فهرس الكتاب

الصفحة 226 من 3028

يقول العلامة الألوسى - رحمه الله تعالى - في تفسير هذه الآية:"الأكثرون من المفسرين قالوا: ليس المراد من الأرباب أنهم اعتقدوا أنهم آلهة العالم ، بل المراد أنهم أطاعوهم في أوامرهم ونواهيهم"

بل وفسرها النبى e بنفسه لعدى بن حاتم tلما جاء مسلمًا فقرأ النبى e هذه الآية: )اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابًا من دون الله ( قال: عدى فقلت: إنهم لم يعبدوهم فقال: عليه الصلاة والسلام:"بلى إنهم حرموا عليهم الحلال ، وحللوا لهم الحرام فاتبعوهم فذلك عبادتهم إياهم"(119)

وهى - أى كلمة التوحيد - كفر بالطواغيت والطاغوت: كل ما عبد من دون الله )فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها والله سميع عليم(

وهى - أى كلمة التوحيد - إثبات لتوحيد الربوبية ، وهو إفراد الله تعالى وحده بالخلق والأمر والملك والرزق والتصريف والتدبير )ألا له الخلق والأمر (( 120) "وانتظام أمر العالم كله وإحكام أمره من أول دليل على أن مدبره إله واحد وملك واحد ، ورب واحد، لا إله للخلق غيره ولا رب لهم سواه" (121)

وهى إثبات لتوحيد الألوهية وهو إفراد الله تبارك وتعالى وحده بجميع أنواع العبادة من التأله والمحبة والخوف والرجاء والتوكل والإنابة والتفويض والتسليم والاستقامة إلخ وهذا الذى بعثت به الرسل ولأجله انزلت الكتب وخلقت الجنة والنار فالدين كله هو عبادة الله وطاعته وحده والخضوع له وحده والمحبة له وحده ، جل وعلا وهى الغاية التى خلق الله الخلق من أجلها )وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون (( 122)

وهى - أى كلمة التوحيد - إثبات لتوحيد الأسماء والصفات وهى أفراد الله تبارك وتعالى بأسمائه الحسنى وصفاته العلا التى أثبتها الله تعالى لنفسه وأثبتها له عبده ورسوله محمد والإيمان بها على الوجه الذى أراد الله ورسوله من غير تحريف ولا تعطيل ولا تكييف ولا تمثيل )ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها وذروا الذين يلحدون في أسمائه سيجزون ما كانوا يعملون (( 123)

وهذا الباب من أعظم أبواب التوحيد وأشرفها

وهى - أى كلمة التوحيد - ولاء وبراء

هذا المفهوم الضخم الذى غاب في حس المسلمين مع غياب فهمهم الصحيح لحقيقة التوحيد - إلا من رحم ربك - مع أنه لا يمكن بحال أن تتحقق كلمة التوحيد في الأرض إلا بتحقيق الولاء لله ولرسوله والمؤمنين والبراءة من الشرك والمشركين )يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم إن الله لا يهدى القوم الظالمين (( 124)

"إن المفاضلة واجبة بين كل مسلم وبين كل من يرفع راية غير راية الإسلام إن المسلم مأمور بأن لا يخلط بين منهج الله وبين أى منهج آخر وضعى لا في تصوره الاعتقادى ولا في نظامه الاجتماعى ولا في كل شأن من شئون حياته وإن الفوارق بين الإسلام والكفر لا يمكن الالتقاء عليها بالمصالحة أو المصانعة أو المداهية وإن الذين يحاولون تمييع هذه المفاضلة الحاسمة باسم التسامح أو التقريب بين الأديان أو التعايش السلمى يخطئون في فهمهم للدين الإسلامى وفهمهم لمعنى التسامح الذى يقره الإسلام" (125)

ورحمه الله ابن القيم حيث يقول في نونيته (126) :

حبا له !! ماذاك في الإمكان

أين المحبة ؟! يا أخا الشيطان

على محبته بلا نقصان

خلافك ما يحب فأنت ذو بطلان

أتحب أعداء الحبيب وتدَّعى

وكذا تعادى جاهدًا أحبابه

شرط المحبة أن توافق من تحب

فإن إدعيت له محبة مع

وهى - أى كلمة التوحيد - إثبات لحاكمية الله وحده

فمع غياب المفهوم الصحيح الشامل لقضية التوحيد ، غاب هذا المبدأ الكبير الذى هو من أخص خصائص الألوهية ونحى المسلمون - إلا من رحم ربك - شريعة الله جل وعلا وأحلوا محلها القوانين الوضعية الفاجرة

استبدلوا بالعبير بعرا وبالثريا ثرى وبالرحيق المختوم حريقا !!

مثلهم كمثل الجعل يتأذى من رائحة المسك والورد والفواح ويسعد بل ويحيا برائحة القذر في المستراح !!

وظن كثير من السذج والبلهاء والمخدوعين أن شرع البشر من ملاحدة وزنادقة وعلمانيين وشيوعين وديمقراطيين وغيرهم ممن تتحكم فيهم الأهواء وتسيطر عليهم الشبهات والشهوات ، ظنوا أن تشريع هؤلاء هو قارب النجاة وسط هذه الرياح الهوجاء والأمواج العاتية والظلمات الحالكة التى يترنح الناس فيها كترنح من يتخبطه الشيطان من المس وخاب الجميع وخسروا !!

)ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون (( 127)

ومن ذا الذى يجرؤ على ادعاء أنه يشرع للناس ويحكم فيهم خيرًا مما يشرع الله لهم ويحكم فيهم ؟ وأية حجة يملك أن يسوقها بين يدى هذا الإدعاء العريض ؟ أيستطيع أن يقول: إنه أعلم بالناس من خالق الناس ؟

أيستطيع أن يقول: إنه أرحم بالناس من رب الناس ؟

أيستطيع أن يقول: إنه أعرف بمصالح الناس من إله الناس ؟

أيستطيع أن يقول: إن الله سبحانه وهو يشرع شريعته الأخيرة ويرسل رسوله الأخير ويجعل رسوله خاتم النبيين ، ويجعل رسالته خاتمة الرسالات ، ويجعل شريعته شريعة الأبد ، كان سبحانه يجهل أن أحوالًا ستطرأ وأن حاجات ستجد ، وأن ملابسات ستقع، فلم يحسب حسابها في شريعته أنها كانت خافية عليه - سبحانه - حتى انكشفت للناس في آخر الزمان" (128) ؟!"

)أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكمًا لقوم يوقنون (( 129) فالأصل الذى يجب على البشرية أن ترجع وتفئ إليه هو دين الله وحكم الله منهجه للحياة فإما أن نحتكم إلى الله وإما أن نحتكم إلى الطاغوت وقد أمرنا الله أن نكفر به !!

ويبقى بعد هذا كله الركن الثانى لكلمة التوحيد وهو شهادة أن محمدًا رسول الله e فهى الأخرى ليست مجرد كلمات نرددها ونتغنى بها وننسج لها القصائد والمدائح والأشعار ونقيم لها الحفلات في المناسبات والأعياد ثم ينتهى الأمر عند هذا الحد أيضًا ولا تتحول هذه الشهادة الكريمة في حياتنا إلى واقع وسلوك بل وتجاوز الأمر ذلك فظهر علينا ممن يتكلمون بألسنتنا ويلبسون زينا - من بنى جلدتنا - من يتطاول على سنة إمام الهدى ومصباح الدجى - بأبى هو وأمى e- ووالله لا يتم إيمان إلا بالإنقياد الكامل والأذعان المطلق لرسول الله e: )فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيها شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجًا مما قضيت ويسلموا تسليما (( 130) نعم إنه شرط الإسلام وحدَّ الإيمان ، وتقتضى هذه الشهادة الكريمة ، تصديقه e في كل ما أخبر ، وطاعته في كل ما أمر ، والانتهاء عن كل ما نهى عنه وزجر ، ومحبته صادقة متمثلة في اتباعه واقتفاء أثره والسير على طريقه دون غلو أو إطراء )قل إن كنتم تحبون الله فاتبعونى يحببكم الله (( 131)

ومن كمال العبودية لله والمحبة لرسول الله e أن نميز بين حقوق الله تعالى التى لا يجوز بحال صرفها لغير الله وبين حقوق رسول الله e

وكل هذه الجزئيات تحتاج إلى تفصيل وتوضيح ليس هذا محله (132)

وبعد فهذا هو التوحيد الذى جاء به محمد e هذا هو التوحيد الذى من أجله خلقت السموات والأرض والجنة والنار هذا هو التوحيد الذى عليه أسست الملة، ونصبت القبلة ، وجردت سيوف الجهاد هذا هو التوحيد الذى لا سبيل إلى السعادة في الدنيا والفوز برضوان الله جل وعلا في الآخرة إلا به

ألم أقل لكم إن التوحيد الذى نريد أن ندعو إليه من جديد دين كامل ومنهج شامل يظلل كل نواحى الحياة حتى في أدق أمورها وأخص خصائصها ؟!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت