فهرس الكتاب

الصفحة 2345 من 3028

وهذا يعلل لنا عطف حكومات الاحتلال الغربية على كل مشاريع الحكومات الوطنية ـ في الشرق الإسلامي والعربي منه خاصة التي من شأنها تقوية الشعوبية فيها، وتعميق الخطوط التي تفرق بين هذه الأوطان الجديدة، مثل الاهتمام بتدريس التاريخ القديم السابق على الإسلام لتلاميذ الدارس وأخذهم بتقديسه، والاستعانة على ذلك بالأناشيد، ومثل خلق أعياد محلية غير الأعياد الدينية التي تلتقي فيها قلوب المسلمين بزي خاص ـ ولا سيما غطاء الرأس ـ مما يترتب عليه تمييز كل منها بطابع خاص، بعد أن كانت تشترك في كثير من مظاهره (1) . بين العروبة والإسلام وفضل العرب:

إذا كنا ننكر المبادئ العنصرية والقومية، فإنا نرحب باتحاد العرب وتعاونهم وتمتين أواصر القربى بينهم على أساس الإسلام فالعرب هم مادة الإسلام، بلسانهم نزل القرآن الكريم، ومنهم اصطفى الله عز وجل الرسول الذي بعثه إلى الناس كافة بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله. ولهذا فلا يمكن فصل العروبة عن الإسلام، أو فصل الإسلام عن العروبة، وليس عجبا أن يكون تفكير العربي الصادق في عروبته تفكيرا إسلاميا. ومن هنا كان بغض جنس العرب ومعاداتهم كفرا أو سببا للكفر، وهذا معناه أن العرب أفضل الأمم وأن محبتهم سبب قوة الإيمان كما يقول أبو العباس ابن تيمية (رحمه الله) مستدلا بحديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : (حب"أبي بكر وعمر"من الإيمان وبغضهما من الكفر، وحب العرب من الإيمان وبغضهم من الكفر) (2) . كما جاء في حديث آخر (فمن أحب العرب فبحبي أحبهم، ومن أبغض العرب فببغضي أبغضهم) . وقوله (صلى الله عليه وسلم) لسلمان الفارسي رضي الله عنه:

(يا سلمان لا تبغضني فتفارق دينك) . فقال سلمان يا رسول الله،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الاتجاهات الوطنية للدكتور محمد حسين.

(2) اقتضاء الصراط المستقيم ص (156) (القرب في محبة العرب) للحافظ العراقي.

صفحة 80

كيف أبغضك وبك هداني الله، فقال (صلى الله عليه وآله وسلم) (تبغض العرب فتبغضني) . ولكن لا يلزم من الاعتراف بفضل العرب أن يجعلوا عمادا يتكتل حوله ويوالي عليه ويعادي عليه وإنما ذلك من حق الإسلام الذي أعزهم الله به، وأحيا ذكرهم ورفع شأنهم، فهذا لون وهذا لون، ثم هذا الفضل الذي امتازوا به على غيرهم، وما من الله به عليهم من فصاحة اللسان ونزول القرآن الكريم بلغتهم وإرسال الرسول العام بلسانهم ليس مما يقدمهم عند الله في الآخرة ولا يوجب لهم النجاة إذا لم يؤمنوا كما يقول فضيلة الشيخ عبد العزيز بن باز (1) .

موقف الإسلام من الدعوة القومية:

إن مبادئ الإسلام ومبادئ الغرب متباينة كليا في باب القومية، فالذي يعتبره الغرب مصدر القوة هو مصدر الضعف والخذلان عند الأمة الإسلامية، كما يقول شاعر الإسلام محمد إقبال:

(لا تقس أمم الغرب على أمتك، فإن أمة الرسول الهاشمي(صلى الله عليه وآله وسلم) فريدة في تركيبها أولئك إنما يعتقدون باجتماعهم على الوطن والنسل، ولكن إنما يستحكم اجتماعك أيها المسلم بقوة الدين). لهذا كان من غير المعقول ولا من الممكن، كما يقول الأستاذ المودودي أن توجد في الأمة الإسلامية قوميات على أساس الألوان والأجناس واللغات والأوطان، كما لا يمكن أن توجد داخل دولة دول كثيرة مختلفة، ومن كان مسلما وأراد أن يبقى على إسلامه فلا بد له أن يبطل في نفسه الشعور بأي أساس غير أساس الإسلام، ويقطع العلاقات والروابط القائمة على أساس اللون والتراب وأخوف ما كان يخافه الرسول صلى الله عليه و آله على المسلمين أن تظهر فيهم العصبيات الجاهلية فتفرق كلمتهم فكان يقول لأصحابه دائما:

(لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض) . ولا يمكن بقاء الرابطة الإسلامية مع نشوء الشعور بالقومية العنصرية، ومن المغالطة الزعم بن إحداهما تساير الأخرى ولا تضرها،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) نقد القومية العربية ص (20) و (21) .

صفحة 81

فعندما بدأ المسلمون في هذا الزمان يتغنون بالعنصرية والوطنية في كل قطر من أقطارهم متأثرين بالأوربيين صار العربي يتغنى بعروبته، والمصري ينتسب إلى الفراعنة، والتركي يتيه إعجابا بتركيته ويحاول أن يصل نسبه بهولاكو وجنكيز، والفارسي يقول لشدة انفعاله بنعرته القومية أنه لم يكن من تأثير (الامبراطورية العربية) إلا أن صار علي والحسن والحسين رضي الله عنهم ـ أبطاله وإلا لكان رستم واسفندار وأنوشروان أحق أن يكونوا أبطاله القوميين في حقيقة الأمر وقد بدأ ينشأ في الهند مسلمون يفخرون بالانتساب إلى القومية الهندية، بل فيهم من يريدون أن ينقطعوا عن ماء زمزم ويتصلوا بماء نهر جنجا، وفيهم من تبعثهم أهواؤهم على اتخاذ (بهيم) و (أرجن) و (رام ها) أبطال الهندوس القدماء أبطالهم القوميين وليس هذا كله من هؤلاء السفهاء الراكبين رؤوسهم إلا لأنهم ما عرفوا ما يملكون من الحضارة وما يملكه الغرب وما تبينوا ما بينهما من الفرق الجذري، لأن عيونهم كليلة عن المبادئ والحقائق فلا ينظرون إلا إلى السطح، ويبهر عقولهم ما يجدونه بارزا عليه من الفقاقيع والألوان الظاهرة ولا يعلمون أن الشئ الذي هو ماء الحياة للقومية هو نفسه، السم الزعاف للرابطة الإسلامية (1) . إن بطلان الدعوة إلى القومية العربية أو غيرها من القوميات مما هو معلوم من رين الإسلام بالضرورة، لأنها منكر ظاهر وجاهلية نكراء وكيد سافر للاسلام وأهله، وذلك من وجوه أربعة:

أولا:

لأنها تفرق بين المسلمين وتفصل المسلم العجمي عن أخيه العربي بل تفرق بين العرب أنفسهم وتقسمهم أحزابا، فهي بذلك تخالف مقاصد الإسلام الذي يدعو إلى الاجتماع والوئام قال تعالى:

(واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا...) (آل عمران:103) .

ثانيا:

لأنها من أمر الجاهلية فهي تدعو إلى غير الإسلام، وكل ما خرج عن دعوة الإسلام والقرآن من نسب وبلد أو جنس أو مذهب أو طريقة فهو من عزاء الجاهلية، كما يقول الشيخ ابن تيمية"رحمه الله"مستشهدا بقوله (صلى الله عليه وآله وسلم) :

(أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم) والنصوص في ذلك كثيرة منها ما رواه مسلم أن النبي صلى

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) المودودي (بين الدعوة القومية والرابطة الإسلامية) ص 68. الله عليه و (آله) وسلم قال: (ليس منا من دعا إلى عصبية وليس منا من قاتل على عصبية، وليس منا من غضب لعصبية) . وقوله: (إن الله أوحى إلي أن تواضعوا حتى لا يبغي أحد على أحد، ولا يفخر أحد على أحد) . ولا ريب أن دعاة القومية يدعون إلى عصبية ويغضبون لعصبية، ويقاتلون على عصبية، ولا ريب أيضا أن الدعوة إلى القومية تدعو إلى البغي والفخر وإنما فكرة جاهلية تحمل أهلها على الفخر بها والتعصب لها.

صفحة 82

والإسلام بخلاف ذلك فهو يدعو إلى التواضع والتقوى والتحاب في الله وأن يكون المسلمون الصادقون من كل أجناس بني آدم حسدا واحدا وبناءا واحدا يشد بعضه بعضا ويألم بعضه لبعض وفي الحديث الصحيح:

(المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا، ويشبك بين أصابعه) و (مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى) . وفي حديث الحرث الأشعري أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت