وهذه العقبة الخطيرة - اتباع الهوى - تحتاج من الدعاة إلى صبر طويل وإلى جهاد مرير لهوى النفس وشهواتها والاستعلاء على رغباتها طاعة لله وطمعًا في رضاه وهذا لا يكون إلا بالتجرد والإخلاص والعمل ابتغاء مرضاة الله جل وعلا ، بغض النظر على لسان من أُعلنت كلمةُ الحق ما دامت كلمةُ الحق ستقال ، وبغض النظر عن من الذى سيرفع راية الإسلام ما دامت راية الإسلام ستظل مرفوعة خفاقة عالية تعانق كواكب الجوزاء ، وبغض النظر عن مكاننا على طريق الدعوة هل هو في مكان الصدارة والقيادة أم هو في المؤخرة بين صفوف الجنود ما دام عملنا على طول الطريق خالصًا لله جل وعلا نسأل الله تعالى أن يجعل أعمالنا وأقوالنا موافقة لمرضاته إنه على كل شئ قدير
وبعد - فيا أيها الأحبة - هذه هى بعض العقبات التى ستعترض مسيرنا المبارك على طريق الدعوة الشاق الطويل ، فتعالوا بنا لنتزود بالزاد الذى ينير لنا هذا الطريق حتى لا نصطدم في عقبة من هذه العقبات ، أو ننزلق في أى منعطف من المنعطفات ، ودعونا ابتداءً نحدد لمن يكون هذا الزاد ؟!
الخاطرة السادسة
لمن يكون الزاد ؟
نعم فلأى صنف من الدعاة يكون هذا الزاد ؟ لأن الدعاة صنفان:
الأول: دعاة على أبواب جهنم
الثانى: دعاة على أبواب الجنة
وليس هذا التصنيف من عند أنفسنا ولكنه تصنيف من لا ينطق عن الهوى - بأبى هو وأمى - e
ففى الصحيحين من حديث حذيفة بن اليمان tقال: كان الناس يسألون رسول الله e عن الخير وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يدركنى ، فقلت: يا رسول الله ، إنا كنا في جاهلية وشرًّ ، فجاء الله بهذا الخير ، فهل بعد هذا الخير من شرًّ؟
قال: نعم
قلت: وهل بعد هذا الشر من خير ؟
قال: نعم وفيه دخن
قلت: وما دخنه ؟
قال: قوم يهدون بغير هديى ، تعرف منهم وتنُكر
قال: فهل بعد ذلك الخير من شر ؟
قال: نعم ، دُعاة على أبواب جهنم ، من أجابهم إليها قذفوه فيها
قلت: يا رسول الله ، صفهم لنا
قال: هم من جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا
فقلت: فيما تأمرنى إن أدركنى ذلك ؟
قال: تلزم جماعة المسلمين وإمامهم
قلت: فإن لم يكن لهم جماعة ولا إمام ؟
قال:"فاعتزل تلك الفرق كلها ولو أن تعضًّ بأصل شجرة حتى يدركك الموت وأنت على ذلك" (173) ولمسلم نحوه ، وفيه قلتُ:"ما دخُنه؟ قال: قوم لا يستنون بسنتى وسيقوم فيهم رجال قلوبهم قلوب الشياطين في جثمان إنس ، قلت: كيف أصنع يا رسول الله إن أدركت ذلك ؟ قال: تسمع وتطيع وإن ضرب ظهرك ، وأخذ مالك فاسمع واطع" (174)
فزادنا الذى نقدمه في الخواطر المقبلة إلى هذا الصنف المبارك إلى الدعاة إلى الله عز وجل ، الذين وصفهم النبى e في الحديث الصحيح عن معاوية tقال: سمعت رسول الله e يقول:"لا تزال طائفة من أمتى قائمة بأمر الله ، لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتى أمر الله وهم ظاهرون على الناس" (175)
إن هذا الزاد لهؤلاء الدعاة الربانيين الذين وقفوا على باب الجنة يدعون إليها الناس بأقوالهم وأفعالهم
إنهم الدعاة الصادقون الذين يتحركون بدعوتهم خالصة إلى الله عز وجل ، من منطلق فهم صحيح لقول الله جل وعلا: )قل هذه سبيلى أدعوا إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعنى وسبحان الله وما أنا من المشركين(
فهم لا يدعون إلى قومية أو عصبية !
ولا يدعون إلى دنيا أو جاه !
ولا يدعون إلى مصلحة أو مغنم !
ولا يدعون لتملق أو هوى !
ولا يدعون لكرسى زائل أو منصب فان !
ولا يدعون لجماعة بعينها أو إمام بذاته !
بل جماعتهم هى جماعة المسلمين ، ومنهجهم هو القرآن والسنة ، وإمامهم هو إمام الهدى ومصباح الدُّجى محمد e ، وطريقهم هو طريق السلف رضوان الله عليهم
إنهم الناصحون المصلحون
إنهم الداعون إلى تحرير البشر من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة
إنهم المنادون بتخليص الأمة من عصابة الطواغيت التى استبدت بها فغيرت للأمة دينها وعكرت عليها دنياها وأخراها
إنهم قادة سفينة الإنقاذ بقوة وجدارة في وسط هذه الرياح الهوجاء والأمواج المتلاطمة العاتية
إنهم الشموع التى تحترق لتضئ للناس طريق الهدى والحق والنور
إنهم وعى الأمة المستنير
إنهم فكر الأمة الحر
إنهم قلب الأمة النابض
إنهم أطباء القلوب المريضة ، والنفوس الجريحة
إنهم قادة الأمة الذين تتجمع عليهم القلوب وتتآلف حولهم النفوس
ومن ثم توجه إليهم الحرب بمنتهى الشراسة والضراوة بمناسبة وبدون مناسبة!!
وها نحن نرى وسائل الإعلام المرئية والمسموعة والمقروءة تشن عليهم حملة مسعورة شرسة !!
فهم الأصوليون والوصوليون !!
وهم الفضوليون والفوضويون !!
وهم دُعاة الشغب والفتنة !!
وهم المتنطعون والمتشددون !!
وهم الإرهابيون والمتطرفون !!
وهم السطحيون والتافهون !!
وهم سبب تأخر الأمة وسر تخلفها !!
وهُمْ وهُمْ وهُمْ إلى أخر هذه التهم المعلبة والجاهزة التى تكال في الليل والنهار !!
وها هى بعض التهم بنصها على صفحات الجرائد والمجالات لنسوقها لكل منصف وندع له الحكم !!
قال أحدهم على صفحات جريدة السياسة الكويتية (176) :
1."الملتحون الجدد ضعاف الشخصية ، إذا جلسوا في المجالس لا يتحدثون ولا يناقشون إنما ينظرون إليك كالمخدرين"
2."بعض الملتحين تذكرك أشكالهم بالصحابة وبعضهم يذكرونك بكفار قريش" (177)
3."ولكنهم في الحقيقة لا يعرفون شيئًا عن العالم لأن عقولهم محدودة الفهم حتى وإن كانوا مثقفين فثقافتهم محدودة" (178)
4."وخلت المساجد من الأحزاب الدينية في صلاة العصر والفجر ، العصر لأنهم بعد أن يفترسوا الخراف ظهرًا يشربون اللبن وينامون حتى غروب الشمس ، والفجر لأنهم يحيكون المؤامرات ليلًا ويسهرون حتى الصباح بعيدًا عن أعين رجال الأمن" (179)
5."أحذركم من الذى يواظب على الصلوات الخمس وهو يغتسل من جنابة الزنا في حمام المسجد" (180)
ثم تجاوز الأمر حدًّه ، فلم ينل - فقط - الدعاة وطلبة العلم وأبناء الصحوة بل لقد نال الدين والصحابة أيضًا !! وإلى حضراتكم بعض النماذج
6."الدين واللغة والتقاليد ثلاثة أمراض اجتماعية" (181)
7."الفضيلة والكرامة تعترضان مسيرة النجاح" (182)
8."عادل إمام مثل إبى ذر الغفارى يمشى وحده ويموت وحده ويبعث يوم القيامة وحده" (183)
9."عمر بن عبد العزيز ومالك بن أنس يُذكران في طبقات المغنين، والسبب نشأتهما في المدينة المنورة حيث يتعانق الفن والدين عناقًا حارًا" (184)
10."ماذا لو قالت امرأة: هذا الرجل صديقى" (185)
11."فى حياتنا اهتمامات لا داعى لها ويمكن أن نلغيها كمعامل الأبحاث الذرية مثلًا لأننا لن نستفيد منها شيئًا لكن سوف نستفيد كثيرًا لو أنشأنا مدرسة للرقص الشرقى تتخرج منه راقصة مثقفة متعلمة لجذب السياح" (186)
وأعتقد أن في هذا كفاية لكل من كان له قلب ينبض وعقل حر أبىَّ !! يتسأل مع نفسه
هل هذا فكر أم سبّ وقذف ؟!
هل هذا حوار أم إشعال للنار ؟!
هل هذه هى أمانة الكلمة ؟!
هل هذا هو دور الإعلام في البناء والإصلاح ؟!
هل هذه هى إفرازات الصحف والمجلات ؟!
هل أصبح الدعاة إلى الله عز وجل والإسلاميون من ورائهم هم المشجب الذى تعلق عليه جميع الأخطاء من قهر سياسى ، وظلم اجتماعى ، وتحلل إعلامى وفساد خلقى، وتدهور علمى ، وانهيار اقتصادى ؟!
هل أصبح الدعاة إلى الله عز وجل هم سببُ تخلف الأمة ، وسُّر تأخرها و معول هدم حضارتها الحديثة ؟!