أشار الكاتب الامريكي وليام غاي كار (4) إلى أن فكرة فصل الدين عن الدولة كانت من عمل اليهود، وبصرف النظر عما قاله وليام غاي كار فإن من الواضح في الشرق الإسلامي أن الفكرة كانت غريبة عنه ومن ثم فإن الأيدي الأجنبية كانت وراءها سواء كانت أيدي الصليبية المتعصبة أو اليهودية الحاقدة ذلك أن فقهنا الإسلامي ومن بعده فكرنا الإسلامي لم يعرف مثل هذه الفكرة ولم يتصورها بل إنه على العكس
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الخطر اليهودي.
(2) نفس المرجع السابق.
(3) د. علي جريشة في المشروعية الإسلامية العليا ص 231
(4) في كتابه: أحجار على رقعة الشطرنج.
صفحة 38
من ذلك يعرف أن قرآنه يحرم تجزئة الكتاب ويعتبر ذلك كفرا وفتنة وجاهلية. ويعرف أن الوظيفة الأولى لهذا القرآن أن يحكم لا أن يوضع على الأرفف والمناضد أن تحشى به الجيوب والتمائم أو تتغنى به وتتسلى بعض العمائم."اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه أولياء" (الأعراف:3) ."كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم" (إبراهيم:1) ."ثم جعلناك على شريعة من الأمر فاتبعها" (الجاثية:18) ."فاحكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم عما جاءك من الحق لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة" (المائدة:48) ."وأن احكم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل الله إليك" (المائدة:4) ."أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون" (المائدة:50) ."ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون" (المائدة:44) ."ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون" (المائدة:45) ."ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون" (المائدة:47) . فالإسلام دين يحكم كل شئ"ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شئ" (النحل:89) .
صفحة 39
والدولة فيه قسم لا قسيم فكما ينظم شئون الفرد وينظم شئون الأسرة ينظم شئون الدولة وينظم شئون المجتمع الدولي"وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين" (الأنبياء:107) ."وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيرا ونذيرا" (سبأ: 28) . ذلك فقه الإسلام وفكرة الدولة جزء من الدين قسم له لا قسيم. تاريخ الإسلام لم يعرف هذه التفرقة:
وليس في أحداثه ما يبررها فلئن عرفها الغرب كرد فعل لاضطهاد الكنيسة لهم والعلماء وافتئاتها على عقائد الناس وعقولهم حتى سولت لنفسها أن تصدر صكوك الغفران وقرارات الحرمان عن هوى وتحكم إذا كان ذلك فإن شرقنا الإسلامي لم يعرف اضطهاد العلم والعلماء بل حفظ لهم الإسلام وحفظت لهم أمته أكرم مكانة وأعز دولة وكيف لا؟ وهم ورثة محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) على دينه وشرعه وميراثه؟ ومن ثم فلم يكن هناك محل لا من الناحية الفكرية ولا من الناحية التاريخية لبث فكرة فصل الدين عن الدولة. لكن الأمر كان يدبر بليل واعتنق حزب الاتحاد والترقي في تركيا الفكرة وعمل على ترويجها. ثم عمل عن طريق ضباطه على عزل عبد الحميد ذلك الخليفة الذي رفض أن يعطي فلسطين وطنا قوميا لليهود وبصق في وجه زعيمهم قرصو. وصارت الحكومة المدنية في أنقرة هي التي تحكم والخليفة في الاستانة بغير سلطان تطبيقا لفصل الدين عن الدولة.
ثانيا ـ نشر القومية في مواجهة الخلافة:
كانت اليد الخفية التي تعمل على تقويض الخلافة ببث فكرة فصل الدين عن الدولة تعمل من ناحية أخرى عن طريق القومية.
صفحة 40
إثارة القومية الطورانية داخل دولة الخلافة (تركيا) . وإثارة القومية العربية داخل الولايات التابعة للخلافة. والأولى تعهدها حزب الاتحاد والترقي وحزب تركيا الفتاة. والثانية انزلق إليها الشريف حسين ظنا منه أنها الوجه الآخر للاسلام (1) . واعتقادا منه في حسن نوايا الجاسوس (لورانس) ومن وارئه ماكماهون حتى انتهى الأمر إلى أن تحارب جيوش القومية العربية جيوش الخلافة الإسلامية تعضدها الجيوش الانجليزية التي سارت تحت راية فيصل بن الشريف الحسين لتخرج سوريا لاستقبالها استقبال الفاتحين.
ثالثا ـ إسقاط الخلافة الإسلامية:
ولم يكن عبثا ولم يكن تدبير مصطفى كمال أتاتورك ولا حزب الاتحاد والترقي. ومان هؤلاء إلا"النعل"الذي تلبسه القدم الغليظة الكارهة الكريهة! وإلا ففيم توقع نيلوس مند سنة 1319 ه (1901) ؟ وفيم قول مؤتمر التبشير أن الشجرة لا بد أن يقطعها أحد أعضائها؟ وفيم تهديد الزعيم اليهودي قرصو للسلطان عبد الحميد بعد أن رفض إعطاء فلسطين لليهود؟
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) بدأت الدعوة إلى القومية العربية في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، وتألفت في بيروت جمعية سرية لهذا الغرض في سنة 1292 ه، 1875 م راجع تفصيلا لذلك بحثا طيبا عن عوامل ضعف المسلمين للأستاذ عاطف الزين ـ دار الكتاب اللبناني. ونحن نحسن الظن بالشريف حسين على ما يبدو من رسائله المتبادلة بينه وبين الانجليز لكن يبقى حسابه على الله في ظل قول الله (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنْ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ) (الممتحنة:1) وكيف نسي الشريف ما فعلته إنجلترا بالمسلمين.. تعست كراسي الحكم التي تنسي المسلم دينه وشرفه وكرامته.
صفحة 41
فيم ذلك كله وفيم قبله فكرة فصل الدين عن الدولة ومصدرها المباشر الصليبية ومصدرها الغير مباشر الصهيونية كما يقرر وليام غاي كار وفيم قبله نسر القومية العربية على يد لورانس الجاسوس الانجليزي ومن جرهم من أذقانهم وراء قدمه؟ وفيم شروط كيرزون الأربعة لاستقلال تركيا وتسليمها للكماليين وهي:
1 ـ قطع كل صلة بالإسلام.
2 ـ إلغاء الخلافة.
3 ـ إخراج أنصار الخلافة والإسلام من البلاد.
4 ـ اتخاذ دستور علماني بدلا من الدستور القديم (1) .
فيم ذلك كله وإذا صح أن الخلافة كانت أشبه بالرجل المريض ـ وهم أول من أمرضوها ـ فهل يصح المريض بالعلاج؟ أم يعالج المريض بالقضاء عليه وقتله؟ ماذا فعلوا بعد أن أجهزوا على الرجل المريض بخسة ونذالة هل استبدلوا نظاما خيرا منه؟ وهل صاروا في مصاف الدول العظمى بعد أن انسلخوا من إسلامهم. إن تركيا وبعد مرور نصف قرن من إلغاء الخلافة فيها لا توضع في الدرجة
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) يشير إليها الدكتور عبد المعطي بيومي نقلا عن الأستاذ أنور الجندي في كتابه العالم الإسلامي ـ الإستعمار السياسي والثقافي والاجتماعي ص 46، 47 ويؤكد النية إزاء الخلافة الإسلامية والقصد من وراء إسقاطها ما جاء في كتاب مائة مشروع لتقسيم تركيا تأليف المسيو جوفار الأماني ـ ملخصا في كتاب حاضر العالم الإسلامي ـ المرجع السابق ـ وأقوال رجال الدين في أوروبا، وكتابهم، وساستهم مجمعة على وجوب القضاء على الخلافة الإسلامية وتقسيم التركة بين ملوك أوروبا.
صفحة 42