صفحة 19
وقد بدأ الاستشراق في الأندلس (أسبانيا) في القرن السابع الهجري، حين اشتدت حملة الصليبيين الأسبان على المسلمين فدعا (الفونس) ملك قشتالة مشيل سكوت ليقوم بالبحث في علوم المسلمين وحضارتهم، فجمع سكوت طائفة من الرهبان في بعض الأديرة بالقرب من مدينة طليطلة وشرعوا يترجمون بعض الكتب من اللغة العربية إلى لغة الفرنجة ثم قدمها سكوت لملك صقلية الذي أمر باستنساخ نسخ منها وبعث بها هدية إلى جامعة باريس. وكذلك قام رئيس أساقفة طليطلة ريمون لول بنشاط كبير في الترجمة، ومع الزمن توسع الأوروبيون بالنقل والترجمة في مختلف الفنون والعلوم من إلهيات وطب وهندسة وفلك وغيرها، وبعد اختراع الطباعة أنشئت في أوروبا مطابع عربية لطبع عدد من الكتب التي كانت تدرس في المدارس والجامعات الأوروبية. ولم يكن عمل المستشرقين منفصلا عن عمل المبشرين بل كانت مهمة كل من الطائفتين تدخل في الأخرى. وكان فشل الصليبيين في حملاتهم المتوالية على الشرق الإسلامي دافعا للمزيد من الاهتمام بالثقافة الإسلامية، وقد ظهرت أخيرا وثيقة خطيرة تلقي الضوء على تحول الصليبيين من الغزو العسكري إلى الغزو الفكري، وهذه الوثيقة تتضمن وصية (القديس) لويس ملك فرنسا وقائد الحملة الصليبية الثامنة التي انتهت بالفشل والهزيمة ووقوع (لويس) في أسر المصريين في مدينة (المنصورة) ، وقد بذل الملك لويس فدية عظيمة للخلاص من الأسر، وبعد أن عاد إلى فرنسا أيقن أنه لا سبيل إلى النصر والتغلب على المسلمين عن طريق القوة الحربية، لأن تدينهم بالإسلام يدفعهم للمقاومة والجهاد وبذل النفس في سبيل الله لحماية ديار الإسلام وصون الحرمات والأعراض به والمسلمون قادرون دوما للانطلاق من عقيدتهم إلى الجهاد ودحر الغزاة. وأنه لا بد من سبيل آخر، وهو تحويل التفكير الإسلامي وترويض المسلمين عن طريق الغزو الفكري. بأن يقوم العلماء الأوروبيون بدراسة الحضارة الإسلامية ليأخذوا منها السلاح الجديد الذي يغزون به (الفكر) الإسلامي، وهكذا تحولت المعركة من ميدان السلاح إلى معركة في ميدان العقيدة والفكر بهدف تزييف عقيدة المسلمين الراسخة التي تحمل طابع الجهاد وتدفع المؤمنين إلى الاستشهاد. وقد سار الأوروبيون في طريق تنفيذ وصية القديس لويس في
صفحة 20
تزييف العقيدة الإسلامية وامتصاص ما فيها من قوة وجهاد وإيمان عن طريق التفرقة بين العقيدة والشريعة، وتصوير الإسلام بصورة الدين الذي يبذل غاية همه في العبادة كالمسيحية، إلى أن وصلوا إلى الفصل بين الدين والدولة، وفقد المسلمون ذلك السر الخطير الكامن في أصالة عقيدتهم وجوهر دينهم (1) . ويرى كثير من الباحثين أن الاستشراق تولد من الإستعمار والتبشير.
فالاستعمار: يرى في المفهوم الإسلامي السليم ما يعطي المجتمع الإسلامي قوة تحول بينه وبين سيطرة الإستعمار، فعمل المستشرقون على تقويض العقيدة الإسلامية، وإحلال مفاهيم تحل الصداقة بين الدول الغالبة والمغلوبة محلها، تحت اسم: الحضارة، أو العالمية، أو وحدة الثقافة والفكر البشري. وأما التبشير فإنه يستهدف الحيلولة دون توسع الإسلام وانتشاره، وعدم منافسته المسيحية في البلاد التي تحاول القيام بالتبشير ونشر المسيحية فيها. والخطر الأكبر في نظر المبشرين هو في وصول مفاهيم الإسلام الصحيحة إلى عالم الغرب نفسه، ومما يذكر أن المسلمين لما فتحوا مدينة القسطنطينية ـ عاصمة الدولة الرومانية الشرقية، وفيها مركز البابوية للكنائس الشرقية ـ هب رجال الكنيسة وقد هالهم الخطب العظيم، فأخذوا في الافتراء والتشنيع على الإسلام وتشويه أحكامه الإلهية العادلة، وكان الدافع لهم في هذه الحملة الحيلولة بين رعاياهم الذين أقبلوا على الدخول في دين الله أفواجا، ليصدوهم عن الإسلام الذي يبيح تعدد الزوجات والطلاق.
وجاءت الصهيونية فدخلت ميدان الاستشراق لتحول دون اجتماع المسلمين في وحدة تقاوم اليهودية العالمية، وتواجه دولة اليهود الباغية (إسرائيل) ، والمستشرقون اليهود يعملون في هذا المجال.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) (الإسلام في وجه التغريب: مخططات الاستشراق والتبشير) للأستاذ أنور الجندي ص 7، 8.
صفحة 21
تطور الاستشراق وفي مطلع القرن الثالث عشر الهجري (أواخر القرن الثامن عشر الميلادي) عمد المستشرقون إلى تغيير أساليبهم وأرادوا أن يظهروا بمظهر جديد هو ما زعموه من تحرير الاستشراق من الأغراض التبشيرية، والإتجاه به وجهة البحث العلمي البحت فأنشئت كليات لتدريس اللغات الشرقية في عواصم أوروبا مثل لندن وباريس وليدن وبرلين وبطرسبرج وغيرها، وظهرت فيها أقسام خاصة لدراسة اللغة العربية وبعض اللغات الإسلامية كالفارسية والتركية والأردية وكان الغرض الأول منها تزويد السلطات الاستعمارية بخبراء في الشئون الإسلامية، ثم أخذ الطلاب المسلمون يؤمون هذه الكليات الأوروبية للدراسة فيها، وبذلك تأثر الفكر الإسلامي بما يلقيه المستشرقون في أذهان هؤلاء المبعوثين من أبناء المسلمين ثم تسلل المستشرقون إلى الدوائر العلمية والجامعات في الدول الإسلامية، بل إلى المجامع العلمية في القاهرة ودمشق وبغداد، وقامت المؤسسات الدينية والسياسية على المستشرقين، وتقديم المنح والمعونات لهم. وقد أنشأت الدول الاستعمارية عدة مؤسسات في البلاد الإسلامية التي خضعت لنفوذها لخدمة الاستشراق ظاهريا، وكان هدفها الحقيقي خدمة الإستعمار والتبشير الكاثوليكي والبروتستانتي، من هذه المؤسسات في مصر: المعهد الشرقي بدير الدومينيكان، والمعهد الفرنسي، وندوة الكتاب، ودار السلام، والجامعة الامريكية.
وفي لبنان: جامعة القديس يوسف (وهي جامعة بابوية كاثوليكية وتعرف الآن بالجامعة اليسوعية) والجامعة الامريكية ببيروت، (وكانت تسمى من قبل الكلية السورية الانجيلية وهي بروتستنتية) .
في سورية: مدارس اللاييك، والفريد، ودار السلام، وغيرها وهكذا في كل الأقطار الإسلامية أهداف المستشرقين
أولا: الحيلولة بين الشعوب النصرانية وبين الإسلام، فقد عمل المستشرقون على تشويه الإسلام وحجب محاسنه لإقناع قومهم بعدم صلاحيته لهم نظام حياة، ولعل هذا هو أخطر الجوانب التي قام لأجلها
صفحة 22
الاستشراق والتبشير وذلك في أعقاب الحروب الصليبية وعودة المحاربين إلى أوروبا، يحملون صورة مشرقة لمعاملات المسلمين لهم وسماحة الإسلام، وقد عمد رجال الكنيسة إلى إخراس الألسنة المنصفة، وحاولوا ترجمة القرآن لتزييف مفاهيمه وانتقاصها. وقد استغل الاستشراق كراهية الأوروبيين للاسلام بعد التوسع العثماني في أوروبا وما صحبه من تعصب وحروب استمرت عدة قرون، فعمل المستشرقون على تعميق الكراهية والأحقاد في نفوس الأوروبيين وتغذيتها بالشبهات والأباطيل بهدف حجب الإسلام عن أوروبا والحيلولة دون نفاذه إليها.
ثانيا: تأييد الغزو الإستعماري لبلاد المسلمين والعمل لتحطيم المقاومة الإسلامية، بتأويل الجهاد وصرف أنظار المسلمين إلى الدعة والقعود عن الجهاد في سبيل الله ومدافعة الغزاة بالاشتغال بالعبادة والزهد وتسميتها بالجهاد الأكبر وتحطيم وحدة المسلمين وتمزيق الدول الإسلامية، وعزل الشريعة الإسلامية عن التطبيق في المجتمع الإسلامي وإحلال الأنظمة القانونية والاقتصادية والسياسية والتربوية لتحل محل الإسلام بالقوة.