أن وسائل الإعلام المختلفة من صحافة، وإذاعة، وتليفزيون وسينما مسخرة اليوم لإشاعة الفاحشة، والاغراء بالجريمة، والسعي بالفساد في الأرض بما يترتب على ذلك من خلخلة للعقيدة، وتحطيم للأخلاق والقيم والمثل وهما (العقيدة والأخلاق) أساس لبناء الإسلام فإذا انهدم الأساس فكيف يقوم البناء؟؟. وتتفاوت درجات الفساد في وسائل الإعلام تبعا لهذه الوسائل فهي في السينما أشد يليها التليفزيون. والاذاعة. والصحافة. كذلك تتفاوت درجات الفساد بين أقطار الإسلام المختلفة. قد يقول قائل ولربما كان الفساد في بلاد لا تجاهر به أشد من بلاد أخرى تجاهر به، ففيها الزنى واللواط وأكل الربا وشرب الخمر وغير ذلك من المنكرات. ونقول ولقد يكون هذا صحيحا لا يمارى فيه عالم ولقد يكون علاجه واجبا ليس عن طريق الحدود وحدها، وإنما عن طريق التربية الصحيحة والعلاج الاجتماعي بوسائله المختلفة. بالقدوة والأخذ على يد المفسدين مهما كان مركزهم حتى لا تصير الحدود قصرا على الضعيف دون الشريف. ومع ذلك فلا يبرر ذلك أن تجهر بلاد بالفاحشة فإن في ذلك إشاعة لها أيما إشاعة، أو تتعالن بلاد بالمعصية فإن في ذلك إغراء بها أيما إغراء وهذا يساعد على سرعة الانتشار، ويهون الجريمة على من يتردد في اقترافها ولذا كانت الحدود ردعا لهذا الشر أن يسري أن يستشري.
صفحة 72
وليعلم الناس ما تفعله الصحافة في بلاد المسلمين نختار أربعة أمثلة من تواريخ مختلفة:
(أ) مقال نشر بجريدة السياسة الأسبوعية بالقاهرة سنة 1926 م ذكر فيه كاتب المقال أن بعض الفتيات التركيات يشبهن فتيات أوروبا وقد تلقى بعضهن العلم في الكلية الامريكية ـ بالقسطنطينية وذكرت واحدة منهن"إن المرأة التركية اليوم حرة، فلن نسير في الطرقات في ظلام، وأننا نعيش اليوم مثل نسائكم الانجليزيات نلبس أحدث الأزياء الأوروبية والامريكية، ونرقص، وندخن، ونسافر وننتقل بغير أزواجنا"ويعلق كاتب الجريدة ولا يسع كل محب لتركيا إلا أن يغبطها على هذه الخطوات.
(ب) في سنة 1386 ه (1966م) استضافت أسرة تحرير الأهرام فيلسوف الوجودية سارتر وعشقيته التي تعيش معه في الحرام (سيمون دي بوفوار) ويجهر بهذا الفجور والفساد. ويدعي الرجال ويدعي النساء ليروا هذه القدوة القبيحة السيئة وليسمعوا عنها السم الزعاف
(ج) ويبلغ الفجور في السبعينات أقصى مداه حين تنشر جريدة الأهرام عن ضبط بيوت للدعارة فيها نساء من بيوتات لم يكن يسمع عنها من قبل سوء. وتنشر عن ضبط تلميذات صغيرات في هذه البيوت. ثم تهون هذه الجريمة تحت عناوين مثيرة. تلميذة في شقة مفروشة، إفتحوا أبواب الاختلاط في كل مراحل التعليم وأطلقوا الحرية للشباب تحت رقابة الأسرة والمدرسة ولا تهمنا البنت التي تنحرف من أجل فستان (1) .
(د) وفي أحد أعداد مجلة النهضة الكويتية سنة 1976 م تحقيق صحفي في سبع صفحات كبيرة مطرزة بصور مثيرة لفتيات شبه عاريات وتحت عناوين بارزة كتب بالخط العريض:
حصاد المعاكسات في أسواق الكويت ـ مغازلات معاكسات همسات نظرات إشارات أرقام تليفونات سألت إحدى الصحفيات بعض فتيات الكويت اللاتي
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) جريدة الأهرام 13 \ 3 \ 1976 م
صفحة 73
أدلين بأسمائهن كاملة وقصصن ما يحدث لهن من تحرشات بأسلوب مكشوف حتى أن إحداهن لم تستحي أن تصرح أن بائع الأحذية في كل مرة يقيس لها حذاء أو يخلعه يتحسس ساقيها كما أن بائع الملابس يمسك خصرها بكلتا يديه وتحكي أخرى (..) أن الملابس تكشف كل شئ (لأنها شفافة) وخاصة عند طلوع الدرج داخل المحل لأن الأضواء توضع على الدرج فتكشف كل شئ في جسمها. هذا بالإضافة إلى زجاجة العطر التي سكبتها على صدرها إلى جانب المكياج الصارخ الذي تزين به وجهها، ولا أدري لماذا تحرص على مداراته بطرف العباءة (الشفافة) بعد كل هذه الزينة التي وضعتها عليه. ولا ندري ماذا يستفيده القارئ المسلم من مثل هذه التحقيقات إلا تزيين الانحلال والتهوين من أمره وتعليم من يتعلم. ونختم القول بالتنويه بما أوصى به المؤتمر العالمي لتوجيه الدعوة وإعداد الدعاة المنعقد في عام 1397 ه1977 م بمدينة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم منددا بحال الإعلام في البلاد الإسلامية:
"ويندد المؤتمر بالهوة السحيقة التي تردى فيها إعلامنا ولا يزال يتردى، عن علم من القائمين به أو عليه أو عن جهل منهم، فبدلا من أن يكون الإعلام في البلاد الإسلامية منبر دعوة للخير، ومنار إشعاع للحق صار صوت إفساد وسوط عذاب وسكت القادة فأقروا بسكوتهم أو جاوزوا ذلك فشجعوا وحموا وزلزل الناس في إيمانهم وقيمهم ومثلهم ولم يعد الأمر يحتمل السكوت من الدعاة إلى الحق".
ثالثا:
ـ العلمانية في القانون:
"حد يعمل به في الأرض خير لأهل الأرض من أن يمطروا أربعين صباحا"هذا مثل لأهمية الجانب القانوني في الإسلام. وكما تكون طاعة الله في الشعائر لا بد أن تكون كذلك في الشرائع. وكما بكون إشراك بالله في الشعائر، يكون كذلك إشراك بالله في الشرائع. هذه كتلك لأن كلا من عند الله. والرهب لازم كالرغب في إقامة شريعة الله. والرهبة تولدها السلطة.
صفحة 74
والرغبة تولدها القدوة. والاثنان يتحققان إذا كان الحكم للاسلام، وكان حكامه من المسلمين من أجل ذلك كله كان حرص أعداء الإسلام على إبعاده عن مجال السلطة ليحرموا الإسلام الرهبة والرغبة. ومن ثم ليبقى مجرد هيكل أقرب إلى الموت منه إلى الحياة ولقد وضح ذلك مما فعلوه في العالم الإسلامي. ولنأخذ مثلا تركيا:
حين فكروا في إبعادها عن الإسلام بذلوا جهودهم"لعلمنة"القانون وتدرجوا ففي كل عشر سنوات يتم علمنة جانب من جوانب القانون منذ سنة 1256 ه (1840م) ثم صارت كل حوالي عشرين سنة حتى تمت أكبر علمنة بإعلان إلغاء الخلافة سنة 1343 ه (1924 م) . وفي مصر:
اقترنت"علمنة"القانون بالإحتلال الأجنبي فكانت أول علمنة سنة 1301 ه (1883 م) بعد الاحتلال بسنة واحدة واقترن إلغاء الامتيازات الأجنبية بشرط الأجانب الاستمداد من التشريع الغربي بعيدا عن الشريعة الإسلامية ثم اقترن إلغاء النص على أن دين الدولة هو الإسلام في دستور مصر المؤقت سنة 1958 م ثم في ميثاق العمل الوطني سنة 1962 اقترن بأحداث داخلية يعرف عنها الكثير الكثير وأكثر الدول الإسلامية ـ بكل أسف ـ تمت فيها علمنة القانون. والدول التي لا تزال فيها بقايا تطبيق الشريعة تحيط بها المؤامرات من كل جانب لعلمنة القانون، ويجري التمهيد لهذه العلمنة بما يجري من"علمنة التعليم"وعلمنة الإعلام فيوجد جيل علماني يقدس القانون العلماني ويولد نتيجة الإعلام ـ رأي علماني يتقبل مثل هذه العلمنة. وهكذا عملت العلمانية من خلال التعليم، من خلال الإعلام من خلال القانون ولننظر كيف عملت"القومية في مواجهة الدين"
صفحة 75
ثانيا:
القومية على عهد الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) آخى بين المهاجرين والأنصار على أساس من آصرة الإسلام وليس على أساس أي آصرة أخرى آخى بين بلال بن رباح وخالد بن رويحة الخثمعي، وبين مولاه زيد وعمه الحمزة بن عبد المطلب، وبين خارجة بن زيد وأبي بكر الصديق، وبين عمار بن ياسر وحذيفة بن اليمان. ولما أراد أحد المسلمين أن يثيرها عصبية ونادى يا للأنصار فنادى الآخر ياللمهاجرين قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) غاضبا:
أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم! في حديثه (صلى الله عليه وآله وسلم) أكد ا لمعنى فقال: