فهرس الكتاب

الصفحة 2331 من 3028

ثالثا: فصل المسلمين عن جذورهم الثابتة الأصيلة، بتشويه تلك الأصول، وعزلها عن مصادرها، وهدم المقومات الأساسية للكيان الفردي والاجتماعي والنفسي والعقلي للمسلمين، ومن شأن هذا أن يفتح الباب إلى الاستسلام أمام الإستعمار وثقافته وفكره، والتأثير في نفوس المسلمين وزحزحة عقائدهم بما يفتح للتبشير المسيحي طريقا إلى تحويل بعض ضعاف العقيدة إلى ملاحدة وأتباع (1) . والخلاصة فقد كان المستشرقون طلائع للمبشرين يمهدون السبيل أمامهم لتشكيك المسلمين في عقائدهم، ويفتحون أمام دعاة النصرانية السبيل للطعن في الإسلام ونبيه صلى الله عليه و آله بأنواع شتى من الشعوذة العلمية باسم البحث والاستنتاج التحليلي. تلاميذ المستشرقين وتبدو خطورة الاستشراق في آثاره الخطيرة التي يفرضها المستشرقون على مناهج التعليم والثقافة والفكر في العالم الإسلامي،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الإسلام في وجه التغريب ص 370، 371.

صفحة 23

ولقد حرص المستشرقون على كسب الأنصار واستخدام الأتباع لترديد مفترياتهم على الإسلام، وافتعال معارك حول عقائده وآدابه ومختلف أحكامه لتعميق المفاهيم التي يريدون فرضها، وترسيخها في الأذهان، وتوسيع دائرة

الانتفاع بها. ولقد كان طه حسين في مقدمة الذين أعلنوا الاعجاب والتقدير لمناهج المستشرقين.

ويعتبر حامل لواء الدفاع عنهم وعن أهوائهم وكثيرا ما يقول: إن هذه الحقيقة أو تلك في تاريخ المسلمين أن فكرهم مما لا يرضى بها الاستشراق وهذا هو أسلوب لا يقوم عليه إلا واحد من أهل التبعية، حتى قال بعضهم: إن طه حسين ليس إلا مستشرقا من أصل عربي وقد كانت أمانته للفكر العربي ولمذاهب الاستشراق تفوق أمانة المستشرقين أنفسهم، وهكذا كان متابعا لهم، مقتنعا بما يقولون إلى أبعد حدود الاقتناع، حتى في تلك المسائل الخطيرة، كقولهم ببشرية الرسول، وبشرية القرآن، وكانت كتاباته توحي بذلك وإن لم يعلنه جهارا، بعد أن صودر كتابه"في الشعر الجاهلي". وأعجب ما في طه حسين ولاؤه الشديد لانطواء المسلمين تحت لواء الغرب، وانصهار الإسلام في بوتقة الأممية، والمسيحية واليهودية والغرب جميعا فهو لا يرى للعرب وللمسلمين سبيلا للنهضة إلا في هذا الانصهار وهذا الاحتواء والذوبان، وقد صرح بذلك في كتبه وخاصة ما أورده في كتاب"مستقبل الثقافة في مصر".

فهو يرى أن العرب قوم مستعمرون كالرومان والفرس. ويظهر اتجاه طه حسين في حرصه على نشر الكتب التي تثير الشبهات وفي مقدمتها"رسائل إخوان الصفا"، وتجديد طبع"ألف ليلة وليلة"، وعنايته بدراسة سير المجان من الشعراء في كتابه"حديث الأربعاء"وهو ثلاثة مجلدات وقد خرج من دراستهم بشبهة مسمومة هي قوله: (إن القرن الثاني للهجرة كان عصر شك ومجون"، وقد اعتمد في بحثه على مصادر أساتذته من المستشرقين اليهود، وعلى"أنساب الأشراف"الذي طبع في الجامعة العبرية في القدس ـ التي تحتلها إسرائيل ـ وجارى مستشرقي اليهود في إنكار شخصية عبد الله بن سبأ"ابن السوداء"، في الشك بوجود"

صفحة 24

إبراهيم وإسماعيل وأعلن أنه يشك في وجودهما بالرغم من الإشارة إليهما في التوراة والقرآن (1) . ومثل طه حسين في هذه التبعية للمستشرقين:

سلامة موسى، وحسين فوزي، وزكي نجيب محمود، ومحمود عزمي، وعلي عبد الرزاق وغيرهم. وقد لقحت مناهج المستشرقين في البحث والنقد العلمي قرائح كثير من تلاميذ المستشرقين فنهجوا نهجهم وأخذوا طريقهم فيما حاولوا من دراسات، وخاصة في مجال الجامعة والثقافة والصحافة، وحملوا نفس الروح التي يحملها أساتذتهم في خصومة الإسلام، وكانوا أشد قسوة على أهليهم من الغربيين (2) آثار الاستشراق

1 ـ كان الاستشراق وراء كل شبهة أو دعوة خطيرة أحدثت تحولا في المجتمع الإسلامي في العصر الحديث، فقد كان المستشرقون يلقون الشبهة أو الدعوة ثم يتبعهم الكتاب و (المفكرون) الذين يكتبون باللغة العربية أهل التبعية والتغريب والشعوبية وهذا واضح في الدعوة إلى العامية التي بدأها ولكوكس وويلمور وغيرهما ثم تابعهما سلامة موسى وأحمد لطفي السيد، في الدعوة إلى الاقليميات والقوميات الضيقة كالفينيقية والفرعونية، بدأها فمبري وكرومر وتابعهما طه حسين ولطفي السيد وغيرهما.

2 ـ يعمل المستشرقون على إخضاع النصوص التي يفرضونها حسب أهوائهم، والتحكم فيما يرفضونه أو يقبلونه من النصوص، وكثيرا ما يحرفون النص تحريفا مقصودا، ويقعون في سوء الفهم ـ وعن عمد أحيانا ـ في معنى النص حين لا يجدون مجالا للتحريف.

3 ـ يتحكم المستشرقون في المصادر التي يختارونها، فهم ينقلون من كتب الأدب ما يحكمون به في تاريخ الحديث النبوي، ومن كتب

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الإسلام في وجه التغريب ص 363، وقد كان هذا الانكار وأمور أخرى سببا في طرد طه حسين من الجامعة المصرية ومصادرة كتابه"في الشعر الجاهلي"ولكن نفوذ الاحتلال الانجليزي سرعان ما أعاده إلى الجامعة ومضى به صعدا لأعلى المناصب.

(2) المرجع السابق ص 363.

صفحة 25

التاريخ ما يحكمون به في تاريخ الفقه، ويصححون ما ينقله الدميري في كتابه (الحيوان) ويكذبون ما يرويه الإمام مالك في (الموطأ)

4 ـ يجمع المستشرقون الشبهات المختلفة ويؤلفون بينها لإعطائها صورة كاملة، مثال ما قام به المستشرق الألماني ولهلم هور نباخ (الأستاذ في جامعة بون بألمانيا) من جمع قطع ونتف وشذرات من كتاب (الإصابة) للحافظ ابن حجر، ثم ينشرها على أنها كتاب (الردة) لابن حجر الذي ألفه أبو زيد ابن الفرات المتوفي عام 237 ه وهو فارسي الأصل، وقد ضاع هذا الكتاب فأشار ابن حجر إليه في بعض المواضع، فما كان من المستشرق ولهلم إلا أن جمع هذه القطع على أنها تراجم لأشخاص ارتدوا عن الإسلام، ولا يقوم بمثل هذا العمل إلا مغرض صاحب هوى، لأنه يخالف البحث العلمي السليم. وشبيه هذا ما أورده المستشرقون من الزعم بأن العرب كانوا قبل البعثة النبوية على حضارة ونهضة، وأن دور النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لم يزد على أنه نهض بهم فنهضوا مع أن الحقيقة الواضحة أن العرب في جاهليتهم كانوا قبائل متفرقة متصارعة، وأن الإسلام هو الذي وحدهم في أمة واحدة، ودفعهم إلى آفاق النهوض والتوسع:

(لو أنفقت ما في الأرض جميعا ما ألفت بين قلوبهم ولكن الله ألف بينهم) (الأنفال: 63) ، (واذكروا إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بتعمته إخوانا وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها) (آل عمران:103) .

5 ـ وقد حرص المستشرقون على التنويه بشأن"القرامطة"وإظهارهم بمظهر طلاب العدل والاصلاح، وهم الذين عجزوا عن أن يحققوا أي منهج يمكن أن يوصفوا به على أنهم دعاة حق حين امتلكوا زمام الحكم في القرن الرابع الهجري، بل انكشف باطلهم وزيفهم، وظهرت حقيقتهم صنائع لليهود انقضوا على الدولة الإسلامية بالتآمر والتعاون مع أعداء المسلمين وخصومهم.

6 ـ وعمل المستشرقون على إحياء التراث الباطني المجوسي

صفحة 26

والغنوصي القديم مستهدفين تحطيم أصالة الفكر الإسلامي، ويبدو هذا واضحا في تركيزهم على إحياء كل المخطوطات التي تحمل هذه السموم، وخاصة ما يتصل بالإلحاد والإباحية، وما يتصل بوحدة الوجود والحلول والاتحاد، والمجون أمثال شعر بشار بن برد، وأبي نواس، وكتب الحلاج وابن عربي، وابن سبعين، وكتب غلاة الرافضة والاسماعيلية والفاطميين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت