فهرس الكتاب

الصفحة 230 من 3028

وذكر الله جل وعلا القلة ومدحها وأثنى عليها فقال سبحانه وتعالى: )وقليل من عبادى الشكور (( 155)

وقال جل شأنه: )إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وقليل ما هم (( 156)

وقال تعالى: )وما آمن معه إلا قليل (( 157)

وقال تعالى: )فلما كتب عليهم القتال تولوا إلا قليلًا منهم (( 158)

وقال سبحانه: )ولولا فضل الله عليكم ورحمته لاتبعتم الشيطان إلا قليلا (( 159)

بل وفى الحديث الصحيح عن ابن عباس رضى الله عنهما عن النبى قال:"عرضت علىّ الأمم فرأيت النبى ومعه الرهط والنبى ومعه الرجل والرجلان والنبى وليس معه أحد" (160)

فلا ينبغى أن نغتر بالكثرة الهالكة وأن نحتقر القلة السالكة لطريق الحق والهدى، ورحم الله الحسن البصرى إذ يقول:"السُنة والله الذى لا إله إلا هو بين الغالى والجافى فاصبروا عليها رحمكم الله فإن أهل السنة كانوا أقل الناس فيما مضى وهم أقل الناس فيما بقى"

وهى الفئة الغالبة المنصورة بإذن الله ، قال تعالى: )كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله (( 161)

وفى الحديث الصحيح عن معاوية t قال: سمعت النبى r يقول:"لا تزال طائفة من أمتى قائمة بأمر الله ، لا يضرهم من خذلهم أو خالفهم حتى يأتى أمر الله وهم ظاهرون على الناس" (162)

وفى رواية لمسلم عن عقبة بن عامر tأنه e قال:"لا تزال عصابة من أمتى يقاتلون على الحق لا يضرهم من خالقهم حتى تأتيهم الساعة"

نسأل الله تعالى أن يجعلنا وإياكم من هذه القلة المؤمنة السالكة لطريق الحق والخير والهدى أنه ولى ذلك ومولاه

العقبة الرابعة

حب الدنيا وكراهية الموت

إنه الداء العضال الذى حذر منه النبى - e - أمته ولكن وقع ما حذر منه رسول الله وأصبحنا نعيش عصرًا طغت فيه الماديات والشهوات بصورة عارمة صرفت كثيرًا من"المسلمين"عن الآخرة ، وراحوا يعمرون دنياهم وليتهم مع ذلك عمروا أخراهم بل امتلأت قلوبهم حرصًا وطمعًا وجبنًا وتخلوا عن الدعوة إلى الله عز وجل وجبنوا عن الجهاد في سبيل الله ، بل أصبحوا - هم - في أمس الحاجة إلى دعوة بدلًا من أن يكونوا - هم - أصحاب الدعوة ورافعوا لوائها !!

والحق أنه من يوم أن تمكن هذا الداء في الأمة - إلا من رحم ربك - ذلت الأمة وهانت على جميع الأمم بل وتجرأ عليها الذليل قبل العزيز والضعيف قبل القوى والقاصى قبل الدانى وقد بين ذلك - أوضح بيان - من لا ينطق عن الهوى في حديث ثوبان t ، عن رسول الله e قال:"يوشك أن تداعى عليكم الأمم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها قالوا: أو من قلة نحن يومئذ يا رسول الله ، قال: بل أنتم يومئذ كثير ولكنكم غثاء كغثاء السيل ، ولينزعن الله من صدور عدوكم المهابة ، وليقذفن الله في قلوبكم الوهن فقالوا: وما الوهن ، قال: حب الدنيا وكراهية الموت" (163)

وهذه العقبة الخطيرة تحتاج من الدعاة جهدًا كبرًا وزادًا من الإخلاص والقدوة والصبر لا ينفد ولا ينتهى ، لتذكرة الناس بحقيقة الدنيا وإلا فكيف تدعو أناسًا لبذل المال والمهج والأرواح في سبيل الله تربع حب الدنيا على عروش قلوبهم وخلدوا إلى الأرض والوحل والطين فلابد - ابتداءً - أن نعرفهم حقيقة دنياهم وأنها ليست نهاية المطاف كلا بل إنها دار ممر والآخرة هى دار المقر )يا قوم إنما هذه الحياة الدنيا متاع وإن الآخرة هى دار القرار (( 164)

وأنها مهما طالت فهى قصيرة ، ومهما عَظُمت فهى حقيرة ، لأن الليل مهما طال لابد من طلوع الفجر ، ولأن العمر مهما طال فلابد من دخول القبر )وما هذه الحياة الدنيا إلا لهو ولعب وإن الدار الآخرة لهى الحيوان لو كان يعلمون (( 165)

ويبين النبى e حقارتها في الحديث الصحيح يوم أن مَّر بالسوق والناس كنفتيه (166) ، فمر بجدى أسَك (167) مَيَّتٍ فتناوله فأخذ بإذنه ثم قال:"أيكم يحب أن يكون هذا له بدرهم ؟ فقالوا: ما نُحبُ أنه لنا بشئ وما نصنعُ به ؟! ثم قال: أتحبون أنه لكم ؟ قالوا: والله لو كان حيًَّا كان عيبًا فيه لأنه أسكٌ فكيف وهو ميت فقال: فوالله للدنيا أهونُ على الله من هذا عليكم" (168)

ورحم الله من قال:

إنما الدنيا إلى الجنة والنار طريقُ والليالى متجر الإنسان والأيام سوق

ولتحويل هذه المعانى إلى واقع - من جديد - يحتاج إلى جهاد طويل وصبرٍ مرير

العقبة الخامسة

اتباع الهوى

وهذه هى القاصمة التى تصمُّ الآذان عن سماع الحق وتعمى الأبصار عن رؤية الدليل ولو كان صحيحًا )ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله (( 169) ولخطورة هذا الداء العضال حذر الله جل وعلا منه نبيًا كريمًا من أنبيائه فقال سبحانه: )يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله إن الذين يضلون عن سبيل الله لهم عذاب شديد بما نسوا يوم الحساب (( 170)

نعم فالهوى مِلك عَسُوف ، وسلطان ظالم ، دانت له القلوب وانقادت له الجوارح - إلا من رحم ربك -

وكل امرئ يدرى مواقع رشده

يشير عليه الناصحون بجهدهم

هوى نفسه يعميه عن قصد رشده

ولكنه أعمى أسيرُ هواهُ

فيأبى قبول النصح وهو يراهُ

ويبصر عن فهمٍ 0 عيوبَ سواه

ورحم الله من قال:

فهذه العقبة الخطيرة من أعظم التحديات التى تواجه الحركة الإسلامية في هذه الظروف الحرجة ، وما يقع من فصائل العمل الإسلامى خير شاهد على ما نقول ، وهذا واقع مر لا يغفل عنه إلا من حبس نفسه في مكتب مكيف أو جلس يُنَّظرُ للحركة من برج عاجى !!

فما زلنا نرى من أبناء الحركة الإسلامية من إذا تكلم عن جماعته التى ينتمى إليها ويدعو لها تغاضى عن جميع أخطائها ولو بُين له ذلك بالدليل من القرآن والسنة الصحيحة، وعارض نور الضُحى بنور السُّهى وظل يبرر ويبرر حتى تصل أخيرًا هذا الأخطاء - أحيانًا - إلى محاسن !

فجماعته هى جماعة المسلمين ، وهى وحدها التى على الحق وما عداها من الجماعات فهى على الباطل (171) ، وكل ما تفعله جماعته فهو شرعى وكل ما يصدر عنها فهو الصواب ، وكل تاريخها أمجاد ، وكل رجالها وقاداتها ملائكة !!

فإن تحدث عن شيخه أو أميره في الجماعة ، بالغ مبالغة كبيرة ، فشيخه هو الأوسع علمًا ، والأقوى حُجة ، والأنصع دليلًا ، وإن قال شيخه قولًا صار حجةً لا ينبغى أن تناقش ، وإن أفتى شيخه فتوى صارت مُلزمةً لا ينبغى أن تُرد ، بل وقد يوالى ويعادى إخوانه عليها ، علمًا بأن الله تعالى ما تعبدنا بقول فلان أو فلان من العلماء والأئمة كلا، إنما تعبدنا بما جاء في القرآن الكريم وما صح عن رسوله الأمين e وكل عالم أو إمام يؤخذ منه ويُرد عليه إلا المعصوم e فهو وحده الذى يؤخذ منه ولا يرد عليه )وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحىُ يوحى(

ومن أجمل ما قاله شيخ الإسلام ابن تيمية - طيب الله ثراه - قوله:"وصاحبُ الهوى يُعميه الهوى ويصمٍّه ، فلا يستحضر مالله ورسوله في ذلك ، ولا يطلبه ولا يرضاه بهواه ، ويغضب إذا حصل ما يغضب له بهواه ، ويكون مع ذلك معه شبهة دين: أن الذى يرضى له ويغضب له أنه السَّنة ، وأنه الحق ، وهو الدين ، فإذا قدر أن الذى معه ، هو الحق المحض دين الإسلام ، ولم يكن قصده أن يكون الدين كله لله ، وأن تكون كلمة الله هى العليا ، بل قصد الحمية لنفسه وطائفته أو الرياء ، ليُعظم هو ويثنى عليه ، أو فعل ذلك شجاعة وطبعًا ، أو لغرض من الدنيا لم يكن لله ، ولم يكن مجاهدًا في سبيل الله فكيف إذا كان الذى يَّدعى الحق والسنة هو كنظيره ، ومعه حق وباطل وسنة وبدعة ومع خصمه حق وباطل وسنة وبدعة ؟!" (172)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت