7 ـ ولا ريب أن أخطر آثار المستشرقين هو اعتبار كتب المستشرقين وبحوثهم مراجع أساسية في التاريخ واللغة والسيرة والفقه والعقائد وغير ذلك، وخاصة في الجامعات والمعاهد العالية أو في دراسات المبعوثين إلى الجامعات الغربية في أوروبا وأمريكا، الذين يقعون دائما تحت سيطرة الاستشراق والأساتذة اليهود والنصارى المتعصبين، ثم يعودون إلى بلادهم فيحتلون مناصب التوجيه الثقافي والتعليمي ويرفضون ما تلقوه من الغرب من سموم باسم التجديد وحرية البحث. وقد عملوا على نشر الموسوعات (دوائر المعارف) والقواميس لتكون مراجع سهلة للباحثين، وملؤوها بالسموم والشبهات مثل:
دائرة المعارف الإسلامية. المنجد في اللغة والعلوم والأدب. الموسوعة العربية الميسرة. لهذا ينبغي على من يود الرجوع إلى هذه المصادر أن يكون على حذر تام، وأن يتنبه لما بين سطورها من مغالطات أو تشويه أو تحريف في النقل، على أن روح مؤلفيها في الحقد على الإسلام لا تخفى على المطالع الحصيف.
صفحة 27
نماذج من أبحاث المستشرقين
1 ـ يتابع يوسف شاخت أستاذه جولد تسيهر (وهما مستشرقان يهوديان) في الغض من شأن الشريعة الإسلامية، ويحاول الادعاء بأن الشريعة الإسلامية لا تختلف عن أعراف الجاهلية، وهو ادعاء باطل تصدى له كثير من الباحثين. ومن أكاذيب شخت وأضاليله:
الادعاء بأن للفكر الاغريقي فضلا على الفكر الإسلامي، وقد أثبت علماء الغرب أنفسهم مثل (سيديو، درابر، وسارطون) وغيرهم أن الإسلام هو الذي أدخل إلى الغرب المنهج العلمي التجريبي، وأن الحضارة العالمية المعاصرة مدينة للمسلمين بهذا المنهج الذي هو أساس الحضارة الإسلامية.
2 ـ أنكر برتلو أن تكون الكتب الكيمالية الاتينية التي تحمل اسم جابر بن حيان هي كتب عربية الأصل كتبها عالم مسلم، لمجرد أن أصولها العربية فقدت، وقد تصدى لبرتلو علماء راسخون ردوا عليه خطأه، بل اتهمه بعضهم بالجهل والتحيز، وقال سارطون:
إن أي شخص يعرف العربية لا يخطئ مطلقا في اكتشاف أن هذه الكتب اللاتينية ترجمات لكتب عربية، إذ تبدو الأساليب العربية واضحة من الترجمة اللاتينية، سواء كانت لجابر أو لغيره.
3 ـ ويزعم سدرسكي أن جانبا مما ورد في القرآن أو التفاسير والسير من الأخبار يرجع إلى الإجادة اليهودية والتوراة والأناجيل وقد بين الدكتور بشر فارس فساد هذا الرأي وقال:
إن بين النصوص الإسلامية والنصوص اليهودية والمسيحية مسافات، وإن اتفق بعضها أو تقارب
4 ـ وحاول نلينو أن ينفي حقيقة أن قريشا كانت أفصح العرب وله في ذلك مغالطات واسعة ترمي إلى التشكيك في هذه الحقيقة، ويقول: إن تفضيل لغة قريش لم يكن مصدره سوى حب العرب للرسول.
5 ـ وزعم لويس شيخو اليسوعي أن معظم شعراء الجاهلية وصدر الإسلام كانوا نصارى، وأن الغسانيين كانوا نصارى، وهو قول لا يسلم به المطلعون على أخبار العرب في عهد الجاهلية، لأن من الغساسنة من كان على الوثنية ومنهم من دان باليهودية، وطائفة كانت تدين بالنصرانية، وممن عدهم نصارى من الشعراء:
صفحة 28
الأخنس بن شهاب وامرؤ القيس، وأمية بن أبي الصلت والسموأل. وهكذا جرت بحوث المستشرقين وراء بث الشبهات حول القرآن الكريم ولغته والحديث الشريف والتشريع الإسلامي ولا يتسع المقام للتوسع في ضرب الأمثال (1) . المستشرقون المعتدلون لا نكران أن طائفة من المستشرقين اتسموا بالاعتدال والإنصاف، على تفاوت فيما بينهم، فمنهم من أخطأ وأصاب ومنهم من انتهى به البحث الحر النزيه إلى الإيمان والإسلام، ويعتبر من
الفريق الأول:
(رينان) الذي انتهى به بحثه عن المسيح (عليه السلام) إلى إثبات أنه لم يكن إلها ولا ابن إله، وإنما هو انسان يمتاز بالخلق السامي والروح الكريمة، وأن السير العربية للنبي محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) كسيرة ابن هشام لها ميزة تاريخية أكبر من الأناجيل المتداولة بين النصارى. ومنهم (كارلايل) الذي عد محمدا (صلى الله عليه وآله وسلم) في الأبطال وخصه بصفحات كثيرة من كتابه (الأبطال) يقول فيه:
"من العار أن يصغى أي انسان متدين من أبناء هذا الجيل إلى وهم القائلين:"
أن دين الإسلام كذب، وأن محمدا لم يكن على حق، فالرسالة التي دعا إليها كثيرة من الناس، وما الرسالة التي أداها محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) إلا الصدق والحق، وما كلمته إلا صوت حق صادق صادر من العالم المجهول، وما هو إلا شبهات أضاء العالم أجمع، ذلك أمر الله، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء. ومنهم (تولستوى) أكبر كتاب روسيا، فإنه لما رأى الحملة الظالمة على الإسلام ورسوله كتب رأيه معربا عن الاعجاب بالإسلام، وتحدث عن المسيحية، فأنكر على المسيحيين اعتقادهم بألوهية المسيح، وخلص إلى أن بولس لم يفهم تعاليم المسيح بل طمسها، والكنيسة. زادت تعاليم المسيح في العقيدة غموضا ويقول:
إن المسيحيين
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) راجع: (دفاع عن العقيدة والشريعة) للشيخ محمد الغزالي، (الإسلام في وجه ا لتغريب: مخططات الاستشراق والتبشير) للأستاذ أنور الجندي.
صفحة 29
واليهود والمسلمين يعتقد جميعهم بالوحي الالهي، فالمسلمون يعتقدون نبوة موسى وعيسى ولكنهم يعتقدون كما اعتقد بأنه دخل التحريف والتشويه على كتب الديانتين، وهم يعتقدون بأن محمدا خاتم الأنبياء، وأنه أوضح في القرآن تعاليم موسى وعيسى كما قالاها دون زيادة ولا نقص وينتهي بالحديث عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) حديث الإكبار والتعظيم، وكان مما قاله تولستوى:
"لا ريب أن هذا النبي من كبار الرجال المصلحين الذين خدموا الهيئة الاجتماعية خدمة جليلة، ويكفيه فخرا أنه هدى أمة برمتها إلى نور الحق، وجعلها تجنح للسلام، وتكف عن سفك الدماء، وتقديم الضحايا، ويكفيه فخرا أنه فتح طريق الرقي والتقدم، وهذا عمل عظيم لا يفوز به إلا شخص أولي قوة وحكمة وعلما، ورجل مثله جدير بالاحترام والاجلال"، وقد كان جزاؤه على كلمة الحق التي قالها أن حرمه البابا من الرحمة (1) . ومن المستشرقين الذين انتهى بهم البحث عن الحق إلى الإسلام اللورد هيدلي، واتيين دينيه (ناصر الدين) والشاعر الألماني الكبير جوتيه، والدكتور جرينييه الذي كان عضوا في مجلس النواب الفرنسي، وقد سئل عن سبب إسلامه فقال:
"إني تتبعت كل الآيات القرآنية التي لها ارتباط بالعلوم الطبية والصحية والطبيعية والتي درستها من صغري، وأعلمها جيدا، فوجدت هذه الآيات منطبقة كل الانطباق على معارفنا الحديثة، فأسلمت لأني تيقنت أن محمدا (صلى الله عليه وآله وسلم) أتى بالحق الصراح من قبل ألف سنة، من قبل أن يكون له معلم أو مدرس من البشر، ولو أن كل صاحب فن من الفنون، أو علم من العلوم قارن كل الآيات القرآنية المرتبطة بما تعلم جيدا كما قارنت أيضا، لأسلم بلا شك إن كان عاقلا خاليا من الأغراض" (2) . وصدق الله العظيم"سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق" (فصلت:53) .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) (التبشير والاستشراق: أحقاد وحملات) للمستشار محمد عزت إسماعيل الطهطاوي ص 59 ـ 62
(2) المرجع السابق ص 67 و (أوروبا والإسلام) للدكتور عبد الحليم محمود.
صفحة 30
ثالثا: التبشير