مساندة الباطل والمبطلين فيما يمضون فيه من تخطيط أثيم لإبعاد الناس عن الإسلام. ولبيان هذين الخطين نقدم وثيقة جاءت في حيثيات حكم صدر في بلد إسلامي نسقط منها أسماء الضحايا وأسماء المجرمين لنصل بها إلى الموضوعية الكاملة (1) . تبدأ الوثيقة بالإشارة إلى أسماء أعضاء اللجنة التي قدمت معلوماتها واقتراحاتها وأكثرهم من رجال المخابرات والمباحث والأمن. ثم تلخص معلوماتها بالإشارة إلى أن"تدريس التاريخ الإسلامي"
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) هذا الحكم منشور في كتاب (الزنزانة للدكتور جريشة) ـ الناشر دار الشروق
صفحة 51
في المدارس للنشء بحالته القديمة يربط الدين بالسياسة في لا شعور كثير من التلاميذ منذ الصغر ثم الإشارة إلى صعوبة التمييز بين معتنقي الأفكار وبين غيرهم من المتدينين الخ. ليصل إلى المطالبة:
1 ـ بمحو فكرة ارتباط السياسة بالدين.
2 ـ إبادة تدريجية بطيئة مادية ومعنوية وفكرية للجيل القائم بحمل الدعوة الإسلامية، ولا يقتصر الأمر على هذه الفئة، لا يمتد إلى"كل المتدينين"باعتبارهم يمثلون الاحتياطي الذي يصب في هذه الفئة! ومن وسائل الإبادة:
الإعدام والسجن والاعتقال ويبلغ الأمر غاية خسته حين تصرح"بالنسبة لنسائهم سواء كن زوجات أو بنات فسوف يتحررن ويتعرضن مع غياب عائلهم وحاجتهم المادية إلى انزلاقهن". وهكذا تفقد الأنظمة العسكرية حتى الشرف والكرامة!! بقي السؤال ـ لماذا يفضلونها وطنية؟ نسمع إجابتين:
إجابة من الكاتب الامريكي مايلز كوبلاند. فكان الحكام من"طراز."يعطون الأولوية على غيرهم لأن استيلاءهم على السلطة يوفر أفضل الفرص ـ أو أقلها سوءا ـ لنجاح"لعبتنا" (1) . وفي مكان آخر"إن نموذجا كان من الأهمية بمكان بخصوص اللعبة وإنا كنا ملزمين بالبحث عن مثيل له فيما لو لم يكن على قيد الحياة" (2) . وإجابة من الكاتب الامريكي مورو بيرجر. وكان الجيش من بين كل جماعات النخبة الوطنية أكثرها دنوا من المشاكل التي تواجهها مصر، دنوا بالمعنى الحسابي، والعلماني،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) ، (2) لعبة الأمم ص 28، ص 26.
صفحة 52
والواقعي، وبهذه الصورة كان الجيش أكثر النخبات تغربا (1) . والواضح من تقريرالموجز أن الضباط كانوا علمانيين يتوقون إلى بث التعاصر في مصر متماشين مع الخط الغربي التكنولوجي، بل كانوا جماعة علمانية في البناء السياسي والاجتماعي للحياة المصرية إلا أن قيادتهم كانت تضع نصب عينيها صورة من مصر العلمانية كما يتصورونها، ويتحركون صوب هذا الهدف على خط مستقيم (2) . ويعمم الكاتب وعلى ذلك فبينما يترك الحكام الغربيون منطقة الشرق الأدنى تتحول هذه المنطقة فتصبح أكثر غربية، ويواجه الزعماء العرب طريقين:
فهم يطردون الغرب سياسيا ويسحبون الكتل الشعبية إلى الغرب ثقافيا (3) . ونجيب بعد هؤلاء فنقول بعون الله:
1 ـ إن النخبة الوطنية التي حلت محل"النخبة الأجنبية"وفرت على الأخيرة أولا:
الدم والمال التي كانت تبذل في الحروب الصليبية أو في محاولات الإستعمار.
2 ـ وإنها كذلك منعت إثارة المشاعر الدينية أو الوطنية التي كانت تتحرك حين يرى الشعب الجيوش الأجنبية قادمة تتحدى قيمه الدينية أو قيمه الوطنية.. ومن ثم فقد ميعت المقاومة أو منعتها!
3 ـ إنها بلباس الوطنية نفذت المطلوب ليس فقط دون مقاومة بل أحيانا مع استحسان الجماهير وحماستها!! (4) .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) ، (2) ، (3) العالم العربي اليوم ص 312، ص 314، ص 340 وراجع ما قدمنا ـ والمقصود ب"تغربا"الميل إلى الغرب في قيمه ومثله بدلا من قيم الإسلام ومثله.
