فهرس الكتاب

الصفحة 2339 من 3028

الأبعاد عن الإسلام! لكن هل انتهت تماما وسيلة الحروب والإستعمار التي كانت سبيل الغرب من قبل لفرض أهدافه وغاياته؟ لا نستطيع أن نجيب بالنفي لأن الحروب انتهت في أغلب البلاد في صورتها العسكرية، واستبدلت بها الحرب الفكرية والنفسية لتحطيم عقيدة الأمة ومبادئها. ولا نستطيع أن نجيب بالاثبات لأنها لا تزال تستعمل في نطاق محدود وهو ما اصطلح الغرب على تسميته بالحرب المحدودة واحتلال الجيوش الامريكية لشواطئ لبنان سنة 1377 ه1958 م مثل قريب وتحركات الأسطول السادس كذلك. لكن رأينا أن الحرب المحدودة ارتدت كذلك ثوبا محليا فأصبحت الجيوش العربية أو الإسلامية تسلط لهذا الغرض وتدخل سوريا في لبنان مثل قريب. وانفصال بنجلادش عن باكستان من قبلها مثل قريب كذلك!

صفحة 55

المبحث الثاني التغيير الاجتماعي ما يبغي الغرب هنا؟ في البداية كان الهدف واضحا إخراج المسلمين من دينهم وإدخالهم إلى دين آخر ـ كما وضح ذلك من كلام المبشرين. ثم لما صارت عملية"التنصير"بلغة الأرقام صعبة إن لم تكن مستحيلة بين الشعوب التي تدين بالإسلام. اقتصرت العملية على الجزء الأول منها إخراج المسلمين من دينهم وكانت الوسائل إلى ذلك هي نفس الوسائل"وسائل التبشير"الأولى التي كانت تقوم بالشقين الاخراج من الإسلام، والادخال في الدين الآخر. ونجحت الخطة الثانية ولا تزال تعمل في كثير من البقاع الإسلامية. ثم كانت الخطة الثالثة التي لا تذهب إلى عملية الاخراج من الذين تماما ولكنها تكتفي بالإبعاد الإبعاد عن الدين من غير استعمال لفظ الإبعاد حتى لا يستثير حفيظة المسلمين أو تنبيههم إلى

الهدف الجديد مع تطوير فيها يجعلها أكثر نعومة، وأكثر فاعلية. إذا فالهدف هو إبعاد المسلمين عن الإسلام باعتباره الخطر الكامن كما يتصور الغرب أو يتوهم ـ وقد كانت الإشارة إلى هذا الهدف تحت اصطلاحات أكثر تهذيبا مثل التغريب أو التغيير الاجتماعي (1) .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) راجع في ذلك كتاب: الحضارة الغربية للدكتور محمد محمد حسين وكتاب: العالم العربي اليوم ـ للكاتب الامريكي مورو بيرجر.

صفحة 56

معنى التغيير الاجتماعي وصلته بالتغيير السياسي:

إن النخبة في الشرق الأدنى في مصر والسودان، والعراق وتركيا وإيران وباكستان كانت عوامل هامة في جلب التغيير الاجتماعي، وتشترك النخبات العسكرية العربية عميقا في الاعتقاد بضرورة التغيير الاجتماعي السريع. أما الآن فقد قبلت التأثيرات الغربية في الشرق الأدنى إلى درجة تجعل من الصعب التحقق من أن امرءا ما قد ذهب أو لم يذهب إلى أوروبا أصلا، فقد أصبح العرب"متغربين"بدون أن يتكلفوا عبء الذهاب إلى أوروبا. فبينما يترك الحكام الغربيون منطقة الشرق الأدنى، تتحول هذه المنطقة فتصبح أكثر غربية، ويواجه الزعماء العرب طريقين:

فهم يطردون الغرب سياسيا، ويسحبون الكتل الشعبية إلى الغرب ثقافيا (1) . التغيير الاجتماعي إذن يعني تغيير قيم الأمة ومثلها تغيير ثقافتها وأخلاقها وعقيدتها وبعبارة واضحة إبعاد المسلمين عن دينهم. والتغيير الاجتماعي، قد يسمى التغريب وقد يسمونه المدنية أو التطور أو التقدم وأيا ما كانت الحال فلن يكون هناك سبيل إلى التراجع إن العمل يسير بجد ونشاط في إدخال الدنية الغربية إلى مصر. وهو يأخذ طريقه بتقدم ونجاح حسب خطة مرسومة، وضعت خطوطها بعد دراسة الموقف تقوم على التطور والتدرج (2) . وواضح أن التغريب، أو التغيير الاجتماعي الذي كان يجري على أيدي المحتلين والمستعمرين، صار يجري اليوم ـ في أكثر الأحوال ـ

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) راجع مورو بيرجر في العالم العربي اليوم صفحات 306، 319، 320، 323، 324، 326، 340، 348.

(2) الفقرة الثالثة من تقرير اللورد كرومر سنة 1906 ص 8 من النسخة الانكليزية.

صفحة 57

على أيدي"النخبات الوطنية"التي هي في أكثر الأحيان"عسكرية" (1) . هذا هو الهدف التغيير الاجتماعي الذي يعني في الحقيقة إبعاد الأمة عن دينها في شتى نواحي الدين التي تشمل شتى نواحي الدنيا. ولكن لهذا الهدف وسيلة أو وسائل وأساليب هي التي تمثل"التكتيك"الجديد لغزو الغرب الفكري. ويحسن أن نعرض لها في مبحث مستقل.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) يشير الكاتب الامريكي إلى تقرير لزعيم مصري جاء فيه أن الضباط كانوا علمانيين (ستعرف معنى العلمانية في الصفحات القليلة القادمة) يتوقون إلى بث التعاصر في مصر متماشين مع الخط الغربي التكنولوجي ولم يكن الضباط على ثبات أيديلوجي، بل كانوا جماعة علمانية في البناء السياسي والاجتماعي للحياة المصرية ص 313 ع أ، 314 من المرجع المذكور ويضيف الكاتب الامريكي"أن معيار ذلك الزعيم في الضابط الكفء، هو استنتاجا على على الأقل تعرفه إلى الغرب"وينقل الزعيم مدحا لرئيس هيئة أركان الجيش المصري في الحرب العالمية الثانية:

(كان متقبلا للأفكار الحديثة لكثرة زيارته لفرنسا وإنجلترا وألمانيا) ص 310 من كتاب العالم العربي اليوم. للكاتب الامريكي مورو بيرجر.

صفحة 58

المبحث الثالث أساليب التغيير الاجتماعي"أو التغريب"يتخذ الترتيب لإحداث التغيير الاجتماعي الذي يبعد الأمة الإسلامية عن إسلامها يتخذ خطة"استراتيجية"طويلة المدى حتى لا تحس الأمة الإسلامية بالهدف البعيد بل قد لا تحس بالأسلوب الذي يجري به التغيير وكأن هذا التغيير يتم تلقائيا. وأهم ما في هذه الاستراتيجية من تخطيط أن يتخذوا لهدفهم رسولا منا"من أنفسهم"،"وأن يقطع الشجرة أحد أعضائها"الأمر الذي يجري في التغيير السياسي سواء عن طريق الانقلاب العسكري، أو الاغتيال السياسي بالأساليب التي أشرنا إليها. يلي ذلك أنهم يخاطبون بهؤلاء الأعضاء يخاطبون بهم فكر الأمة وعقيدتها، ومن ثم يجري التغيير أول ما يجري داخل العقول والقلوب ثم ينتقل بعد ذلك إلى مجال الأخلاق والتقاليد والعادات ويبلغ الاهتمام بأحداث التغيير أدنى مظاهره كأكل الطعام باليد اليسرى، وإلقاء التحية بغير تحية الإسلام. ولولا كتابات كتبها مفكروهم لتوجيههم إلى أحسن الوسائل لبلوغ أسوأ الأهداف وأخبثها ما استطعنا أن نعرف شيئا عن"استراتيجية"الغرب أو تكتيكه نحو هذه الأمة المسلمة وقبل ذلك لولا فضل الله ورحمته لانتهت هذه الأمة نتيجة ذلك التخطيط العميق والتنفيذ الدقيق لإبعاد الأمة عن دينها. وإذا كانت أساليب التغيير الاجتماعي تتجه إلى فكر الأمة وعقلها ثم إلى عقيدتها وقلبها فإنها تعتمد على وسائل الاقناع المختلفة.

وتخطط لها تخطيطا علميا يقوم عليه علماء النفس وعلماء الاجتماع فوق أجهزة التخابر والاحصاء المختلفة.

صفحة 59

ويسير التخطيط على جعل وسائل الاقناع المختلفة في أيدي غير المستمسكين بالدين فإذا أفلت متدين إلى هذه الوسائل أحاطته بوسائل الاغراء والاحتواء المختلفة حتى تتحرف به عن السبيل القويم. وتحت شعارات:

العلمانية، والقومية، وتحرير المرأة تجري وسائل الاقناع المختلفة لتحقيق أبعاد الأمة عن دينها ونحاول بمشيئة الله بحث هذه الثلاثة لنبين كيف يجري بها إبعاد الأمة عن دينها.

أولا: العلمانية معنى العلمانية:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت