فهرس الكتاب

الصفحة 2341 من 3028

فإما أن يتطور وإما أن يموت ويختفي (1) . هذه كلمات اللورد كرومر الذي حكم مصر المسلمة ممثلا للإحتلال الانجليزي يساعده دنلوب وهو أحد خريجي كلية اللاهوت في لندن. تكملها كلمات للمستشرق جب (وفي أثناء الجزء الأخير من القرن التاسع عشر نفذت هذه الخطة لأبعد من ذلك بإنماء التعليم العلماني تحت إشراف الانجليز في مصر والهند(2) ". وأخيرا تكمل هذا كلمات زعيم المبشرين النصارى"زويمر"يقول على جبل الزيتون في القدس إبان الاحتلال الانجليزي لفلسطين سنة 1354 ه (1935م) (لقد قبضنا أيها الأخوان في هذه الحقبة من الدهر من ثلث القرن التاسع عشر إلى يومنا هذا على جميع برامج التعليم في الممالك الإسلامية وإنكم أعددتم نشئا في ديار المسلمين لا يعرف الصلة بالله، ولا يريد أن يعرفها(!) وأخرجتم المسلم من الإسلام، ولم تدخلوه في المسيحية وبالتالي جاء النشء الإسلامي طبقا لما أراده له الإستعمار المسيحي لا يهتم بالعظائم ويحب الراحة والكسل ولا يعرف همه في دنياه إلا في الشهوات فإذا تعلم فللشهوات، وإذا جمع المال فللشهوات وإن تبوأ أسمى المراكز ففي سبيل الشهوات يجود بكل شئ). كانت تلك هي النصوص ومفادها أنه لما كانت البلاد الإسلامية في سابق عهدها إسلامية التعليم، فقد كبر على الإستعمار الغزي أن يترك للمسلمين دينهم، بعد أن أبى عليهم أن يترك لهم أرضهم وكان لا بد له أن يحقق لهم"جهالتهم"بالدين ليتحقق فيهم من بعد أن جهل شيئا عاداه. وكان له في ذلك أكثر من سبيل"

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) تقرير كرومر لسنة 1906 م الفقرة 3 ص 5 والاتجاهات الوطنية للدكتور محمد محمد حسين ج 1 ص 275.

(2) وجهة الإسلام تأليف المستشرق جب وآخرين ترجمة محمد عبد الهادي أبو ريدة.

صفحة 64

أما السبيل الأول فهو ما لجأ إليه من حصر التعليم الديني وحصاره ماديا ومعنويا. فإما الحصر والحصار المادي فقد كان يفتح التعليم اللاديني في مواجهته وتشجيعه وهو ما أشار إليه المستشرق جب"بإنماء التعليم العلماني تحت الإشراف الانجليزي في مصر والهند". وتم مع ذلك تضييق الموارد المادية على التعليم الديني. وإغداقها على التعليم اللاديني. وأما الحصر والحصار المعنوي فهو ما لجأ إليه من تنفير وسخرية بطالب العلم الديني وبأستاذه وبالتفرقة بين أستاذي الدين، والمواد الأخرى. في كل شئ بفرقة مرسومة مقصودة ثم بالتفرقة بين خريج المعاهد والكليات الدينية وبين زملائه في الكليات الأخرى فمناصب المعاهد والكليات الدينية محدودة، متواضعة في المظهر وفي الأجر. ومناصب المعاهد والكليات الأخرى عديدة كثيرة فارهة المظهر، والأجر. وفي اللاشعور يرسب ذلك كله. نفورا من الدين وإقبالا على غير الدين من حيث لا يدري الطالب الصغير أو الكبير ومن حيث لا يشعر.

وأما السبيل الثاني. فكان الابتعاث إلى الخارج إلى الدول غير الإسلامية وحقق ذلك الابتعاث نتائجه الباهرة المقصودة. فهو أولا يزيد طالب التعليم العام جهالة بدينه وقيمه ومثله ويزيده تعلقا بقيم الغرب أو الشرق ومثله وهو من ناحية أخرى يبدأ بتطبيعه بطباع غير إسلامية ثم يصير التطبع مع الزمن طبعا وينسلخ الطالب من حيث لا يشعر حتى من تقاليده في الملبس والمأكل والمشرب وطريقة التعامل ويغدو غربيا أو شرقيا ربما أكثر من الغربي أو من الشرقي. وحول هذا المعنى يقول أحد الكتاب الغربيين"فبينما يترك الحكام الغربيون منطقة الشرق الأدنى تتحول هذه المنطقة فتصبح أكثر غربية ويواجه الزعماء العرب طريقين."

صفحة 65

"فهم يطردون الغرب سياسيا ويسحبون الكتل الشعبية إلى الغرب ثقافيا (1) ". ولقد بدأ هذا السبيل مبكرا ربما ليسارعوا إلى تخريج الأساتذة التي تجري"تفريخ"مبادئهم بعد ذلك في بلادهم بغير حاجة إلى ابتعاث الجدد، وبغير حاجة إلى جهد غير وطني. وهو ما يصرح به نفس الكاتب السابق حين يقول"أما الآن فقد قبلت التأثيرات الغربية في الشرق الأدنى إلى درجة تجعل من الصعب التحقق من أن امرءا ما قد ذهب أو لم يذهب إلى أوروبا أصلا، فقد أصبح العرب"متغربين بدون أن يتكلفوا عبء الذهاب إلى أوروبا". ومثل ذلك هو الشيخ رفاعة رافع الطهطاوي الذي ابتعث إلى باريس خمس سنوات (1826 ـ 1831) ليعود بعدها يصرح بأن الرقص الغربي (الذي تتلاصق فيه الأجساد وتختلط الأنفاس وتتلاقى النظرات) بأن هذا الرقص لون من العياقة والشلبنة (أي الفتوة) ثم ينادي بالفرعونية (وهي في ميزان الإسلام جاهلية وعصبية منتنة) ينادي بها بديلا عن الإسلام. ومن بعد رافع كان طه حسين وكتاباته في مستقبل الثقافة في مصر وفي مرآة الإسلام ومن قبلها في الشعر الجاهلي لا تحتاج إلى تعليق لكل ذي بصر إسلامي ومع طه حسين قاسم أمين الذي نادى في مصر بتحرير المرأة وإن نسب البعض كتابته إلى الشيخ محمد عبده"والزعيم"سعد زغلول وقد خشى الزعيمان على شعبيتهما فحملا قاسم العبء وحمله أنه كان ظلوما جهولا كل هؤلاء لم تكن ثقافتهم ولا تربيتهم محلية ومن ثم فلم يكن غريبا ما صرحوا به أو أذاعوه. بل كان ذلك جزءا من مخطط رهيب أثيم لهدم قيم الإسلام ومثله. ولا يزال الابتعاث رغم ما خرج من أساتذة يقومون بنفس"

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) العالم العربي اليوم ـ مورو بيرجر.

صفحة 66

الدور. لا يزال له دوره وبخاصة في البلاد التي تسمى"نامية"والتي يخشى أن تتجه بصدق إلى الإسلام لا يزال الابتعاث يولي أهمية كبرى لهذه البلاد باعتبارها بكرا"ويصل الاهتمام إلى حد نزول الابتعاث من مرحلة ما بعد الجامعة إلى مرحلة ما بعد الثانوية العامة حيث سن المراهقة الخطير ينتقل فيه الشاب من المجتمع المغلق إلى المجتمع المفتوح، والمفتوح جدا. فتنقلب موازين عقله بعد موازين قلبه، كما حدث في درس رفاعة راعف الطهطاوي (الصعيدي) . كما يصل الاهتمام حد الحرص على إيفاد المبعوث سنة كاملة كل خمس سنوات بعد عودته من بعثته المباركة وتوليه أهم المناصب. وهكذا يستمر الرضاع بين الأم ووليدها دون فطام وهكذا يتولد ضمان استمرار"الولاء"و"الوفاء"أو ما هو أشد من الولاء والوفاء"

و أما السبيل الثالث:

فهو انتشار المدارس الأجنبية في البلاد الإسلامية وقد كان في البداية سبيلا لتنصير المسلمين وعلى هذا نصت بعض المؤتمرات التبشير وعلى هذا نفهم إنشاء الكلية الانجيلية في بيروت. وإنشاء الجامعة الامريكية في مصر (1) . لكن استفادة من نصائح زويمر لم يعد مطلوبا إدخال المسلمين إلى المسيحية أنه يكفي إخراجهم من الإسلام. وعلى هذا تعمل المدارس الأجنبية حاليا في البلاد الإسلامية. وأقل ضرر لها هو الازدراء باللغة العربية، وتمجيد اللغة الأجنبية بما يترتب على الأمرين من آثار خطيرة في اللاشعور. وأقل ضرر منها هو الازدراء بالدين بعد أن تعمد إلى تقديم مدرسه متهدما في في مظهره ومخبره، مثيرا للسخرية والاشمئزاز من صغار الطلاب وكبارهم على السواء. بينما يظهر رجل الدين عندهم على نحو مخالف يولد الرهبة والاحترام وقد يولد الحب والود والإلفة.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) راجع قرارت مؤتمر القاهرة 1324 ه1906 م ومؤتمر لكنؤ بالهند (1329 ه ـ 1911 م) في كتاب الغارة على العالم الإسلامي.

صفحة 67

وإما السبيل الرابع:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت