"ومن قاتل تحت راية عمية يغضب لعصبية أو يدعو إلى عصبية أو ينصر عصبية فقتل فقتلته جاهلية". وكان من آخر وصاياه يوم حجة الوداع"كلكم لآدم وآدم من تراب لا فضل لعربي على عجمي، ولا لعجمي على عربي، ولا لأبيض على أسود، ولا لأسود على أبيض إلا بالتقوى"!! وعلى عهد الراشدين (رضوان الله عليهم) ضمت أرض الإسلام أكبر إمبراطوريتين على وجه الأرض الروم والفرس فما فضل عربي على عجمي لعروبته أو جنسه أو لونه إنما كان الفضل بعد التقوى للعمل الصالح والعمل الصالح وحده وعرفت علوم الإسلام في فروعها المختلفة فقهاء وعلماء من الأمصار ليس فيهم من العرب إلا النزر اليسير (1) .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) قال ابن أبي ليلى: قال لي عيسى بن موسى وكان ديانا شديد العصبية للعرب. من كان فقيه البصرة؟ قلت: الحسن بن الحسن قال ثم من؟ قلت محمد بن سيرين قال: فما هما قلت موليان قال: فمن كان فقيه مكة؟ قلت عطاء بن رباح ومجاهد وسعيد بن جبير وسليمان بن بسلة قال فما هؤلاء؟ قلت موالي ـ قال: فمن كان فقهاء المدينة؟ قلت: زيد بن أسلم ومحمد بن المنكدر ونافع بن أبي نجيح قال فما هؤلاء؟ قلت موالي ـ فتغير لونه ثم قال:فمن كان أفقه أهل قباء؟ قلت: ربيعة الرأي وابن أبي الزناد ـ قال فما كانا قلت من الموالي فما زال يسأله عن فقهاء اليمن وخراسان والشام وهو يجيبه بأسماء من الموالي حتى بلغ فقهاء الكوفة فقال والله لولا خوفه لقلت الحكم بن عقبة وعمار بن أبي سليمان ولكن رأيت فيه الشر فقلت: إبراهيم النخعي والشعبي قال فما كانا قلت عربيان.
صفحة 76
وفي الحديث عرفت أوروبا فكرة القومية ثم صارت متخلفة عن العصر تشير إلى القرن الثامن عشر أو التاسع عشر وصارت دعواها بذلك دعوى رجعية لكن الأمة العربية ابتليت لها. عرفت:
ميشيل عفلق زعيما لحزب البعث العربي الاشتراكي. وأنطون سعادة زعيما للقوميين السوريين. وجورج حبش زعيما للقوميين العرب. وقسطنطين زريق أحد الزعماء الآخرين (1) ! وهكذا لم تعرف القومية العربية زعيما ممن يحمل أسماء المسلمين إلا واحدا لا يزال عمله في ذمة التاريخ (2) . وعرض الكاتبون في القوميات لما تقوم عليه القوميات من أسس ليكشفوا عن عدم صلاحيتها فعرضوا لنظرية العرق التي قامت عليها القومية الألمانية وما يزعمون عن العرق الآري الممتاز ليكشفوا عن أن الألمان ليسوا شعبا خالصا بل خالط غيره. وكذلك الشعب العربي خالط الروم والفرس والأتراك وفي كتاب كفاحي لهتلر جعل الأمة العربية في الدرجة 13! وعلى نفس المنوال عنصر اللغة. فسويسرا تضم 3 لغات. والقارة الهندية تضم 300 لغة. وكذا سائر عناصر القومية من تاريخ وأرض ومصالح مشتركة ليس
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) بشير معرب كتاب لعبة الأمم إلى أن: أكثر من تسعين بالمائة من قادة حركة القومية العربية الأقحاح هم من خريجي الجامعة الامريكية في بيروت، ولا تزال هذه الجامعة (وكانت تسمى سابقا الكلية الانكليزية السورية) ناشطة في تقديم مثل هذه الخدمات لدول منطقة الشرق الأوسط ويشير نفس المؤلف لي أسماء زعماء القومية وكلهم من المسيحيين!
(2) أنظر كتاب في الزنزانة للدكتور جريشة بعض هذه الأعمال.
صفحة 77
فيها عنصر خالص تقوم عليه القومية. هذا كله بالبحث العلمي الهادئ. فإذا أضفنا إلى ذلك ما لابس إثارة القوميات من أحداث تاريخية لبان ما قدمنا له من أن القومية أحد العناصر التي استخدمها أعداء الإسلام لإبعاد الأمة عن دينها. إثارة القومية الطورانية في تركيا اقترنت بتمزيق تركيا وإبعادها عن الإسلام وإثارة القومية العربية في البلاد العربية اقترنت بتمزيق دولة الخلافة ومؤامرات لورانس ومكماهون قصدا إلى القضاء على الجسد الإسلامي الذي أسموه يومئذ بالرجل المريض!! حتى الجامعة العربية كانت كما يعرف كل من عاصر أحداث العصر من صناعة وزير خارجية الانجليز! لتكون بديلا عن الجامعة الإسلامية وفي كتابات حديثة لكتاب غربيين أشاروا إلى أن القومية العربية التي رفع رايتها في مصر زعيم كبير كانت بديلا هاما عن الشعار الإسلامي الذي كان يهدد بثورة في المنطقة فكان الانقلاب العسكري إمتصاصا لمشاعر الأمة المتوثبة للاسلام (1) ! نتائج الدعوة القومية:
وهكذا فإن تيار الفكرة القومية كانت مهمته أقصاء الإسلام وتفريغ القضية السياسية والاجتماعية بوجه عام من المحتوى الإسلامي، وإحلال فلسفة أخرى وعقيدة أخرى محل عقيدته، واستبدال رابطة أخرى برابطته لعزل الشعوب الإسلامية بعضها عن بعض عزلا نهائيا بحيث تكون صلة بعضها ببعض كصلتها بأي شعب من الشعوب الأخرى التي تدين بالوثنية أو الماركسية أو غيرها، والتي لم تكن تربطها بها أي رابطة، وبذلك تنقطع الصلات بين الشعوب الإسلامية، وتضعف روابط الثقافة المشتركة ولغة القرآن، والقيم الخلقية، ويقضى على الأخوة الإسلامية. فما دام باب القومية قد فتح على المسلمين فقد كان طبيعيا أن تنتهي إلى ظهور القومية الكردية في العراق والبنغالية في باكستان، بعد أن أوصد الباب الذي يصل المسلمين بعضهم ببعض وهو الإسلام.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) لعبة الأمم لمايلز كوبلاند ـ ص 63 ـ 65.
صفحة 78
وقد شجعت الدول الأوروبية الكبرى على ظهور القومية العربية في صورتها العلمانية لتحقيق مطامعها في احتلال الشرق الإسلامي. وخاصة بريطانيا وفرنسا، يثول (لورانس) منفذ سياسة بريطانيا أثناء الحرب العالمية الأولى(وأخذت طول الطريق أفكر في سوريا وفي الحج، وأتساءل: هل تتغلب القومية ذات يوم على النزعة الدينية، وهل يغلب الاعتقاد الوطني الاعتقاد الديني؟ وبمعنى أصح:
هل تحل المثل العليا السياسية محل الوحي والإلهام، وتستبدل سوريا بمثلها الأعلى الديني مثلها الأعلى الوطني هذا ما كان يجول في خاطري طول الطريق) (1) . ومعلوم أن الثورة العربية على الأتراك قامت بتأييد بريطانيا ودعمها الأدبي والمادي، ودعم حليفتها فرنسا، وقد ثبت أن عددا من الزعماء كانوا متصلين بالقنصليات الأجنبية لتلقي هذا الدعم. وينبه (جب) الأوروبيين إلى أن العالم الإسلامي المترامي الأطراف يحيط بأوروبا إحاطة محكمة تعزلها عن العالم، ويشير إلى أن وحدة الحضارة الإسلامية تمحو من الأذهان حيثما حلت كل ما يتصل بالتاريخ القومي لتحل محله الاعتزاز بالتاريخ الإسلامي والتقاليد الإسلامية. وحيث يتحدث عن الحركات القومية التي أيدتها دعايات الحلفاء القومية أثناء الحرب العالمية الأولى ينبه إلى أن هذا النصر التي حققته الاتجاهات القومية في الشرق الإسلامي يجب أن لا يصرف الغرب عن الانتباه إلى تيار المعارضة الإسلامية الخفي، الذي يعارض في تفتيت الوحدة الإسلامية إلى قوميات علمانية، مبينا أن هذه المعارضة الإسلامية هي أشد قوة في البلاد العربية.
ويقول (جب) في صراحة تامة:
(وقد كان من أهم مظاهر فرنجة العالم الإسلامي تنمية الاهتمام ببعث الحضارات القديمة التي ازدهرت في البلاد المختلفة التي يشغلها المسلمون الآن. فمثل هذا الاهتمام موجود في تركيا ومصر وأندونيسيا والعراق وفارس، وقد تكون أهميته محصورة الآن في تقوية شعور العداء لأوروبا، ولكن من الممكن أن يلعب في المستقبل دورا مهما في تقوية الوطنية الشعوبية وتدعيم مقوماتها(2) .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) لورانس: أعمدة الحكم السبعة.
(2) في كتاب (وجهة الإسلام) .
صفحة 79