فهرس الكتاب

الصفحة 225 من 3028

وكانت نقطة البدء على هذا الطريق الطويل ولبنة الأساس الأولى في هذا البناء الضخم الكبير هى دعوة الناس إلى التوحيد الشامل إلى عبادة الله وحده لا شريك له إلى العقيدة الصحيحة الصافية

ولذا كانت الصيحة الأولى لكل نبى ورسول هى: )أن أعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت(

بدأ بها نوح - عليه السلام -: )ولقد أرسلنا نوحًا إلى قومه إنى لكم نذير مبين ألا تعبدوا إلا الله إنى أخاف عليكم عذاب يوم عظيم (( 108)

وبدأ بها هود - عليه السلام -: )وإلى عاد أخاهم هودًا قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره إن أنتم إلا مفترون (( 109)

وبدأ بها صالح - عليه السلام -: )وإلى ثمود أخاهم صالحًا قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره (( 110)

وبدأ بها شعيب - عليه السلام - )وإلى مدين أخاهم شعيبا قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره (( 111)

وبدأ بها لبنة تمامهم ومسك ختامهم محمد e وظل يدعو إليها في مكة وحدها ثلاثة عشر عامًا وأكد النبى e على أن هذه القضية الكبيرة قضية العقيدة يجب أن تكون نقطة البدء أيضًا على طريق الدعوة الطويل لكل داعية صادق يحمل منهج الأنبياء والمرسلين

لذا كانت أول وصية لرسول الله e أوصى بها أول داعية له إلى اليمن - معاذ بن جبل - t

ففى الحديث الصحيح عن ابن عباس رضى الله عنهما أن النبى e قال لمعاذ حين بعثه إلى اليمن:"إنك تقدم على قوم أهل كتاب فليكن أول ما تدعوهم إليه عبادة الله"وفى رواية أخرى في الصحيح:"إنك ستأتى قومًا أهل كتاب فإذا جئتهم فادعهم إلى أن يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله" (112)

فلتكن هذه القضية الكبيرة - قضية العقيدة - هى أساس دعوة الناس إلى الإسلام كما كانت هى أساس دعوتهم إليه أول مرة ولا ينبغى أن تصدنا هذه المقولة الخبيثة التى تقول: إن الناس في الماضى كانوا مشركين فلزم أن تكون العقيدة - حينئذ - هى أول ما ينبغى أن يدعوا إليه

ولكن الناس اليوم والحمد لله مسلمون يقولون لا إله إلا الله محمد رسول الله فما الداعى أذن لدعوة الناس إلى التوحيد إلى العقيدة إلى لا إله إلا الله ؟!

والجواب أن قضية التوحيد لا يدعى إليها الكفار وحدهم لكى يؤمنوا بها ويصححوا اعتقادهم من خلالها بخلع رداء الكفر أو الشرك والدخول فيها

ولكن يدعى إلى قضية التوحيد أيضًا المؤمنون بها والمعتنقون لها والمستمسكون بها لكى تظل حية في قلوبهم راسخة في ضمائرهم عاملة في واقع حياتهم ، لا يفترون عنها أبدًا ولا يغفلون عن مقتضياتها وإن أعظم دليل على ذلك قول الله جل وعلا: )يا أيها الذين آمنوا بالله ورسوله والكتاب الذى نزل على رسوله والكتاب الذى أنزل من قبل ومن يكفر بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر فقد ضل ضلالًا بعيدًا (( 113) هكذا يدعى أهل الإيمان إلى الإيمان

ولقد علم أعداؤنا جيدًا أن الجذور الحقيقية التى تضمن البقاء والسيادة والعزة لهذه الأمة في الأرض هى العقيدة فراحوا بخبث ودهاء يضعون الحواجز والسدود بين المسلمين وبين عقيدتهم الصافية الخالصة - من ناحية - ويشوشون عليها لتعكير صفائها من ناحية أخرى فوقع المسلمون قرونًا ماضية في هذا الخط العجيب وهذا الانفصام النكد وبخاصة في هذه الأيام التى تذبح فيها العقيدة على أيدى أبنائها الذين ابعدوا كثيرًا عن حقيقتها ومقتضياتها ومن مظاهر هذا الخلط العجيب والأنفصام النكد أننا نرى صنفًا من الناس يردد كلمة التوحيد وهو لا يفهم لها معنى ولا يعرف لها مضمونًا ولا يقف لها على مقتضى !

ونرى صنفًا آخر من المسلمين يردد كلمة التوحيد وقد انطلق حرًا طليقًا يختار لنفسه من المناهج والأوضاع والنظم والقوانين الوضعية ما يشاء ويختار !

ونرى صنفًا ثالثًا يردد كلمة التوحيد وقد قسم حياته إلى قسمين:

قسم يتعلق بأمور العبادات وهنا يسمح لكلمة التوحيد أن تفك من أسرها وأن تخرج من سجنها !

وقسم يتعلق بأمور الحياة وشئونها ولا وجود هنا لكلمة التوحيد !

فما علاقة التوحيد والسياسة ؟!

وما دخل العقيدة بنظام الحكم ؟!

وما دخل العقيدة بالنظام الاقتصادى والاجتماعى ؟!

والإسلام أسمى من أن نخرجه من بيوت العبادة لنزج به في سياسة الإعلام أو التعليم أو السياحة !!!

ونرى صنفًا رابعًا يردد كلمة التوحيد وقد ترك الصلاة وضيع الزكاة ، وتفنن في أكل أموال الناس بالباطل وأكل الربا ، وشرب الخمر ، ومارس الزنا ، بل ومنهم من يرددها وهو يأمر بالمنكر وينهى عن المعروف !!

تناقض رهيب وانفصام مخوف يزيد القلب التقى كمدًا وحزنًا وحسرة على ما وصل إليه حال كثير من الناس من سوء فهم لقضية العقيدة ، والله جل وعلا يقول: )يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كافة (( 114)

"أى بمجموع حياتكم ، بحيث لا يشذ عن سلطانه شئ ولا يند عن دائرة نفوذه جزء من أجزائها ، فلا يكن من شأنكم في ناحية من نواحى حياتكم أن تتجردوا من عبوديته الشاملة فتحسبوا أنفسكم أحرارًا في شؤونكم تختارون من المناهج والأوضاع ما تريدون أو تتبعون من النظم والقوانين الوضعية المستحدثة ما تحبون" (115)

ومن خلال هذا الواقع المر الأليم نرى الحاجة ماسة وملحة لتعليم المسلمين العقيدة الصحيحة الصافية صفاء السماء التى جاء بها النبى e وظل يربى عليها أصحابه لا في مكة وحدها بل في المدينة كذلك لأن قضية العقيدة لا تذكر لفترة من الزمن ثم تترك للحديث عن قضايا أخرى كلا بل إن قضية العقيدة أصل ينتقل"معه"إلى غيره فهى قضية دائمة دوام البشر

إذن فليست قضية العقيدة أو التوحيد مجرد كلمة - فقط - ترددها الألسنة دون أن تستقر في القلوب أو تخبر عن نفسها في دنيا الواقع !!

ومن أبسط الأمثلة على ذلك أنه لو أصيب إنسان بصداع شديد في رأسه ووصف له الطبيب دواء"الأسبرين"مثلًا فهل يعقل أن يذهب المريض إلى بيته ويستلقى على فراشه مكتفيًا بأن يقول:"أسبرين أسبرين"ولا يعقل إطلاقًا أن تقف كل جاهليات الأرض موقف الصد والأعراض والعناد والحرب لقضية التوحيد لمجرد أنها كلمة!!

فالتوحيد الذى يجب علينا أن نبدأ من جديد لدعوة الناس إليه دين شامل ومنهج حياة كامل

فهو - أى التوحيد - يتضمن من الكفر بالطاغوت والآلهية والأرباب والأنداد ومن توحيد الربوبية والآلهية والأسماء والصفات ومن الولاء والبراء ومن كمال الذل وكمال الحب لله ومن تجريد العبادة إلى الله تعالى وحده ما يجعل العبد موحدًا حقًا

نعم هذا كله تتضمنه كلمة التوحيد (لا إله إلا الله، محمد رسول الله)

فهى نفى وإثبات:

نفى للآلهة التى تعبد من دون الله وصرف العبادة في جميع صورها الظاهرة والباطنة إلى من يستحق العبادة جل وعلا ومن صرف شيئًا منها لغير الله فقد وقع في الشرك )واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئًا(

وهى - أى كلمة التوحيد - نفى للأنداد يقول عز وجل: )فلا تجعلوا لله أندادًا وأنتم تعلمون( ، واتخاذ الند على قسمين الأول: أن يجعل الند شريكًا لله في أنواع العبادة وهذا شرك أكبر

والثانى: ما كان من نوع الشرك الأصغر كقول الرجل: ما شاء الله وشئت وقد ثبت في الحديث أن رجلًا قال لرسول الله e: ما شاء الله وشئت فقال الرسول:"أجعلتنى لله ندًا بل قل ما شاء الله وحده" (116)

وفى الحديث الصحيح أنه e قال:"من مات وهو يدعو من دون الله ندًا دخل النار (117) "

وهى نفى للأرباب التى عبدت من دون الله جل وعلا من صنف من الناس قال الله عز وجل عنه: )اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابًا من دون الله (( 118)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت