(أمن يهديكم في ظلمات البر والبحر ومن يرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته. أءله مع الله تعالى الله عما يشركون* أمن يبدأ الخلق ثم يعيده ومن يرزقكم من السماء والأرض أءله مع الله قل هاتوا برهانكم أن كنتم صادقين) ( النمل: 63ـ64)
صفحة 13
الباب الأول: الاتجاه الغربي.
الفصل الأول: مراحل الغزو الفكري الغربي.
الفصل الثاني: التغيير السياسي والاجتماعي في المنطقة الإسلامية.
الفصل الثالث: ماذا يفعل بنا الصليبيون.
صفحة 15
الفصل الأول
مراحل الغزو الفكري الغربي
مقدمة
وجود الغرب المسيحي هنا في شرقنا الإسلامي لم يكن صدفة بدأ بالوجود المادي العسكري وتبعه الاستشراق والتبشير (الوجود المعنوي) وأعقبه مرة أخرى الوجود العسكري (الإستعمار وتقطيع أوصال دولة الخلافة الإسلامية) ثم أعقبه بث فكرة فصل الدين عن الدولة، وفكرة القومية، ثم الاجهاز على الخلافة الإسلامية، وأخيرا حين رحلت جنوده أبقى له جنودا آخرين من جلدتنا ويتحدثون بلساننا وبهم أجرى التغيير السياسي المطلوب، وأجرى التغيير الاجتماعي المقصود. ولنحاول أن نقسمها إلى ثلاث مراحل:
المرحلة الأولى: مرحلة ما قبل إسقاط الخلافة الإسلامية ونتحدث عنها في مبحث أول.
المرحلة الثانية: مرحلة الاجهاز على الخلافة الإسلامية ونتحدث عنها في مبحث ثان.
المرحلة الثالثة: مرحلة ما بعد إسقاط دولة الخلافة ونتحدث عنها في مبحث ثالث.
صفحة 16
المبحث الأول
مرحلة ما قبل إسقاط الخلافة الإسلامية وتبدأ بالحروب الصليبية ثم الاستشراق، ثم التبشير.
أولا: الحروب الصليبية:
لسنا تكتب تاريخا ولكننا نستخلص عبرا من الحقائق التاريخية المسلم بها فمن هذه الحقائق أن الغرب جرد حملات غزت الشرق الإسلامي باسم الصليب وتحت رايته، وكان رجال الكنيسة في أوروبا يدفعون الملوك والشعوب إلى هذه الحروب (1) فاتخذت بذلك طابعا دينيا شكلا وموضوعا، وكان تفرق المسلمين إلى دويلات وضعف دولتهم مشجعا على ذلك الغزو وليس صحيحا ما يحاول بعض الكتاب العرب تصويره من أنها كانت مجرد حملات استعمارية
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) أول من دعا إلى الحروب الصليبية ـ كما يقول صاحب كتاب حاضر العالم الإسلامي هو البابا سلفستر الثاني سنة 1002 م ولكنه لم يوفق، ثم البابا خريغوريوس سنة 1075 م لكنها تأخرت حوالي عشرين سنة حتى سنة 1097 م ـ وكان كتاب النصارى ومفكروهم يحرضون عليها كذلك نذكر منهم:
هلتون ساتيتو، ومارينو، بيين ديبوا، جيلوم دى نوجارى، ريموند لول بتراك. وفي كتاب تاريخ البابوات تأليف السيد فرناند هايوارد بيان كيف ألب البابوات ملوك أوروبا لحرب المسلمين وكيف حاولوا بأنفسهم قيادة هذه الحروب الصليبية راجع حاضر العالم الإسلامي تأليف لوثروب ستودارد ـ نقله إلى العربية الأستاذ عجاج نويهض وعلق عليه تعليقات مستفيضة الأمير شكيب أرسلان ـ دار الفكر الطبعة الثالثة 1391 ه 1971 م ص 218. وقد كتب كارلس الثامن إلى رئيس فرسان رودس يكاشفه بما نواه من نشر الديانة المقدسة الكاثوليكية وتحرير المسيحيين مما هم فيه من الخنوع للأمية الجاحدة واسترداد الأراضي المقدسة المغصوبة فأجابه رئيس الفرسان متيما مؤملا هذه المرة استئصال شأفة الأمة الملعونة أمة محمد ص 59 من كتاب مائة مشروع لتقسيم تركيا ـ تأليف المسيو دجوقارا (الأماني المرجع السابق) ( ص 228) . ويشير المؤرخون إلى أن الحملة الصليبية عند دخولها بيت المقدس في 15 يوليو 1099 م الموافق 3 رمضان 493 ه ذبحت أكثر من سبعين ألف مسلم حتى سبحت الخيل إلى صدورها في الدماء وفي أنطاكية قتلوا في الطريق أكثر من مائة ألف مسلم. راجع ـ حاضر العالم الإسلامي. وراجع كذلك جوستاف لوبون في كتابه: حضارة العرب
صفحة 17
باحثة عن المصالح الاقتصادية نعم قد يكون الإستعمار والاستغلال الاقتصادي من أهدافها، لكنه بالتأكيد ليس الهدف الأول الرئيسي، إنما كان هذا هدفا دينيا ولم تكن حماسة رجال الدين المسيحي ولا مشاركتهم في هذه الحملا ت عفوا ولا لغوا، ولكنه كان قصدا إلى الانتقام من غزو الإسلام لقلب أوروبا، حتى صار البحر الأبيض المتوسط بحيرة إسلامية خالصة، وحتى بلغ المسلمون جنوب فرنسا ثم قصدا بعد الانتقام إلى إدخال المسلمين في المسيحية ذاتها، وهو ما ستفسره المرحلة التالية لهذه الحروب والأمران يفسرهما قول الله سبحانه وتعالى:
(ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم) (البقرة: 120)
وقوله: (ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا) (البقرة:217)
وقد يكون صحيحا ما أشار إليه كاتب أمريكي (1) ، من أن اليهود كانوا وراء الحروب الصليبية قصدا إلى إضعاف العالمين المسيحي والإسلامي كما أشار، ثم تحقيقا لمزيد من الكسب والربا أثناء تلك الحروب لكن لو يحركهم اليهود لتحركوا كذلك فإن ما بدا منهم في تلك الحروب ينم عن حقد دفين، وما تخفي صدورهم أكبر. العصمة في الإسلام للأمة لا للإمام:
ولئن كانت الدولة الإسلامية في ذلك الحين مفككة الأوصال فلقد جعل الله من معجزات دينه بعد القرآن هذه الأمة فلقد حولها القرآن بحق خير أمة أخرجت للناس، حتى صار ما قيل من أن العصمة في الإسلام للأمة لا للإمام أخذا من قول الرسول (صلى الله عليه وسلم) "لا تجتمع أمتي على ضلالة"، ثم استمدادا من أحداث التاريخ التي ظلت معها الأمة الإسلامية صامدة شامخة برغم ما وجه إلى صدرها وقلبها من سهام وحراب!. انتفضت الأمة لما رأت الصليب فوق رؤوس أعدائها انتفضت تحارب أعداء الله وأعداءها بكل سبيل، واسترخصت الدم والروح في سبيل الله وتعجلت لقاء الله وجنته فأعطاها الله الحسنيين النصر والجنة وارتدت حملات الصليب على أعقابها خاسرة بعد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الكاتب الأمريكي وليام فاى كار
صفحة 18
معارك طاحنة استمرت قرنين كاملين وفي قصص التاريخ لبطولات المسلمين في هذه الحروب وتفننهم فيها ما يحتاج إلى أن يكتب بأحرف من نور. وبرز نور الدين الشهيد محمود بن زنكى التركي ثم برز صلاح الدين الأيوبي الكردي وغيرهما ممن قادوا جماهير الأمة إلى النصر لتثبت عالمية هذه الدعوة فلا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى وجاهد جماهير من التركستان الحبيبة (التي ترزح تحت الإلحاد الشيوعي المجرم) وحرروا أرض الإسلام من جحافل الصليبية الحاقدة بينما لم، يجد هؤلاء من يقف إلى جوارهم يوم أعدمت روسيا منهم ثلاثة ملايين! وأيقن الغرب المسيحي أنه مهما ضعفت دولة الإسلام فإنه لن يستطيع النيل منها ومن أمتها حتى ينال أولا عقيدتها وفكرها وكانت المرحلة الثانية ـ مرحلة الاستشراق والتبشير.
ثانيا: الاستشراق:
وقبل أن يظهر التبشير كبديل عن الحروب لتحطيم عقيدة المسلمين وفكرهم نشير إلى أن الحروب الصليبية أنتجت كذلك إنتاجا فكريا (هو الاستشراق) إذ نفر قوم من الغربيين يدفعهم التعصب الصليبي إلى الكتابة عن الإسلام فأفقدهم التعصب أمانة العلم، وعمدوا إلى تشويه الإسلام من عدة نواح:
ـ فرددوا أن القرآن من وضع محمد عليه الصلاة والسلام، وأن سذاجة الصحابة وإيمانهم دفعهم إلى نقله على أنه من عند الله. ـ وخلطوا في مصادر الأحكام الإسلامية بين المصادر الإلهية (القرآن والسنة) وبين الاجتهاد ونظروا إلى الجميع على أنها من صنع البشر فسووا بينها في المنزلة! ـ ودعوا إلى التصوف الإسلامي لما يؤدي إليه في أكثر الأحيان من صرف أصحابه عن الجهاد وهو أكثر ما يثير الصليبيين ويفزعهم (راجع الصوفية في الإسلام للمستشرق نيلكسون ص 7، 8.)