(4) وفي هذا السبيل لا بأس من أن تسمح الجهات الأجنبية بمهاجمتها لتكسب الحاكم مزيدا من الصفات الوطنية ولتكسب استحسان الجماهير وحماستها وفي هذا المعنى يقول مايلز كوبلاند فإن مساندتنا لأي زعيم للوصول إلى دست الحكم والبقاء هناك حتى يحقق لنا بعض المصالح التي نريدها لا بد أن يرتطم بالحقيقة القاسية وهي أنه لا بد من توجيه بعض الإساءات لنا حتى يتمكن من المحافظة عيل السلطة ويضمن استمرارها (ص 55 من كتاب لعبة الأمم) . وفي الوقت نفسه يقول السياسي الصهيوني مستر سكوثمان في مقال يرثي فيه زعيما عربيا"كان الرجل الوحيد الذي اقتنع بضرورة التعايش السلمي مع إسرائيل وكانت لديه الجرأة والسلطة الكافية لإيجاد الظروف اللازمة لهذا التعايش"ص ز مقدمة كتاب الدبلوماسية والميكافيلية في العلاقات العربية الامريكية ـ دكتور محمد صادق. وفي مكان آخر يقول مايلز كوبلاند:
إن الهدف الرئيسي من دعمنا (.) هو رغبتنا في توفر زعيم عربي رئيسي يتمتع بنفوذ قوي على شعبه وعلى بقية العرب له ن القوة ما يمكنه أن يتخذ ما شاء من القرارات الخطيرة وغير المقبولة من الغوغاء مثل عقد صلح مع إسرائيل (ص 89 لعبة الأمم) .
صفحة 53
4 ـ أنها استطاعت أن تقضي على كل معارضة من أي فئة دون أن يتحرك أحد لنصرة هذه الفئة بل مع اعتقادهم بما تذيعه"النخبة الوطنية"من أن المعارضين خوارج ـ أو خونة!! وأخيرا سؤال لا ينفك عن السؤال الأخير. لماذا يفضلونها"عسكرية"؟ نقول بعون الله:
1 ـ لأنها"أسرع"في الوصول إلى الحكم، وأكثر شغفا بالسلطة (1) .
2 ـ لأنها"أسرع"في تلبية الأوامر الخارجية، والالتزام حرفيا بها، فهكذا تعلمهم الحياة العسكرية.
3 ـ لأن قبضتها"أقوى"بالنسبة لأية معارضة أو أية مقاومة.
4 ـ أن الطبقة العسكرية في أغلبها أعدت إعدادا خاصا يجعلها"علمانية"و"غربية"لا تستنكف الانحلال لنفسها ولا لغيرها ومن ثم فهي أنسب الفئات لتنفيذ مخطط الإبعاد من"الإسلام".
5 ـ أنها تزيح بذلك احتمال تقدم عناصر دينية إلى الحكم عن الطريق الشعبي العادي (2) ! وليس معنى اللجوء إلى الانقلابات العسكرية انتهاء الوسائل الأخرى إن القوى الأجنبية المعادية للاسلام لا تزال محتفظة لبعض الأنظمة"الرجعية"بالبقاء أو لأنها تنفذ ما يطلب منها، وثانيا لأنها أضعف من أن تقف يوما في وجهها وثالثا لأنه داخل هذا الأنظمة نفسها يجري التغيير باستعداء الابن على أبيه والأخ على أخيه بعد ما يحري الاتفاق على الصفقة ماذا يبيع لكي يجلس على العرش؟! ورابعا لأنها حين يبدو العصيان يكون الردع سريعا وعنيفا وحوادث
ــــــــــــــــــــ
(1) لقول مايلز كوبلاند وكان مبتغانا أن ندفع إلى الرئاسة حاكما أكثر شغفا بالسلطة (ص 59 من لعبة الأمم) .
(2) ص 63 ـ 65 من (لعبة الأمم) .
صفحة 54
"الاغتيال السياسي"في الماضي القريب شاهدة على ذلك، وقد كانت موضع تحقيق"الكونجرس"في فضائح المخابرات المركزية الامريكية. وأخيرا فإن بقاء هذه الأنظمة ـ في نظر أعداء الإسلام ـ رهين بانتهاء العصبيات التي تستند إليها، وفي المواجهة بزيادة قوة وقدوة القوات المسلحة لتولي الأمر حينئذ سوف تخلعها بيسر وبغير حياء ولا احترام للود البادي والوفاء الظاهر!! وهكذا ترى اتفاقا غريبا على علمنة التعليم وعلمنة الإعلام، وعلمنة المجتمع كله عن طريق المرأة وعن طريق الشباب ليبتعد بذلك عن الإسلام نجدها في الدول الإسلامية رغم اختلاف نظم الحكم الحاكمة لأن التغيير السياسي وإن اختلف أسلوبه فالهدف لا يختلف وهو التغيير الاجتماعي أو التغريب أو بالعبارة الواضحة: