فقد كان تمييع المناهج الإسلامية باسم التطوير وقد رأينا أن كرومر قد دعا إلى تطوير الأزهر. ورأينا خلفاء"كرومر"يقومون بالتطوير بعد خمسين سنة أو يزيد. ومع كرومر أو قبل كرومر نادت بذلك مؤتمرات التبشير. ولم يكن الأمر قاصرا على مناهج المعاهد والكليات الدينية إن الأمر امتد إلى مناهج"الدين في التعليم العام فاقتصرت على القشور واحتوت على التعقيد وصاحبها سوء اختيار معلم الدين الذي كثيرا ما يكون متعمدا ليورث في اللاشعور كراهية الدين والسخرية منه وأما السبيل الخامس والأخير فقد كان نشر الاختلاط بين الجنسين في مراحل التعليم وقد بدأوا بها في الجامعات في أكثر البلاد الإسلامية تحت دعوى التقدم والتمدين، ونشر الروح الجامعية، وكأن التمدين والتقدم ونشر الروح الجامعية لا يتم إلا بإشعال نار الغرائز وتأجيج سعار الشهوة في سن الشباب الملتهب. وقالوا في تبرير الاختلاط الكثير مما هو غير صحيح حتى في علمهم هم فقد قالوا إن الاختلاط يشذب الغريزة ويهذبها وأثبت العلم أن الاختلاط لا يخلو من أحد أمرين:"
إما أن يشيع"البرود الجنسي بين الجنسين"وهذا مرض تشكو منه بعض البلاد وفي مقدمتها الولايات المتحدة الامريكية. وإما أن يؤجج سعار الجنس ويزيد لهيبه وهو ما تؤكده تجربة القط والفأر اللذين أتيا بهما وهما رضيعان ثم وضعا في قفص صغير واحد، وظلا يأكلان سويا من طبق واحد، حتى إذا جاء موعد ظهور الغريزة، ولكل غريزة موعد انقض القط على الفأر فأكله ولم تشفع له عشرة طالت ولا اختلاط دام وتوسعوا في أمر الاختلاط فجعلوه في المرحلة الابتدائية وهي عند البعض قد تضم بعض سنوات المراهقة وجعلوه في المرحلة الثانوية وهو أخطر ما يكون وتزداد المهزلة حين يجعلون على هؤلاء المراهقين مدرسات لتمتد النيران ما بين التلاميذ والمدرسات فتنهدم قيمة احترام
صفحة 68
المدرس مع ما ينهدم من قيم بالاختلاط أو مع الاختلاط. وتأكيدا لهذا السبيل الآثم تحرص كثير من المؤلفات على التهوين من مقدمات الزنى التي لا بد أن تفضي إليه إلا من عصم ربي وقليل ماهم. ففي أحد كتب مؤسسة فرانكلين الامريكية التي تنشر في أحد البلاد الإسلامية يقول"فبدلا من فصل البنين عن البنات يجب أن تعمل على إشراكهم معا في الأعمال الممتعة ومواقف اللعب وإذا حدث استلطاف بين بعض البنين والبنات فينبغي النظر إليه على أنه نوع من الصداقة وليس غراما أو عشقا وعبثا تحاول المؤسسة الامريكية أن تخلف عن الحرام اسم الحرام. وأن تخلف عليه ثوب"البراءة"الكاذب. وفي مكان آخر ولنفس المؤسسة:"
"إن خروج الفتيات في صحبة الفتيان من الأمور الطبيعية التي يستطيع معظم الآباء تقبلها في الوقت المناسب على أي حال باعتبارها جانبا من جوانب النمو الجسمي للمراهق وفي مكان آخر:"
وفي كل علاقة بين فتى وفتاة يشعر كل منهما في بعض الأحيان بدافع يحفزه على التعبير عن حبه وتقديره للآخر بلمسه أو ضغطه على اليد أو قبلة، والكشف عن هذه المشاعر بهذه الطريقة والإستجابة لها أمر طبيعي. وأخيرا فالشوق إلى القبلة أو بعض الغزل الرقيق أو الانصات قصة فيها تلميحات جنسية ليست هذه أمور شائنة (1) ". وقد سبق خطوة الاختلاط في الدول الإسلامية المتقدمة خطوة تمر بها الآن الدول الإسلامية"غير المتقدمة"هو التوسع في تعليم البنات. وتعليم البنات في حد ذاته قد لا يكون مصدر قلق لكن التوسع في هذا التعليم من غير تخطيط إسلامي بل ولا حتى فطري هو مصدر القلق كله."
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) حصوننا مهددة من الداخل ـ للدكتور محمد محمد حسين. مكتبة المنار الإسلامية ـ الكويت.
صفحة 69
ذلك في إنكار إختلاف فطرة المرأة عن الرجل غباء أو تغاب فلا شك في هذا الاختلاف ومن ثم وجب اختلاف المناهج وفقا لهذا الاختلاف، ووجب اختلاف مجالات العمل كذلك تبعا لهذا الاختلاف. ذلك لو كان الذين يخططون لتعليم البنات يصدرون عن فهم إسلامي أو حتى عن فهم ذاتي مبرأ من التدخل الأجنبي. أما أن يصير الأمر مجرد من مزاحمة للبنت مع الولد بحجة التمدين والتحضر حتى لو صادم ذلك فطرتها وطبيعتها بحيث ترى البنت مهندسة وصانعة وعاملة في الأفران فذلك لا يقره عاقل. كذلك يسبق خطوة الاختلاط خطوة أخرى هو تعرية المرأة"المسلمة"أو كشف الحجاب عنها كذلك تحت دعاوي التحرر والتمدين وما حدث في الكويت الشقيقة منذ سنوات أقرب مثل. لقد كانت الكويت ـ وهي جزء من الجزيرة العربية. تفرض عادتها الإسلامية الحجاب على المرأة. وبغض النظر عن الخلاف الفقهي في صدد كشف وجه المرأة. فإن الأمر لم يقتصر على كشف الوجه بل كشفت المحارم التي لا خلاف على حرمتها. وكان آخر ما قدمته الكويت المسلمة إحراجا لضيف كبير مسلم إن رقصت فتياتها المراهقات بملابس قصيرة تكشف عن أفخاذهن وبأداء متكسر مثير أمام الضيوف الكبار الذين امتدت بهم الجلسة إلى ما بعد منتصف الليل. وهكذا يسبق التحرر الاختلاط ليزول الحياء قبل الاختلاط فيسقط آخر مانع يحول دون اشتعال النار. وهكذا ينزوي التعليم الديني. مع ذلك الضجيج الهائل من حوله ومع ذلك التخريب الهائل من داخله وهكذا مثلت"الازدواجية"في التعليم تكتيكا مرحليا"مارسه أعداء الإسلام في الشرق الإسلامي المسكين".
صفحة 70
وترتب على هذا الازدواج بالوضع الذي أشرنا إليه نتائج خطيرة:
1 ـ فهي أولا أدت إلى تمزيق المجتمع الإسلامي بين طائفة العلمانيين الواردين من الخارج أو المتخرجين في الداخل.
2 ـ وهي ثانيا أدت إلى إبعاد العلمانيين عن الإسلام.
3 ـ هي ثالثا جعلت الأمر إلى أيدي هؤلاء العلمانيين.
4 ـ هي رابعا أدت إلى الازدراء من شأن الدين والازدراء بطلابه ومعلميه ثانيا ـ العلمانية في الإعلام:
العلمانية في التعليم أقدم وأخطر. والعلمانية في الإعلام أعم وأشمل ومن هنا تكمن خطورتها. أن التعليم قد يخاطب الآلاف بمناهجه. لكن الإعلام يخاطب الملايين ببرامجه. وأكثر هذه الملايين ساذجة تؤثر فيها الكلمة. مقروءة. أو مسموعة. أو منظورة. فإن كانت طيبة كانت كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها. وإن كانت خبيثة كانت كشجرة خبيثة اجتثت من فوق الأرض ما لها من قرار. من هنا كان اهتمام الإسلام بالكلمة وأمانتها. فإما أن ترتفع بالمؤمن إلى معية سيد الشهداء. وإما أن تهوي بقائلها في النار سبعين خريفا.
صفحة 71
ثانيًا:
وللأسف فإننا نستطيع باطمئنان أن نقرر: