فهرس الكتاب

الصفحة 233 من 3028

وكانت التقوى وصية رسول الله e لجميع أمته كما في حديث العرباض بن سارية tوغيره (194)

ولم يزل السلف الصالح y يتواصَوْن بها وما أجمل ما أوصى به ابن السماك أخًا له قائلًا: أما بعد أوصيك بتقوى الله الذى هو نَجيُّك في سريرتك ورقيبك في علانيتك فاجعل الله من بالك على كل حالك في ليلك ونهارك ، وخف الله بقدر قربه منك وقدرته عليك وأعلم أنك بعينه ليس تخرج من سلطانه إلى سلطان غيره ولا من مُلكه إلى مُلك غيره فليعظم منه حذرك ، وليكثر منه وَجلُك ، والسلام

ورحم الله من قال:

إذا ما خلوت الدهر يومًا فلا تقل خلوت ولكن قل علىَّ رقيب

ولا تحسبن الله يغفل ساعة ولا أن ما يخفى عليه يغيبُ

فإن جاذبتنا بعض أشواك الطريق ، ووقع منا تفريط في التقوى ، فتركنا مأمورًا وفعلنا محظورًا - وهذا واقع - فلابد أن تسرع بالتوبة وأن نمحوا السيئة بالحسنة كما قال الله عز وجل: )وأقم الصلاة طرفى النهار وزُلفًا من الليل إن الحسنات يُذهبن السيئات ذلك ذكرى للذاكرين (( 195)

بل ولقد وصف الله المتقين في القرآن الكريم وأخبرنا أن من صفاتهم أنهم إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم بمعصية من المعاصى الكبيرة أو الصغيرة ، تذكروا الله عقب وقوعها فاستغفروه وتابوا إليه في الحال من غير إصرار ولا استكبار فقال سبحانه وتعالى: )وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السموات والأرض أعدت للمتقين الذين ينفقون في السراء والضراء والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفر الذنوب إلا الله ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون أولئك جزاؤهم مغفرة من ربهم وجنات تجرى من تحتها الأنهار خالدين فيها ونعم أجر العاملين (( 196)

ولذا كانت وصية النبى e لمعاذ بن جبل tبعد التقوى أن يمحو السيئة بالحسنة إن وقعت السيئة كما في الحديث

"اتق الله حيثما كنت ، وأتبع السيئة الحسنة تمحُها وخالق الله بخلق حسن" (197)

ومن زاد التقوى إلى زاد الإخلاص فإن الإخلاص هو سر قبول الأعمال ومفتاح القلوب للداعية

وقد يكون عملُ الداعية جليلًا عظيمًا كبيرًا في أعين الناس وهو عند الله جل وعلا حقير لا وزن له وله قيمة لأن صاحبه ما ابتغى به وجه الله تعالى

وكذلك قد يكون عمل الداعية صغيرًا حقيرًا في أعين الناس وهو عند الله عظيم لأن صاحبه ابتغى بعمله وجه الله جل وعلا

والنبى e يقول:"إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى" (198)

فليس هناك على النفس شئ أشق من الإخلاص لأن الإخلاص هو تصفية العمل بصالح النية عن جميع شوائب الشرك ولا يدخل هنا العمل الطاهر - فقط - بل وأعمال القلوب أيضًا

والله جل وعلا لا يقبل من الأعمال إلا ما كان له خالصًا ، ففى الحديث القدسى الجليل ، عن أبى هريرة tعن النبى e قال: قال الله تعالى:"أنا أغنى الشركاء عن الشرك فمن عمل عملًا أشرك فيه معى غيرى تركته وشركه" (199)

ولفظ ابن ماجه:"فأنا منه برئ وهو للذى أشرك"وفى حديث أبى هريرة الطويل أن النبى e قال:"إن أول الناس يُقضى يوم القيامة عليه رجلُ استشهدُ فأتى به فعرَّفه نِعَمَهُ ، فعرفها قال: فما عملت فيها ؟ قال: قاتلت فيك حتى استشُهدت قال: كذبت ولكنك قاتلت ، لأن يُقال: جرئ فقد قيل ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقى في النار ، ورجل تعلم العلم وعلمه ، وقرأ القرآن فأتى به فعرفه نعمه فعرفها قال: فما عملت فيها، قال: تعلمت العلم وعلمته وقرأت فيك القرآن قال: كذبت ، ولكنك تعلمت العلم ، ليقُال: عالمُ ، وقرأتَ القرآن ليقال: هو قارئ فقد قيل ، ثم أمر به فَسُحِب على وجهه حتى ألقى في النار ، ورجل وسع الله عليه وأعطاه من أصناف المال كله فأتى به فعرفه نعمه فعرفها، قال: فما عملت فيها ؟ قال: ما تركت من سبيل تحب أن يُنفق فيها إلا أنفقت فيها لك ، قال: كذبت ولكنك فعلت ليقال: هو جواد ، فقد قيل ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقى في النار" (200)

