والمتأول من أهل الاجتهاد الحريص على متابعة الرسول e أولى بالمغفرة من مثل هذا" (139) انتهى كلام شيخ الإسلام وحسنة الأيام عليه من الله الرحمة والرضوان وجمعنا به مع سيد النبيين في الفردوس الأعلى - أعلى الجنان - بمنه وكرمه إنه رحيم رحمان ومع هذا كله فإننا لا نملك أن نقيم حد الردة على من ارتد منهم فعلًا عن الإسلام فنحن دعاة واجبنا أن نؤدى الأمانة الكبيرة والتبعة الثقيلة التى حملنا إياها بالبلاغ والبيان والبشارة والنذارة وأن نبين للناس ما غاب عنهم من حقائق وأصول هذا الدين في غربة الإسلام الثانية والله جل وعلا يخاطب نبيه e بقوله: )فإنما عليك البلاغ وعلينا الحساب("
وبعد ذلك ، فإنه يجب علينا جميعًا أن نتحرك بسرعة في غاية الرحمة والحكمة والشفقة والتواضع لنعلم الناس حقيقة التوحيد الذى أراده الله من خلقه وجاء به رسوله محمد ولا نقف مكتوفى الأيدى ونكتفى - فقط - بإصدار الأحكام عليكم بالكفر أو الإيمان
ومع ذلك فلا ينبغى أن نظن أن الطريق هين لين مفروش بالزهور والورود والرياحين كلا ولكنه طريق طويل طويل حافل بالعقبات والأشواك ومن الحكمة قبل أن نخطوا أن نتعرف على هذه العقبات لنتزود لها بالزاد الذى يناسبها حتى لا ننزلق في أى منعطف من المنعطفات أو يتوقف بنا المسير عند اصطدامنا بعقبة من العقبات وهى كثيرة كثيرة فلنتعرف عليها في الخاطرة التالية
الخاطرة الخامسة
عقبات على طريق الدعوة
إن طريق الدعوة طريق الأنبياء والمرسلين وطريق العلماء العاملين ، والدعاة الصادقين ليس طريقًا هينًا لينًا ولا مفروشًا بالزهور والورود والرياحين كلا إنه طريق وعر شاق طويل ملئ بالعقبات مخضب بالدماء محفوف بالابتلاء
ومن الحكمة قبل أن نواصل السير على هذا الطريق أن نكون على بصيرة تامة بوعورته ومشقته وعقباته الكثيرة لنعد له الزاد الحقيقى الذى يناسبه ، حتى لا ننزلق في أى منعطف من المنعطفات أو نصطدم بعقبة من العقبات التى ستعترض طريقنا، ولا أدرى بأيها أبدأ ، لاسيما وقد اجتمعت !!
وأهم هذه العقبات - في نظرى - ما يلى:
أولًا: عقبة أعداء الإسلام في الخارج والداخل
ثانيًا: الهزيمة النفسية أمام تحديات الغزو الفكرى
ثالثًا: كثرة أهل الباطل وظهورهم ، وقلة أهل الحق وابتلاؤهم
رابعًا: حب الدنيا وكراهية الموت
خامسًا: اتباع الهوى
ولا شك أن الحديث عن هذه العقبات طويل بطول المعركة !! ولكننى سأحاول اختصاره في هذه السطور ، ولنبدأ بالحديث عن العقبة الأولى
العقبة الأولى
أعداء الإسلام في الخارج والداخل
وهى من أخطر العقبات التى ستعترضنا - وبشدة - على طول الطريق فإن الإسلام منذ أن بزغ فجره وأشرق نوره ، في أرض الجزيرة ، وهو مستهدف من قبل أعدائه الذين لا يتفقون على شئ ، قدر اتفاقهم على القضاء على الإسلام واستئصال شأفة المسلمين ! ولم يدعو سبيلًا إلا وسلكوه للوصول إلى أهدافهم الخبيثة ومن أهم هذه السبل ما يلى:
أولًا: القضاء على الحكم الإسلامى متمثلًا في الخلافة:
وأسجل - هنا - بكل حسرة ومرارة أنهم قد نجحوا بالفعل في القضاء على الخلافة الإسلامية وفصل الدين عن الدولة في أوائل هذا القرن على يد العميل الخائن لدينه ولأمته - كمال أتاتورك - في معاهدة الذل والعار - معاهدة لوزان - عام 1922م
وكانت بنود هذه المعاهدة التى اشترطها ووضعها"كرزون"وزير خارجية انجلترا هى كما يلى:
أولًا: إلغاء الخلافة"الإسلامية"إلغاءً تامًا وطرد الخليفة - السلطان عبد الحميد ، رحمه الله تعالى - خارج الحدود ومصادرة أمواله
ثانيًا: إعلان علمانية الدولة أى"فصل الدين عن الدولة"
ثالثًا: أن تضمن تركيا تجميد وشل حركة جميع العناصر الإسلامية الباقية
رابعًا: أن يستبدل الدستور العثمانى القائم على الإسلام بدستور مدنى وضعى بحت
ووقع المعاهدة عن دولة الخلافة المهزومة العميل الخائن"عصمت إينونو"الذى أعلن هو وأستاذه في الخيانة - أتاتورك - قولتهما الخطيرة:"إننا سنطيح برأس كل خليفة يحاول أن يدخل أنفه في أمور الدولة أو يفكر في ذلك"
وواصل المجرم - أتاتورك - فصول جريمته بدقة وإحكام ففى عام 1925م أصدر قانونًا يقضى بإلغاء الزى الإسلامى واستبداله بالزى الغربى ووجوب لبس القبعة التى كانت رمزًا أجنبيًا واستبدال تحية الإسلام (السلام عليكم ورحمة الله) بخلع القبعة أو بالانحناء كما يفعل أربابه الغربيون !!
ولم يكتف بهذا المسخ الماحق للهوية الإسلامية ، ففى عام 1928م أصدر قانونًا أخر بإلغاء تدريس العلوم الشرعية وأن يرفع الآذان باللغة التركية - وليس بالعربية !! - وتسوية المرأة بالرجل في الميراث ، وإلغاء نظام تعدد الزوجات ، واستبدال الحروف العربية بالحروف اللاتينية وألغى يوم الجمعة كعطلة رسمية وجعل بدلًا منه"يوم الأحد"!! ولم يترك فرضًا من فروض الولاء والطاعة لأسياده وأربابه الغربيين إلا وقدمه راكعًا ساجدًا ذليلًا مهانًا - لا أحسن الله إليه - وهكذا رُفعت مظلة الخلافة وتمزقت الأمة وتشتت شملها - ولا زال - ولا حول ولا قوة إلا بالله !!
ثانيًا: القضاء على القرآن الكريم:
لأنه مصدر عز الأمة وشرفها وهو الذى حول المسلمين - في أرض الجزيرة- من رعاة للغنم إلى سادة وقادة لجميع الأمم !! يوم أن كان - كتاب الله جل وعلا- كتاب حكم وتشريع لا كتاب ثقافة وتسلية !! وتمائم وأحجبة !!
لذا فلم يدخر أعداؤنا وسعًا في القضاء عليه ، لا على آياته أو كلماته أو حروفه كلا ، فالذى تولى حفظه هو الله جل وعلا قال سبحانه: )إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون( وما حفظه الله تعالى لا يمكن لأحد على وجه الأرض أن يضيعه البتة ولكن بالحيلولة بينه وبين واقع المسلمين وتحويله إلى أحجبة وتمائم أو إلى مجرد كتاب يقرأ - فقط - لا إلى كتاب حكم وتشريع يجب على الأمة أن تنفذ أوامره أمرًا أمرًا ، وحكمًا حكمًا ، وتكليفًا تكليفًا ، وأن تبتعد عن نواهيه ، نهيا نهيًا ، وتحذيرًا تحذيرًا، وأن تقف عند حدوده حدًا حدًا
وها هو المنصر الصليبى الحقود"كاتلى"يقول:"يجب أن نستخدم القرآن - وهو أمضى سلاح في الإسلام - ضد الإسلام نفسه حتى نقضى عليه تمامًا ، يجب أن نبين للمسلمين أن الصحيح في القرآن ليس جديدًا وأن الجديد ليس صحيحًا" (140)
ويقول المنصر الصليبى"وليم جيفورد بالكراف":"متى توارى القرآن ومدينة مكة عن بلاد العرب ، يمكننا حينئذ أن نرى العربى يتدرج في طريق الحضارة الغربية بعيدًا عن محمد وكتابه" (141)
بل وأعلنها"جلاد ستون"رئيس وزراء انجلترا - سابقًا - صريحة فقال:"ما دام هذا القرآن موجودًا في أيدى المسلمين فلن تستطيع أوربة السيطرة على الشرق ولا أن تكون هى نفسها في أمان" (142)
ويقول نفسه في إحدى خطبه:"إن هناك أربع عقبات أمامنا للقضاء على الإسلام وهى: المصحف والكعبة والأزهر وصلاة الجمعة" (143)
ولكن )والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون(
ثالثًا: تشويه وتحريف التاريخ والفكر الإسلامى:
لفصل المسلم عن تاريخه المجيد ، وماضيه المشرق ولتشكيكه في انتمائه ، ولمسخ هويته ، ولزعزعة عقيدته وللوصول إلى ذلك نشطوا نشاطًا كبيرًا جدًا في إحياء الأفكار الهدامة التى تشوه صفحة التاريخ والفكر الإسلامى الناصعة البياض
ومن هذه الأفكار الخطيرة التى روجوا لإنتشارها ما يلى:
* إحياء الفكر الوثنى الإلحادى
* إحياء الفكر الفلسفى في جانب التوحيد والدعوة إلى وحدة الوجود والحلول والاتحاد والإشراق وغيرها