصل له العلم بها ، وهذا الفهم يحصل إما بأمر عادى من قرائن الأحوال وإيضاح موضوع إشكال لم يخطر للمتعلم ببال ، وقد يحصل بأمر غير معتاد ، ولكن بأمر يهبه الله للمتعلم عند مثوله بين يدى المعلم ظاهر الفقر بادى الحاجة إلى ما يُلقى إليه ، إذ يفتح للمتعلم بين أيديهم - أى العلماء - ما لا يفتح له دونهم
الطريق الثانى: لأخذ العلم:
مطالعة كتب المصنفين ومدونى الدواوين وهو أيضًا نافع في بابه بشرطين - ومازال الكلام للشاطبى:
الأول:
أن يحصل له - أى لطالب العلم - من فهم مقاصد ذلك العلم المطلوب ومعرفة اصطلاحات أهله ما يتم به النظر في الكتب
والشرط الثانى:
أن يتحرى كتب المتقدمين من أهل العلم المراد فإنهم أقعد به من غيرهم من المتأخرين ، فالمتأخر لا يبلغ من الرسوخ في علم ما بلغه المتقدم ، فتحقق الصحابة y بعلوم الشريعة ليس كتحقق التابعين ، والتابعون ليسوا كتابعيهم وهكذا إلى الآن، ومن طالع سيرهم وأقوالهم وحكاياتهم ، أبصر العجب في هذا المعنى وأما الخبر ففى الحديث"خير القرون قرنى ثم الذين يلونهم ، ثم الذين يلونهم" (223) وفى هذا إشارة إلى أن كل قرن مع ما بعده كذلك"اهـ (224) "