وقال تعالى: )وما نرسل المرسلين إلا مبشرين ومنذرين فمن آمن وأصلح فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون ، والذين كذبوا بآياتنا يمسهم العذاب بما كانوا يفسقون (( 96)
وخاطب الله نبيه محمد eبقوله: )يا أيها النبى إنا أرسلناك شاهدًا ومبشرًا ونذيرًا (( 97)
فمهمة الرسل واضحة جلية يبشرون الناس بمغفرة الله تعالى ورضوانه وجنته إن هم وفوا بعهده ولم ينقضوا ميثاقه وإن هم أطاعوه وأطاعوا رسله وصدقوهم وينذرونهم عقاب الله جل وعلا إن هم عصوه ونقضوا عهده وكفروا به تعالى وكذبوا رسله
)فمن آمن وأصلح فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون ( أى فلا خوف عليهم من عذاب الدنيا الذى ينزل بالجاحدين ولا من عذاب الآخرة الذى أعده الله للكافرين ولا هم يحزنون في الدنيا أيضًا مما يحزن منه الكفار والفساق كفوات شهوات الدنيا ولذاتها ، أو لا يكون حزنهم كحزنهم في شدته وطول أمده ، فإنهم إذا عرض لهم الحزن يكون رحمة وعبرة مقرونًا بالصبر وحسن الأسوة ، فالإيمان بالله يعصمهم من إرهاق البأساء والضراء ومن بطر السراء والنعماء: ) والذين كذبوا بآياتنا يمسهم العذاب بما كانوا يفسقون ( أى والذين كذبوا بآياتنا التى أرسلنا بها الرسل يصيبهم العذاب في الدنيا أحيانًا ولاسيما عند الجحود والعناد وفى الآخرة بسبب كفرهم وإفسادهم(98)
رابعًا: إقامة حجة الله على الناس:
يقول الله عز وجل: )رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل ( هكذا بجلاء ووضوح ولكنه - سبحانه وتعالى -"لم يبين هنا ما هذه الحجة التى كانت تكون للناس عليه - جل وعلا - لو عذبهم دون إنذارهم على ألسنة الرسل ولكنه بينها في سورة طه بقوله: ) ولو أنا أهلكناهم بعذاب من قبله لقالوا ربنا لولا أرسلت إلينا رسولًا فنتبع آياتك من قبل أن نذل ونخزى ( وأشار لها في سورة القصص بقوله: ) ولولا أن تصيبهم مصيبة بما قدمت أيديهم فيقولوا ربنا لولا أرسلت إلينا رسولًا فنتبع آياتك ونكون من المؤمنين (( 99) "
وقال سبحانه وتعالى: )وما كنا معذبين حتى نبعث رسولًا (( 100)
ويقيم الله جل وعلا الحجة على خلقه كذلك يوم القيامة فيأتى بكل رسول ليشهد على أمته بأنه قد بلغها رسالة ربه جل وعلا وبين لها وبشرها وأنذرها )فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدًا يومئذ يود الذين كفروا وعصوا الرسول لو تسوى بهم الأرض ولا يكتمون الله حديثًا (( 101)
بل ولا ينكر أهل النار - عياذًا بالله - أن الرسل قد بلغوهم وأنذروهم وحذروهم ولكنهم كذبوا وعاندوا وأعرضوا عن الحق )وللذين كفروا بربهم عذاب جهنم وبئس المصير إذا ألقوا فيها سمعوا لها شهيقًا وهى تفور تكاد تميز من الغيظ كلما ألقى فيها فوج سألهم خزنتها ألم يأتكم نذير قالوا بلى قد جاءنا نذير فكذبنا وقلنا ما نزل الله من شئ إن أنتم إلا في ضلال كبير وقالوا لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير فاعترفوا بذنبهم فسحقًا لأصحاب السعير (( 102)
يا لها من تبعة ثقيلة بمقدار ما هى عظيمة
"إن مصائر البشرية كلها في الدنيا والآخرة سواء منوطة بالرسل وبأتباعهم من بعدهم ، فعلى أساس تبليغهم هذا الأمر للبشر تقوم سعادة هؤلاء البشر أو شقوتهم ويترتب ثوابهم أو عقابهم في الدنيا والآخرة إنه الأمر الهائل العظيم أمر رقاب الناس أمر حياتهم ومماتهم أمر سعادتهم وشقائهم أمر ثوابهم وعقابهم أمر هذه البشرية، التى إما أن تبلغ إليها الرسالة فتقبلها وتتبعها فتسعد في الدنيا والآخرة ، وإما أن تبلغ إليها فترفضها وتنبذها فتشقى في الدنيا والآخرة وإما ألا تبلغ إليها فتكون لها حجة على ربها وتكون تبعة شقائها في الدنيا وضلالها معلقة بعنق من كلف التبليغ فلم يبلغ !"
فأما رسل الله - عليهم الصلاة والسلام - فقد أدوا الأمانة وبلغوا الرسالة ومضوا إلى ربهم خالصين من هذا الالتزام الثقيل وهم لم يبلغوها دعوة باللسان ولكن بلغوها- مع هذا - قدوة ممثلة في العمل ، وجهادًا مضنيًا بالليل والنهار لإزالة العقبات والعوائق وبقى الواجب الثقيل على من بعدهم على المؤمنين برسالتهم فهناك أجيال وراء أجيال جاءت وتجئ بعدهم وتبليغ هذه الأجيال منوط بأتباعهم ولا فكاك لهم من التبعة الثقيلة تبعة إقامة حجة الله على الناس وتبعة استنفاذ الناس من عذاب الآخرة وشقوة الدنيا (103)
خامسًا: تزكية النفوس وتهذيب الأخلاق:
وأساس هذا المنهج الكريم هو ربط القلب البشرى بالله جل وعلا يرجوه ويخشاه، فينقاد لأوامره جل وعلا راجيًا رضاه وينتهى عن نواهيه ويقف عند حدوده يخشى سخطه وعذابه والله جل وعلا لم يأمر إلا بكل خير ولم ينه إلا عن كل شر )إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذى القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغى يعظكم لعلكم تذكرون (( 104)
ويقول سبحانه: )قل تعالوا اتل ما حرم ربكم عليكم ألا تشركوا به شيئًا وبالوالدين إحسانا ولا تقتلوا أولادكم من إملاق نحن نرزقكم وإياهم ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن ولا تقتلوا النفس التى حرم الله إلا بالحق ذلكم وصاكم به لعلكم تعقلون ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتى هى أحسن حتى يبلغ أشده وأوفوا الكيل والميزان بالقسط لا نكلف نفسًا إلا وسعها وإذا قلتم فاعدلوا ولوا كان ذا قربى وبعهد الله أوفوا ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون (( 105)
ووسيلة الأنبياء والرسل جميعًا - عليهم الصلاة والسلام - إلى تحقيق هذا المنهج التربوى الربانى العجيب من تزكية للنفوس وتهذيب للأخلاق هى"القدوة"نعم فهم هداة البشرية وهم معلموها وقادتها الذين يقودون سفينتها وسط هذه الرياح العاتية - رياح الشهوات والشبهات - إلى بر الإيمان والأمان !!
لأنه لا يكفى في هداية الناس أن يسمعوا كلمة الخير والحق والهدى تلقى إليهم مجردة - وفقط - كلا بل لابد أن يروها مجسدة في كيان بشرى يترجمها ويحولها إلى واقع ملموس وعمل مشاهد وعندئذ تكون التكاليف على الناس سهلة ميسورة في التحقيق والتطبيق )لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرًا (( 106)
بل ويأمر الله تعالى نبيه محمد e - أستاذ البشرية ومعلم الإنسانية - أن يقتدى بالأنبياء والرسل من قبله فيقول سبحانه: )أولئك الذين ءاتينهم الكتاب والحكم والنبوة فإن يكفر بها هؤلاء فقد وكلنا بها قومًا ليسوا بها بكافرين أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده (( 107)
ألسنا نحن أحوج إلى هذا الأمر الجليل وإلى هذا الاقتداء الكريم ؟!
وهكذا تتضح لنا أبرز سمات هذا المنهج الكريم الذى يحدد بدقة مهمة الأنبياء ووظيفة المرسلين ومن ثم دور اتباعهم أيضًا الذين سيسلكون ذات الطريق فليس عليهم إلا أن يبلغوا الناس ويدعوهم إلى الله جل وعلا دون أن يستعجلوا النتائج والمصائر ولا أن يحاسبوا الناس لا في الدنيا ولا في الآخرة فهذا ليس من شأن العبيد - مهما كانوا - إنما هو من شأن العزيز الحميد (فإنما عليك البلاغ وعلينا الحساب)
فلنبدأ المسير على طريق الدعوة الطويل ، ولتكن نقطة البدء ولبنة الأساس لدعوتنا هى العقيدة التى كانت نقطة البدء ولبنة الأساس في دعوة جميع الأنبياء والمرسلين
الخاطرة الرابعة
نقطة البدء
ذكرت في الخاطرة الماضية أن دعوة الأنبياء والرسل على مدى التاريخ البشرى كله كانت تستهدف أمرًا واحدًا ألا وهو رد البشرية الضالة إلى ربها جل وعلا وهدايتها إلى طريقه وتربيتها منهاجه وإخراجها من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد ومن ظلمات الشرك والإلحاد إلى أنوار التوحيد والإيمان ، وتزكية نفوس أبنائها وتهذيب أخلاقهم