وبعد هذا الفهم المتكامل لقضية العقيدة والتوحيد - وبعده فقط - ندرك أهمية"نقطة البدء"وخطورة"لبنة الأساس"وعليه فأى بناء يقام بغير هذا البداية ودون هذه اللبنة فإنه بناء خائر وسينهار حتمًا يومًا ما وإن طال زمنه !!
ومن هذا المنطلق - فقط - ندرك أن من الخطأ البين أن تكون نقطة البدء على طريق دعوتنا الطويل ولبنة الأساس الأولى في هذا البناء الضخم الكبير هى الصدام مع السلطة
هذا خطأ كبير فادح أسطره بدمى وقلبى وعقلى وروحى لأحذر منه زهور الأمة المتفتحة وأمل الأمة المنشود ومستقبل الأمة المشرق شباب الصحوة المباركة التى تجرى محبة الإسلام في دمائهم وعروقهم الذكية وتملأ عليهم وجدانهم وكيانهم ويتمنون بصدق أن لو بذلوا هذه الدماء لتروى شجرة الإسلام وتعلو راية التوحيد وتقوم دولة الإيمان
وأنقل لكم كلامًا رائعًا للرجل الذى قدم قلمه وفكره وعقله ودمه للإسلام لتقوم دولته في الأرض من جديد مرة أخرى إنه صاحب الظلال - رحمه الله تعالى - حيث يقول:"إنه ابتداءً يجب توجيه الحرص كله لإقامة القاعدة الصلبة من المؤمنين الخلص الذين تصهرهم المحنة فيثبتون عليها ، والعناية بتربيتهم تربية إيمانية عميقة تزيدهم صلابة وقوة ووعيًا ، ذلك مع الحذر الشديد من التوسع الأفقى قبل الاطمئنان إلى قيام هذه القاعدة الصلبة الخالصة الواعية المستنيرة ، فالتوسع الأفقى قبل قيام هذه القاعدة خطر ماحق يهدر وجود أية حركة لا تسلك طريق الدعوة الأولى من هذه الناحية ولا تراعى طبيعة المنهج الحركى الربانى الذى سارت عليه الجماعة الأولى على أن الله سبحانه وتعالى هو الذى يتكفل بهذا لدعوته فحيثما أراد لها حركة صحيحة عرض طلائعها للمحنة الطويلة وأبطأ عليهم النصر ، وقللهم ، وبطأ الناس عليهم حتى يعلم منهم أن قد صبروا وثبتوا وتهيأوا وصلحوا لأن يكونوا هم القاعدة الصلبة الخالصة الواعية الأمنية ثم ينقل خطاهم بعد ذلك بيده سبحانه والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون" (133)
ثم يقول الشيخ سيد قطب - رحمه الله تعالى - في شهادته التى هزت الوجدان:"وتفكيرنا الذى انتهينا إليه من ناحية منهج الحركة وضرورة بدئه من شرح حقيقة العقيدة قبل النظام والشريعة ومن التكوين الفردى قبل التنظيم الجماعى ، ومن عدم محاولة فرض النظام الإسلامى عن طريق إحداث إنقلاب من القمة وبالذات عدم إضاعة الجهد بالتدخل في الأحداث السياسية الحالية الجارية" (134)
ويقول الشيخ أبو الأعلى المودودى - رحمه الله تعالى - في كتابه القيم"منهاج الانقلاب الإسلامى":"فالدولة لا تتكون إلا وفق ما يتهيأ لها من العوامل الفكرية والخلقية والمدنية في المجتمع كما قلت فكما لا يمكن أن تكون الشجرة منذ أول أمرها إلى أن يتم نماؤها شجرة كمثرى أو ليمون مثلًا ثم إذا آن أوان إثمارها انقلبت شجرة تفاح أو رمان ! كذلك الدولة الإسلامية فإنها لا تظهر دولة إسلامية بطريقة خارقة للعادة بل لابد لإيجادها وتحقيقها من أن تظهر أولًا حركة شاملة مبنية على نظرية الحياة الإسلامية وفكرتها وعلى قواعد وقيم خلقية وعملية توافق روح الإسلام وقوائم طبيعية يقوم بأمرها رجال يظهرون استعدادهم التام للاصطباغ بهذه الصبغة المخصوصة من الإنسانية ويسعون لنشر العقلية الإسلامية ويبذلون جهودهم في بث روح الإسلام الخلقية في المجتمع هذا هو الطريق للإنقلاب الإسلامى والسبيل الفطرية لتحقيق فكرة الدولة الإسلامية" (135)
ثم يقول الشيخ المودودى - رحمه الله - ذلك صراحة في كتابه القيم:"واجب الشباب المسلم اليوم"يقول:"أيها الأخوة الكرام أود أن أوجه إليكم نصيحة الختام وهى أن لا تقوموا بعمل جمعيات سرية لتحقيق الأهداف ، وأن تتحاشوا استخدام العنف والسلاح لتغيير الأوضاع لأن هذا الطريق أيضًا نوع من الاستعجال الذى لا يجدى بشئ ومحاولة للوصول إلى الغاية بأقصر طريق ، إن هذا الطريق أسوأ عاقبة وأكثر ضررًا من كل صورة أخرى وإن الانقلاب الصحيح السليم قد حصل في الماضى وسيحصل كذلك في المستقبل بعمل علنى واضح وضوح الشمس في رابعة النهار فعليكم أن تنشروا دعوتكم علنًا وتقوموا بإصلاح قلوب الناس وعقولهم بأوسع نطاق وتسخروا الناس لغاياتكم المثلى بسلاح من الخلق العذب والشمائل الكريمة والسلوك الحسن والحكمة البالغة ومثل هذا الانقلاب لا يمكن لأى قوة معادية أن تقف في وجهه وأقول إن هذه الأمة لا يصلح أخرها إلا بما صلح به أولها أما إذا استعجلتم الأمر وقمتم بعمل الانقلاب بوسائل العنف ثم نجحتم في هذا الشأن إلى حدٍ ما فسيكون مثله كمثل الهواء الذى دخل من الباب ليخرج من النافذة" (136)
ومن الخطأ البين كذلك أن تكون نقطة البدء عن طريق دعوتنا الطويل ولبنة الأساس الأولى في هذا البناء الضخم الكبير هى التوقف لإصدار الأحكام على الناس بالإسلام أو الكفر وهذه مزلة كبيرة خشى الخوض فيها علماء الأمة وفقهاؤها وحكمنا عليهم - أى على الناس - ليس هو الذى سيدخلهم الجنة أو النار ، فليس هذا من شأن العبيد ولكنه من شأن العزيز الحميد جل وعلا فهو وحده المتصرف في شأنهم وشأن الكون كله )يدخل من يشاء في رحمته والظالمين أعد لهم عذابًا أليما (( 137)
وهذا هو شيخ الإسلام والمسلمين القائم ببيان الحق ونصرة الدين ، الذى أضحك الله به من الدين ما كان عابسا وأحيا به من السنة ما كان دارسا ، ابن تيمية - رحمه الله تعالى - يقول في مجموعه المبارك:"إنى من أعظم الناس نهيًا عن أن ينسب معين (138) إلى تكفير وتفسيق ومعصية إلا إذا علم أنه قد قامت عليهم الحجة الرسالية التى من خالفها كان كافرًا تارة وفاسقًا أخرى وعاصيًا أخرى ، وإنى أقرر أن الله قد غفر لهذه الأمة خطأها وذلك يعم الخطأ في المسائل الخبرية القولية والمسائل العملية وما زال السلف يتنازعون في كثير من المسائل ولم يشهد أحد منهم على أحد لا بكفر ولا بفسق ولا معصية وكنت أبين أن ما نقل عن السلف والأئمة من"إطلاق"القول بتكفير من يقول كذا وكذا فهو أيضًا حق ، لكن يجب التفريق بين الاطلاق والتعيين وهذه أول مسئلة تنازعت فيها الأمة من مسائل الأصول الكبار وهى مسئلة"الوعيد"فإن نصوص القرآن في الوعيد مطلقة كقوله: )إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما( الآية وكذلك سائر ما ورد: من فعل كذا فله كذا فإن هذه مطلقة عامة وهى بمنزلة قول من قال من السلف من قال كذا: فهو كذا ثم الشخص المعين يلتغى حكم الوعيد فيه: بتوبة أو حسنات ماحية ، أو مصائب مكفرة أو شفاعة مقبولة والتكفير هو من الوعيد فإنه وإن كان القول تكذيبًا لما قاله الرسول e، لكن قد يكون الرجل حديث عهد بإسلام ، أو نشأ ببادية بعيدة ومثل هذا لا يكفر بجحد ما يجحده حتى تقوم عليه الحجة وقد يكون الرجل لم يسمع تلك النصوص، أو سمعها ولم تثبت عنده ، أو عارضها عنده معارض آخر أوجب تأويلها وإن كان مخطئًا وكنت دائمًا - وما زال الكلام لشيخ الإسلام - أذكر الحديث الذى في الصحيحين في الرجل الذى قال:"إذا أنا مت فأحرقونى ثم اسحقونى ثم ذرونى في اليم فوالله لإن قدر الله علىَّ ليعذبنى عذابًا ما عذبه أحدًا من العالمين ففعلوا به ذلك فقال الله ما حملك على ما فعلت قال خشيتك: فغفر له""
فهذا رجل شك في قدرة الله وفى إعادته إذا ذرى به اعتقد أنه لا يعاد وهذا كفر باتفاق المسلمين لكن كان جاهلًا لا يعلم ذلك وكان مؤمنًا يخاف الله أن يعاقبه فغفر له بذلك