والله إنه لحديث يخلع القلب شهيد وعالم وقارئ للقرآن ومنفق سخى هم أول من تُسعر بهم النار يوم القيامة ؟!! نعم لأن أعمالهم لم تكن خالصة لله جل وعلا ، وفى الحديث عن أبى أمامة tقال:"جاء رجل إلى رسول الله e فقال: أرأيت رجلًا عزا يلتمس الأجر والذكر ما له ؟ فقال رسول الله e:"لا شئ له"فأعادها ثلاث مرات ويقول رسول الله:"لا شئ له"ثم قال:"إن الله لا يقبل من العمل إلا ما كان له خالصًا وابتغى به وجهه" (201) "

يقول صاحب"الإحياء": فقد ظهر بالأدلة والعيان أنه لا وصول إلى السعادة إلا بالعلم والعبادة ، فالعمل بغير نية عناء ، والنية بغير إخلاص رياء ، وهو للنفاق كفاء ومع العصيان سواء ، والإخلاص من غير صدق وتحقيقٍ هباء وقد قال الله تعالى في كل عمل كان غيره )وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباءً منثورًا (( 202)

ألم أقل لكم إن أشق شئ على النفس الإخلاص !! فيجب علينا جميعًا أن نحسن النية وأن نخلص الطوية وأن نقف وقفة صدقٍ مع أنفسنا لنحاسبها ونسألها ، عن كل حركة وسكنة على طول طريق الدعوة وهذه أسئلة أربعة تحتاج منا جوابًا ، بصدق وإخلاص

1.لماذا ندعو ؟

2.ولمن ندعو ؟

3.وعلى أى رابطة نوالى ونعادى ؟

4.وعلى أى شئ نحب ونبغض ونَقُرِّب ونُبْعد ؟

هل ندعو لله جل وعلا ورسوله e؟

أم ندعو لجماعتنا وأنها وحدها هى التى على الحق وما عداها من الجماعات التى تعمل على الساحة كلها على الباطل - وليس هذا محض افتراء - وإنما قرأته بعينى في أحدى الكتب !!

أم ندعو لقومية أو عصبية أو حزبية أو مذهبية أم ندعو لكرسى زائل ولمنصب فانٍ؟!

هل نوالى من والى الله ورسوله والمؤمنين كائنًا من كان من أى جنسية كان ومن أى بلد كان ومن أى جماعة كان ونعادى من عادى الله ورسوله والمؤمنين من أى جنسية كان ومن أى بلد كان ومن أى جماعة كان ؟!

أم أننا رسمنا رسومًا وسمينًا أسماءً ونصبنا أشخاصًا نوالى من والاها ونعادى من عاداها !!

هل نحب في الله ونبغض في الله ونقرب في الله ونبعد في الله ؟!

أم أننا نحب ونقرب من كان من أعضاء جماعتنا ومن كان على منهجنا وخطنا ونبغض ونبعد من لم ينضو تحت لوائها ولم يعط"البيعة !!!"لأميرها حتى ولو كان موحدًا لله جل وعلا مجتهدًا لدين الله متحركًا لدعوة الناس إلى الحق والهدى على منهج سلف الأمة !!

أسئلة هامة تحتاج إلى جواب تحتاج إلى صدق مع الله إلى صدق مع النفس تحتاج إلى قلب تقى نقى وإلى عقل واعٍ سليم تحتاج إلى تجرد وإخلاص

إن الدعاة من أهل السنة والجماعة الذين درجوا على منهاج النبوة وسلكوا طريق سلف الأمة

ليس لهم إمام أو قائد ينتمون إليه ويأتمون بأمره كله وينتهون بنهيه كله إلا النبى e قال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله تعالى -:

"وليس لأحد أن ينصب للأمة شخصًا يدعو إلى طريقته ويوالى ويعادى عليها غير النبى e ولا ينصب لهم كلامًا يوالى عليه ويعادى غير كلام الله ورسوله وما اجتمعت عليه الأمة ، بل هذا من فعل أهل البدع الذين ينصبون لهم شخصًا أو كلامًا يفرقون به بين الأمة ، يوالون به على ذلك الكلام أو تلك النسبة ويعادون" (203)

وليس لهم رسم ولا منهج سوى منهاج النبوة متمثلًا في القرآن والسنة بفهم السلف الصالح

ولما جاء رجل إلى الإمام مالك - رحمه الله تعالى - فقال: يا أبا عبد الله ، أسألك عن مسألة أجعلك حجة فيما بينى وبين الله عز وجل

قال مالك:"ما شاء الله لا قوة إلا بالله، سَلْ"

قال: مَنْ أهل السنة ؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت