فهرس الكتاب

الصفحة 236 من 3028

وأود أن أوضح أنه ليس معنى ذلك أن نُعرض عن كل ما هو حديث من الكتب والمصنفات إعراضًا تامًا فمنها ما هو مفيدُ في بابه كثيرًا ، لما تمتاز به من تحقيق وتدقيق وتبويب وسهولة في العرض ، بل ومنها ما لا يمكن بحال أن يستغنى عنه الباحث وطلاب العلم فضلًا عن الدعاة والعلماء ككتب الحديث المحققة والمعاجم والفهارس وفتاوى المجامع الفقهية المعاصرة وغيرها ولا مانع من استشارة العلماء في هذا الجانب

ثالثًا: من أهم الأسباب والطرق الموصلة لتحصيل العلم الشرعى ترك الذنوب والمعاصى بتقوى الله عز وجل: )واتقوا الله ويعلمكم الله والله بكل شئ عليم (( 225)

ولهذا كان عبد الله بن مسعود tيقول:"إنى لأحسب أن الرجل ينسى العلم قد عَلِمَه بالذنب يعمله" (226)

ولما جلس الشافعى بين يدى مالك - رحمهما الله - وأعجب مالك بذكاء الشافعى وحفظه قال له يا شافعى:"إنى أرى الله قد جعل في قلبك نورا فلا تطفئه بظلمة المعصية (227) "

وقال الإمام الشافعى رحمه الله تعالى:

شكوت إلى وكيع (228) سوء حفظى فأرشدنى إلى ترك المعاصى

وأخبرنى بأن علم الله نور ونور الله لا يُهدى لعاصى (229)

وإن زلَّ الداعية أو طالب العلم فعليه أن يحدث توبة فالكمال لله وحده والعصمة لأنبيائه ورسله صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين

رابعًا: عدم الكبر والحياء

فالحياء يمنع من السئوال والتفقه في الدين وهذا مذموم في هذه الحالة - لأن الحياء خيرُ كله - ولهذا قالت عائشة رضى الله عنها:"نعم النساء نساء الأنصار لم يمنعهن الحياء أن يتفقهن في الدين" (230)

وقال مجاهد:"لا يتعلم العلم مستحى ولا مستكبر" (231) والكبر داء عضال ينخر في جسم الحركة ويعرض مسيرها لكثير من الأخطار فلو لم يتكبر كل فرد من أفرادها ينقصه العلم وتعوزه المعرفة أن يذهب إلى العلماء وأن يزاحم مجالسهم لما رأينا مثل هذه الخلافات الحادة التى لا يمكن بحال أن نغض الطرف عنها أو نتجاهلها ورحم الله الغزالى الإمام حيث يقول:"لو سكت من لا يعلم لسقط الخلاف"

خامسًا: وقطب الرَّحى بين هذه الأسباب ، وبوصلة الخير التى ستحدد المسار وتوضح الاتجاه لهذه الطرق هى"الإخلاص"وهذا هو باب السعادة وسر القبول أن يكون طلبك خالصًا لله جل وعلا وفى حديث كعب بن مالك الأنصارى tقال: سمعت رسول الله يقول:"من طلب العلم ليجارى به العلماء أو ليمارى به السفهاء أو ليصرف وجوه الناس إليه فهو في النار" (232)

وبعد فإذا وُفِق الداعية لتحصيل هذا الزاد الكريم فليتريث قليلًا ليحمل معه زادًا آخر لا غنى لزاد العلم عنه بحالٍ من الأحوال ألا وهو"الفهم"

فإن من أخطر التحديات التى تواجه الحركة الإسلامية المعاصرة هو التعامل الخاطئ من بعض أفرادها مع النصوص العامة أو الخاصة وذلك بسوء فهمها ومن ثمَّ بالاستشهاد بها في غير محلها أو بوضعها في غير موضعها أو بدون فهم المناطات العامة والخاصة التى لابد منها للربط الصحيح السليم بين دلالات النصوص وحركة الواقع

وللخروج من هذا المأزق الحرج فلابد من العودة إلى سلف الأمة وعلمائها الثقات لفهم نصوص الكتاب والسنة فهذا هو المنهج المنضبط للفهم الصحيح

فكل خير في اتباع من سلف وكل شر في ابتداع من خلف

فطلب العلم - أيها الأحبة - بدون فهم دقيق ووعى عميق قد يضر ولا ينفع ، بل وقد يعرض الحركة لأضرار خطيرة وسقطات كبيرة وزلات كثيرة بل إن سوء الفهم عن الله ورسوله أصلُ كل بدعة وضلالة نشأت في الإسلام قديمًا وحديثًا وهو أصل كل خطأ وخلاف في الأصول والفروع

ولذا يقول الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى:

"وهل أوقع القدرية والمرجئة والخوارج والمعتزلة والجهمية والروافض وسائر طوائف أهل البدع إلا سوء الفهم عن الله ورسوله"

ومن ثم نرى الإمام البخارى - رحمه الله تعالى - يبوب بابًا عجيبًا في صحيحه بعنوان"باب الفهم في العلم"يقول الحافظ ابن حجر - رحمه الله تعالى - والفهم فطنة يفهم بها صاحبها من الكلام ما يقترن به من قول أو فعل" (233) "

وفى الحديث الصحيح من حديث معاوية بن أبى سفيان tقال: سمعت النبى e يقول:"من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين" (234)

ويقول الحافظ ابن حجر:"يفقهه"أى يفهمه ، ومفهوم الحديث أن من لم يتفقه في الدين أى يتعلم قواعد الإسلام وما يتصل بها من الفروع فقد حرم الخير" (235) "

ولاشك أن الناس يتفاوتون في هذا الباب تفاوتًا عظيمًا )ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم( لاسيما إذا علمنا أن دلالة النصوص نوعان:

وهذا ما يقرره العلامة الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى:

"فيقول: دلالة النصوص نوعان: حقيقية وإضافية"

فالحقيقية تابعة لقصد المتكلم وإرادته وهذه الدلالة لا تختلف

والإضافية تابعة السامع وإدراكه وجودة فكره وقريحته وصفاء ذهنه ومعرفته بالألفاظ ومراتبها وهذه الدلالة تختلف اختلافًا متباينًا بحسب تباين السامعين في ذلك" (236) "

ثم ذكر ابن القيم عدة أمثلة لهذا الفهم الدقيق والوعى العميق للنصوص ، نذكر منها هنا بعضها فيقول:"وقد قال عمر بن الخطاب - t- للصحابة ما تقولون في: )إذا جاء نصر الله والفتح( أول سورة النصر"فقالوا: أمر الله نبيه إذا فتح عليه أن يستغفره ، فقال عمرُ لابن عباس ما تقول أنت؟ فقال ابن عباس: هو أجل رسول الله e أعلمه إياه فقال عمر: ما أعلم منها غير ما تعلم يقول: ابن القيم: وهذا من أدق الفهم وألطفه ، ولا يدركه كل أحد

ومنه ما فهمه ابن عباس أيضًا tمن قوله تعالى: )وحمله وفصاله ثلاثون شهرًا (( 237) مع قوله تعالى: )والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين (( 238) فهم منهما ابن عباس أن المرأة قد تلد لستة أشهر ، ولم يفهمه عثمان tفهم برجم امرأة ولدت لستة أشهر ، حتى ذكره ابن عباس فأقرَّ به

ولم يفهم عمرُ بن الخطاب من قوله e:"أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فإذا قالوها عصموا منى دماءهم وأموالهم إلا بحقها"قتال مانعى الزكاة حتى بين له الصديق tفأقرَّ به عمر t": اهـ (239) "

والأمثلة في هذا الباب كثيرة جدًا والشاهد أننا بحاجة ماسة إلى عدم التعجل وإلى فهم دقيق ووعى عميق للنصوص التى نتعامل معها حتى لا نخطأ ولا نضر دعوتنا من حيث لا نشعر فإن الإخلاص وحده لا يكفى في مثل هذه الدروب

وبعد فهم العلم وجب علينا حينئذٍ أن نتوج هذين الزادْين العظيمين بزاد"العمل"فإننا في أمس الحاجة في هذه الفترة إلى دعاة أتقياء أصفياء يحولون الإسلام إلى واقع ملموس وإلى مجتمع يتحرك لاسيما إذا علمنا أنه أصبح يحكم - في زماننا هذا - على الإسلام من خلال واقع المسلمين المر وسلوك بعضهم المنحرف !!

فلا يكفى أبدًا - يا أبناء - الصحوة - أن نشهد للإسلام شهادة قولية - فقط - بل يجب أن نشهد له شهادة عملية كما شهدنا له شهادة قولية ، لأن التناقض بين القول والعمل يزرع بذور النفاق في القلوب والعياذ بالله )يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون كبر مقتًا عند الله أن تقولوا مالا تفعلون (( 240)

نعم فِعلْمُ وفَهْمُ لا يدفع صاحبه إلى العمل والقرب من الله جل وعلا والبعد عن معصيته فلا خير فيه ولا بركة بل قد يكون وَبَالًا وحُجَّة على صاحبه فالعلم لا قيمة له بدون العمل

وكان عبد الله بن مسعود tيقول:"تعلموا تعلموا فإذا علمتم فاعملوا" (241)

وقال أبو الدرداء t:"لا تكون تقيًا حتى تكون عالمًا ولا تكون بالعلم جميلًا حتى تكون به عاملا" (242)

ورحم الله من قال:

إذا العلم لم تعمل به كان حجةً عليك ولم تعذر بما أنت جاهله

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت