الثانية ولا الثالثة ولا الرابعة بين دول العالم وكانت قبلها في الدرجة الأولى!. أهذا هو الترقي يا حزب الترقي؟ ولقد سبقت إلغاء الخلافة تمثيلية لا يزال يتكرر مثلها في السنوات القريبة كان لا بد من صنع البطل (الذي يقطع الشجرة) (1) . وبعد أن تغلغلت قوات اليونان والحلفاء داخل أراضي تركيا. وبينما الخليفة حبيس الاستانة بل وجيوش إنجلترا وتتبدل الهزيمة نصرا وينخدع العالم الإسلامي المسكين"بالغازي العظيم"ثم يعلن بعدها إلغاء الخلافة الإسلامية. ويعقبها سلسلة من الإجراءات تنتهي إلى سلخ تركيا من إسلامها، وتحريم الأذان فيها وتحريم الكتابة بلغة القرآن العظيم! ويقبل العالم الإسلامي على المصيبة! ولكن ولات حين مناص! فقد فات الأوان! ويندب العالم الإسلامي خلافته وإسلامه يقول الشاعر أحمد شوقي:
يا أخت أندلس عليك سلام هوت الخلافة فيك والإسلام طوى الهلال عن السماء فليتها طويت وعم العالمين ظلام خفت الأذان فما عليك موحد يسعى ولا الجمع الحسان تقام ويقول في أبيات من قصيدة أخرى:
بكت الصلاة وتلك فتنة عابث بالشرع عربيد القضاء وقاح أفتى خزعبلة وقال ضلالة وأتى بكفر في البلاد بواح ضجت عليك مآذن ومنابر وبكت عليك ممالك ونواحي الهند والهة ومصر حزينة تبكي عليك بمدمع سحاح والشام تسأل والعراق وفارس أمحا من الأرض الخلافة ماحي
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) راجع تحت عنوان صناعة الزعيم في كتاب"عندما يحكم الطغاة"للدكتور جريشة الناشر دار الاعتصام ـ مصر.
صفحة 43
حسب أتى طول الليالي دونه قد طاح بين عشية وصباح وعلاقة فصمت عرى أسبابها كانت أبر علائق الأرواح نظمت صفوف المسلمين وخطوهم في كل غدوة جمعة ورواح أستغفر الأخلاق لست بجاحد من كنت أدفع دونه وألاحي أأقول من أحيا الجماعة ملحد وأقول من رد الحقوق إباحي فلتسمعن بكل أرض داعيا يدعو إلى الكذاب أو لسجاح ولتشهدن بكل أرض فتنة فيها يباع الدين بيع سماح يفتي على ذهب المعز وسيفه وهوى النفوس وحقدها الملحاح
صفحة 44
المبحث الثالث مرحلة ما بعد إسقاط الخلافة الإسلامية بات معلوما أن العالم الإسلامي بعد الاجهاز على الخلافة الإسلامية، وما تبعها وما سبقها من تقطيع لأوصال العالم الإسلامي، وما صاحب ذلك من حملات تبشير واستشراق أن لم تنجح في تنصير المسلمين بما يكافئ الجهود الأموال المبذولة فإنها أفلحت في بث الشكوك والوهن في عقائد المسلمين وأفكارهم. بات معلوما أن العالم الإسلامي صار كجسد مثخن بالجراح استرخى حتى يمن الله عليه بالعافية أو يتحقق أمل بعيد للصهيونية أن يلفظ أنفاسه الأخيرة ومن ثم قد كان يكفي ما حدث لكن الصليبين. ومن وراءهم ـ وعوا الدرس وهو ما صرح به (جب) من أن صحوة الإسلام تتم بسرعة وخشي أعداء الإسلام هذه الصحوة! فاتخذوا من الوسائل ما يضمن بقاء الجسد الممزق هامدا مثخنا بالجراح وكان لهم في ذلك أكثر من سبيل أهمها التغيير السياسي، والاجتماعي في العالم الإسلامي ولنعط كلا كلمة بما يسمح المقام.
صفحة 45
الفصل الثاني التغيير السياسي والاجتماعي في المنطقة الإسلامية المبحث الأول التغيير السياسي منذ أتيح للغرب الصليبي أن يتسلط على الشرق الإسلامي.. أخذ يحدث التغيير السياسي اللازم لبقاء سيطرته أولا ثم لتحقيق الهدف من هذه السيطرة ثانيا فكان:
احتلال فرنسا للجزائر سنة 1246 ه (1830م) وتونس سنة 1299 هـ (1881م) ومراكش سنة 1330 ه (1912م) وللشام سنة 1338 ه (1920م) وكان احتلال بريطانيا سنة 1274 ه1857 م للهند إيذانا بزوال إحدى الدول الإسلامية الكبرى التي قامت في مستهل القرن السادس عشر. واحتلالها لمصر سنة 1300 ه1882 م والعراق سنة 1332 ه 1914 م فلسطين سنة 1337 ه1918 م ولم يكن ذلك التوزيع وليد الصدفة فلقد كشف الاتفاق المنعقد بين بريطانيا وفرنسا سنة 1322 ه1904 م عن جانب من سياسة تقطيع أوصال العالم الإسلامي. وصحب ذلك التقسيم إثارة القوميات المختلفة كالقومية الطورانية في تركيا والقومية العربية في البلاد الغربية حتى اقتتل المسلمون تحت قيادة النصارى باسم القومية والتحرير!!
صفحة 46
وقد صحب ذلك دعوة خبيثة إلى العلمانية بمعنى فصل الدين عن الدولة تبنتها جماعات كثيرة مشبوهة الصلات والأهداف من أمثال حزب الاتحاد والترقي في تركيا الذي كانت من قياداته قيادات يهودية من يهود الدونمة. وتبع ذلك ما رسم له أعداء الإسلام من قبل حين عقدوا أكثر من مؤتمر للنظر في المسألة الشرقية وقد كانت في البداية تعني رد الزحف الإسلامي الذي كانت تقوده تركيا على أوروبا ـ ثم لما توقف المد انتقل البحث إلى كيفية تقطيع أوصال الخلافة ثم القضاء على الخلافة بعد ذلك. ومهما يكن من أمر الأخطاء التي وقع فيها سلاطين تركيا وفي مقدمتها أنها جعلت عضلاتها أقوى من عقلها ومهما يكن من أمر المظالم التي ارتكبها سلاطين تركيا وفي مقدمتها التفرقة الظالمة بين بني الدين الواحد، وتميز الأتراك على غيرهم من بني الأوطان الأخرى مهما يكن من هذه أو تلك ـ مما نسجله ونحذر منه ـ فلقد كانت الخلافة تظل المسلمين وتجمع شملهم، وترهب عدو الله وعدوهم من أجل ذلك لم يكتف أعداء الإسلام بتقطيع أوصال دولة الخلافة. بل جاوزوا ذلك إلى القضاء على الخلافة نفسها ومنع قيامها بعد ذلك في أي قطر أو وطن آخر!! وسواء كان ما ارتكبه مصطفى كمال ـ الشهير بأتاتورك ـ كان بحسن نية كرد فعل لأحداث ذلك الحين التي خطط لها أعداء الإسلام بما يدفع أتاتورك إلى إلغاء الخلافة، أو كان بسوء نية استجابة للتخطيط اليهودي ـ الصليبي الذي تبدى فيما ذكره كاتب روسي سنة 1319 ه1901 م بعد ما طالع بروتوكولات حكماء صهيون من أنه لا بد للأفعى اليهودية من أن تمر بالقسطنطينية لتصل إلى فلسطين (1) ، وما أعقب ذلك من محاولة زعيم يهودي رشوة السلطان عبد الحميد لمنح فلسطين وطنا قوميا لليهود وبصق الخليفة المسلم في وجهه، ثم توعد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) هو الكاتب الروسي سرجي نيلوس ـ راجع الخطر اليهودي لمحمد خليفة.
صفحة 47
اليهود للخليفة، وخلع الخليفة بعد ذلك بقرار حمله ثلاثة اثنان منهم من اليهود ثم ما أعقب ذلك من إعلان وعد بلفور سنة 1336 ه1917 م من جانب وزير الخارجية البريطانية بمنح فلسطين وطنا قوميا لليهود وما تم من ثجرة لليهود في ظل ذلك الانتداب البريطاني، وانسحاب بريطانيا سنة 1367 ه1948 م من فلسطين ليتمكن منها اليهود بعد ذلك، واتفاق المعسكرين الشيوعي والرأسمالي على الاعتراف بإسرائيل وتدعيمها الأمر الذي لا يزال حتى اليوم باديا، فروسيا تمد إسرائيل بالقوة البشرية والقوة العقلية، وأمريكا تمدها بالقوة العسكرية والقوة التكنولوجية. كل ذلك أو بعضه قد يثير أو يشير إلى أن خطوة أتاتورك بإلغاء الخلافة لم تكن عن حسن نية ابتغاء المصلحة الوطنية لتركيا ـ خاصة إذا أضيف إليها ما قيل عن شروط كيرزون لمنح تركيا الاستقلال ومن بينها إلغاء الخلافة الإسلامية. نقول سواء كانت جريمة أتاتورك بحسن نية أو بسوء نية فلقد حققت لا عداء الإسلام ما يبغونه بنقض عرى الإسلام أولها الحكم وآخرها الصلاة. وكان المفروض أن تقف الحملة الضارية على الإسلام والمسلمين عند حد تقطيع دولة الخلافة والقضاء عليها لكن الصليبيين. وعوا من الإسلام درسا هاما عن الإسلام والمسلمين وهو ما صرح به أحدهم من أن صحوة الإسلام تتم بسرعة، وما صرح به بعضهم من أن المسلمين أشد خطورة عليهم من اليهود والبلاشفة والشعور الصفراء (1) .