فهرس الكتاب

الصفحة 234 من 3028

قال مالك:"أهل السنة الذين ليس لهم لقب يُعرفون به ، لا جهمى ولا قَدِرىّ ولا رافضى" (204)

ويقول الإمام ابن القيم - رحمه الله تعالى - في علامات أهل العبودية

العلامة الثانية:

قوله:"ولم يُنسبوا إلى اسم"لم يشتهروا باسم يعرفون به عند الناس ، من الأسماء التى صارت أعلامًا لأهل الطريق

وأيضًا فإنهم لم يتقيدوا بعمل واحد يجرى عليهم اسمه فيعرفون به دون غيره من الأعمال ، فإن هذا آفة في العبودية ، وهى عبودية مقيدة ، وأما العبودية المطلقة فلا يعرف صاحبها باسم معين من معانى أسمائها فإنه مجيب لداعيها على اختلاف أنواعها ، فله مع كل أهل عبودية نصيب ، يضرب معهم بسهم ، فلا يتقيد برسم ، ولا إشارة ولا اسم، ولا بزى ، ولا طريق وضعى إصطلاحى ، بل إن سُئل عن شيخه ؟ قال: الرسولe وعن طريقه ؟ قال الاتباع وعن خْرقَته ؟ قال: لباس التقوى وعن مذهبه؟ قال: تحكيم السنة وعن مقصده ومطلبه ؟ قال: )يريدون وجهه (( 205) وعن رباطه وعن خانكاه ؟ قال: )فى بيوت أذن الله أن تُرفع ويذكر فيها اسمه يسبح له فيها بالغدو والأصال رجل لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة (( 206) وإن سُئل عن نسبه ؟ قال:

أبى الإسلامُ لا أبا لى سواه إذا افتخروا بقيس أو تميم (207) اهـ

وليس لهم طائفة أو جماعة يتعصبون إليها ، بل إن جماعتهم التى ينتمون إليها هى جماعة المسلمين"وجماعة المسلمين واحدة ، لا تتعدد فوق أى أرض ، وتحت أى سماء ليس لها رسم معين سوى النص الشرعى وموجبه فهى الدعوة إلى الله بيسرها وسهولة تبليغها كما كانت في الصدر الأول"

وعليه فإن أى فرقة أو حزب أو جماعة تعيش تحت مظلة الإسلام باسم معين أو رسم خاص ، فهى من جماعة المسلمين ، وتقترب وتبتعد من الصراط المستقيم الذى عليه جماعة المسلمين بقدر ما لديها من مناهج وخطط ، وتصورات يقرها الإسلام أو ينفيها

أما التى يكون انتسابها إلى الإسلام تلبيسًا وظلمًا كالبابية والبهائية والقاديانية والبريلوية فهذه فرق كافرة لا دخل لها تحت سرادق بحثنا" (208) "

ويقبلون الحق أيَّا كان قائُله ، ويرفضون ويردون الباطل أيًَّا كان قائله ، فهم لا يعرفون الحق بالرجال وإنما يعرفون الرجال بالحق ، فكل يؤخذ منه ويُرُّد عليه إلا المعصومe

هؤلاء - أحبتى في الله - هم دعاةُ أهل السنة والجماعة ومن اقتفى أثرهم وهذه سماتهم إلى قيام الساعة ولذا ماتوا وبقيت دعوتهم على فم الزمان وخلدت على صفحة الأيام ، فارقونا بأبدانهم ولم يفارقونا بعلمهم وهديهم نعم ، فهل نُسى البخارى - رحمه الله - كلا ولن يُنسى إلى قيام الساعة فلقد فارقنا بجسده وبقى صحيحه كالشمس للدنيا وكالعافية للناس وكذا فارقنا الإمام مسلم وبقى صحيحه ، وفارقنا مالك وبقى موطأه ، وفارقنا أبو حنيفة وبقى فقهه ، وفارقنا الشافعى وبقى الرسالة والأم ، وفارقنا أحمد وبقى مسنده ، وفارقنا ابن تيمية وبقى مجموعه المذهل ، وفارقنا الذهبى وبقى سير أعلام النبلاء ، وفارقنا النووى وبقى المجموع المدهش العجيب ، وفارقنا ابن كثير وبقى التفسير وفارقنا ابن الجوزى وبقى زاد المسير وفارقنا الشوكانى وبقى النيل العجيب ، وفارقنا ابن حجر وبقى الفتح ، وفارقنا السيوطى وبقى الدر المنثور ، وفارقنا ابن قدامة وبقى المغنى ، وفارقنا الشنقيطى وبقى أضواء البيان ، وفارقنا ابن القيم وبقى إعلام الموقعين وغيرهم كثير فإن الدعوة أبقى من الداعية ، وإن الدعاة والعلماء جميعًا إلى فناء والدعوة إلى بقاء والدعوة أبدًا أكبر من دعاتها وأبقى منهم ، لأن الدعاة يجيئون ويذهبون وتبقى الدعوة على مر الأجيال والقرون ومن ثم فينبغى للدعاة خاصة ولأبناء الحركة الإسلامية عامة أن يجعلوا ولاءهم لدعوة الله جل وعلا ، لا لشخص الداعية وهذا داء عضال !! يجب علينا جميعًا أن نتحرر منه لأنه كم توقفت دعوات أو تعطلت بسبب ارتباط أفرادها ارتباطًا مباشرًا بشخص الداعية لا بدعوته، فإذا مات هذا الداعية أو ترك مجال دعوته لسبب أو لآخر تصاب دعوته بالتوقف أو بالإعياء على أقل حال !!

ولخطورة هذا الأمر أراد الله جل وعلا أن يربى الصحابة y ويعلمهم هذا الدرس الهام في حياة النبى e ، ففى غزوة أحد تعرض النبى - بأبى هو وأمى - للموت ، وشجت رأسه ونزف دمه الشريف حتى صاح صائح في أرض المعركة قائلًا: إن محمد - e- قد قتل وهنا أحس بعض المسلمين أن أمر هذا الدين قد انتهى وأنه لا جدوى ولا فائدة إذن من قتال المشركين فنزل قول الله جل وعلا:

)وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئًا وسيجزى الله الشاكرين (( 209)

نعم"إن محمدًا - e - ليس إلا رسولًا سبقته الرسل ، وقد مات الرسل ومحمد - e - سيموت كما مات الرسل قبله هذه حقيقة أولية بسيطة فما بالكم غفلتكم عنها حينما واجهتكم في المعركة ؟! إن محمدًا رسول من عند الله ، جاء ليبلغ كلمة الله ، والله باق لا يموت وكلمته باقية لا تموت وما ينبغى أن يرتد المؤمنون على أعقابهم إذا مات النبى الذى جاء ليبلغهم هذه الكلمة أو قتل وهذه كذلك حقيقة أولية بسيطة غفلوا عنها في زحمة الهول وما ينبغى للمؤمنين أن يغفلوا عن هذه الحقيقة الأولية البسيطة ! وكأنما أراد الله سبحانه ، بهذه الحادثة وبهذه الآية ، أن يفطم المسلمين عن تعلقهم الشديد بشخص النبى e وهى حىُ بينهم وأن يصلهم مباشرة بالنبع النبع الذى لم يفجره محمد e، ولكن جاء فقط ليومىء إليه ويدعو البشر إلى فيضه المتدفق ، كما أومأ إليه من قبله الرسل ، ودعوا القافلة إلى الارتواء منه !"

وكأنما أراد الله - سبحانه - أن يأخذ بأيديهم ، فيصلها مباشرة بالعروة الوثقى العروة التى لم يعقدها محمد - e - إنما جاء ليعقد بها أيدى البشر ثم يدعهم عليها ويمضى وهم بها مستمسكون !

وكأنما أراد الله - سبحانه - أن يجعل ارتباط المسلمين بالإسلام مباشرة وأن يجعل عهدهم مع الله مباشرة وأن يجعل مسئوليتهم في هذا العهد أمام الله وبلا وسيط حتى يستشعروا تبعتهم المباشرة التى لا يخليهم منها أن يموت الرسول - e - أو يقتل فهم إنما بايعوا الله وهم أمام الله مسئولون!" (210) اهـ"

ووعى أصحاب النبى e هذا الدرس الكبير فحملوا الأمانة - من بعده - وكانوا أحق بها وأهلها ورفعوا راية التوحيد خفاقة عالية تعانق كواكب الجوزاء فهل سنعى الدرس نحن أبناء الحركة ؟

وننطلق بهذه الراية وهذا الحمل الثقيل مخلصين لله جل وعلا ، لا نبغى غيره ولا نرجو سواه ؟

حقًا إنه أول زاد يجب علينا أن نتزود به قبل أن نخطو على طريق الدعوة الطويل - إنه زاد التقوى والإخلاص - لمراقبة الله في الشر والعلن ولتكن أقوالنا وأعمالنا وجهودنا للدعوة خالصة لله جل وعلا

الخاطرة الثامنة

وزادنا الثاننى علم وفهم وعمل

والقاعدة تقول: من سلك طريقًا بغير دليل ضل ومن تمسك بغير الأصول زل!!

والدليل المنير في الظلماء والأصل العاصم من الأهواء إنما هو"العلم"

فهو الأنيس في الوحدة ، والصاحبُ في الغربة والمحدث في الخلوة والحاكم المفرق بين الشك واليقين والغى والرشاد والهدى والضلال

إنه زاد العقول من الجهل وحياة القلوب من الموت ، ومصباح الأبصار من الظلمة وقوة الأبدان من الخوف والضعف

به - بالعلم - يُعرف الله ويُعبد ويُذكر ويوُجد ويُحمد ويُمجد وبه اهتدى إليه المؤمنون وعرفه العِالُمون

لا يمنحه الله إلا للسعداء

ولا يُحرم منه إلا الأشقياء

ورحم الله من قال:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت