وأخيرًا وعدوا بتقديم 150 مئة وخمسين مليون ليرة إنجليزية ذهبًا، فرفضت هذا التكليف بصورة قطعية أيضًا، وأجبتهم بالجواب القطعي الآتي: إنكم لو دفعتم ملء الدنيا ذهبًا، فلن أقبل بتكليفكم هذا بوجه قطعي، لقد خدمت الملة الإسلامية، والأمة المحمدية، ما يزيد عن ثلاثين سنة، فلن أسود صحائف المسلمين، آبائي، وأجدادي من السلاطين، والخلفاء العثمانيين.
وبعد جوابي القطعي اتفقوا على خلعي وأبلغوني أنهم سيعيدونني إلى 'سلانيك'، فقبلت بهذا التكليف الأخير، وحمدت المولى أنني لم أقبل بأن ألطخ الدولة العثمانية والعالم الإسلامي بهذا العار الأبدي الناشئ عن تكليفهم بإقامة دولة يهودية في الأراضي المقدسة فلسطين وقد كان بعد ذلك ما كان، ولذا فإنني أكرر الحمد والثناء على الله المتعال.
وأعتقد أن ما عرضته كاف في هذا الموضوع، وبه أختم رسالتي هذه ... والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
[خادم المسلمين] عبد الحميد بن عبد المجيد في 22 أيلول 1329هـ].
لقد ضحى السلطان عبد الحميد رحمه الله بالكرسي فداءً لأمته، في حين أن جمعية الاتحاد والترقي الماسونية، التي سيطرت على مقاليد الحكم فعليًا بعد خلع السلطان عبد الحميد، قامت بالتضحية بالأمة المسلمة مقابل الكرسي. وقد تم ذلك حينما قاموا بإقحام الدولة العثمانية في الحرب العالمية الأولى عام 1914 ضد بريطانيا وفرنسا وروسيا، وهي الحرب التي عمل السلطان عبد الحميد رحمه الله على تلافي وقوعها، لعلمه الأكيد بالأطماع الصليبية الصهيونية لتلك الدول، وبالفعل فقد أسفرت الحرب العالمية عن تفكيك الدولة العثمانية وتقاسم المشرق العربي بين بريطانيا وفرنسا، ووقوع فلسطين تحت الحكم البريطاني، منتقمين بذلك لهزيمة جيوشهم أيام الحروب الصليبية بقيادة ملكهم [ريتشارد قبل الأسد] أمام صلاح الدين الأيوبي رحمه الله، وهو ما عبر عنه قائد الجيش البريطاني الجنرال الصليبي [اللنبي] حينما دخل مدينة القدس في عام 1917م، وترجل ماشيًا إلى كنيسة القيامة وقال: [اليوم انتهت الحروب الصليبية] .
وفي ذلك تقول المؤرخة اليهودية [بربارا توقمان] : [وهكذا دخل الجنرال اللنبي إلى القدس، فنجح من حيث كان ريتشارد قلب الأسد قد أخفق، ولولا ذلك الانتصار، لما كانت إعادة إسرائيل إلى أرض الميعاد قد أصبحت حقيقة واقعة] .
وفي السنة نفسها التي دخلت فيها القوات الصليبية البريطانية القدس، بمساعدة بعض السذج، صدر عن الحكومة البريطانية البيان التالي، الذي يعد تتويجًا لجهود الصهيونية المسيحية، منذ حركة الإصلاح الديني من أجل تحقيق النبوءة التوراتية المزعومة بخصوص عودة اليهود إلى فلسطين، وهو ما يعرف بوعد بلفور، وزير خارجية بريطانيا في ذلك الوقت، وفيما يلي نص البيان: 'إن حكومة جلالة الملك، تنظر بعين العطف إلى تأسيس وطن قومي للشعب اليهودي في فلسطين وستبذل جهدها لتسهيل تحقيق هذه الغالية'.
هذا وقد عملت بريطانيا على جلب أكبر قدر من اليهود إلى فلسطين، وقامت بتسميتهم وتسليحهم وتدريبهم، وحين اطمأنت عليهم قامت في عام 1948م هي وأمريكا بالإشراف على ولادة الدولة اليهودية ليقضي الله أمرًا كان مفعولًا.
الجذور التوراتية للسياسة الفرنسية:
عندما قامت الثورة الفرنسية، تغيرت نظرة فرنسا تجاه اليهود، مما أدى إلى وصول رياح الصهيونية المسيحية التي انطلقت في أوروبا مع حركة الإصلاح الديني وهو ما عبر عنه القائد الفرنسي نابليون في أثناء حملته عام 1799م على مصر والشام، حيث خاطب اليهود وهو على أبواب فلسطين بقوله:[من نابليون، القائد الأعلى للقوات المسلحة للجمهورية الفرنسية في أفريقيا وآسيا، إلى ورثة فلسطين الشرعيين, أيها الإسرائيليون، أيها الشعب الفريد، الذي لم تستطع قوى الفتح والطغيان أن تسلبهم اسمهم، ووجودهم القومي، وإن كانت قد سلبتهم أرض الأجداد فقط .. إن فرنسا تقدم لكم إرث إسرائيل في هذا الوقت بالذات، إن جيشي الذي أرسلتني العناية الإلهية به، والذي تقوده العدالة، ويواكبه النصر، جعل القدس مقرًا لقيادتي.
يا ورثة فلسطين الشرعيين، سارعوا، إن هذه هي اللحظة المناسبة التي قد لا تتكرر لآلاف السنين، للمطالبة باستعادة حقوقكم].
بالرغم من فشل حملة نابليون على فلسطين وهزيمته في [عكا] ، إلا أن حملته تعد أول جهد عسكري تقوم به الصهيونية المسيحية لإقامة دولة يهودية في فلسطين، انطلاقًا من تلك النبوءات التوراتية الواردة في سفر التكوين.
على أية حال فإن ما فشل فيه نابليون، قد تم إنجازه عند دخول الجيوش الفرنسية والبريطانية إلى بلاد الشام.
وقد مر معنا كلام الجنرال البريطاني [اللنبي] عند دخوله القدس، ومما يناسب المقام إيراد كلام الجنرال الفرنسي [غورو] عند دخوله دمشق، حيث ذهبت ذلك الصليبي إلى قبر صلاح الدين رحمه الله وركله بقدمه وقال: [ها قد عدنا يا صلاح الدين، فأين أحفادك] . وقال أيضًا: [إن حضوري هنا يقدس انتصار الصليب على الهلال] .
الجذور التوراتية للسياسة الأمريكية:
لقد تزامنت حركة الإصلاح الديني في أوربا مع اكتشاف القارة الأمريكية، لذا فقد أدت الحروب الدنية بين الكاثوليك والبروتستانت إلى هجرات جماعية لبعض الطوائف البروتستانتية إلى أمريكا الجنوبية، وهناك في أمريكا تمكن المهاجرون البورتستانت من التعبير عن ثقافتهم الدينية التوراتية بكل حرية، ومن ذلك أنهم شبهوا خروجهم من أوربا إلى أمريكا، بخروج اليهود أيام موسى عليه السلام من مصر إلى فلسطين، حيث نظروا إلى أمريكا على أنها [بلاد كنعان الجديدة] أي فلسطين، ونظروا أيضًا إلى الهنود الحمر وهم سكان أمريكا الأصليين، على أنهم الكنعانيون العرب، وهم سكان فلسطين الأصليين، ولما كانت التوراة المحرفة تذكر أن اليهود قد أقاموا المجازر للكنعانيين لذا فقد فعل المهاجرون الشيء نفسه بالهنود الحمر.
كذلك فقد كان المهاجرون البروتستانت الأوائل يؤدون صلواتهم باللغة العبرية، ويطلقون على أبنائهم وبناتهم أسماء أنبياء، وأبناء وبنات بني إسرائيل، الوارد ذكرهم في التوراة، كما قاموا بفرض تعليم اللغة العبرية في مدارسهم.
وعندما أسسوا جامعة [هارفارد] عام 1636 كانت اللغة العربية هي اللغة الرسمية للدراسة في الجامعة وفي عام 1642م نوقشت أول رسالة دكتوراة في جامعة [هارفارد] وكان عنوانها [اللغة العبرية هي اللغة الأم] .
وفي عام 1776م اقترحت اللجنة المشكلة لتصميم شعار أمريكا أن يكون الشعار مستوحى من التوراة.
ومع تزايد الاهتمام باليهود قامت أمريكا في عام 1844م بفتح أول قنصلية لها في القدس، وهناك بدأت تقارير القنصل الأمريكي تتوالى على رؤسائه، وقد كانت تتمحور حول ضرورة التعجيل في جعل فلسطين وطنًا لليهود.
وفي عام 1891م قام أحد أبرز زعماء الصهيونية المسيحية في ذلك الوقت، وهو القس [ويليام بلاكستون] بعد عودته من فلسطين برفع عريضة على الرئيس الأمريكي [بنيامين هاريسون] دعاه فيها إلى الاقتداء بالإمبراطور الفارسي [قورش] الذي أعاد اليهود من السبي البابلي إلى فلسطين.
وكذلك قام القس [بلاكستون] بعد انعقاد المؤتمر الصهيوني اليهودي الأول عام 1897 بتوجيه انتقاده إلى زعيم المؤتمر [تيودور هرتزل] لأنه وجد منه تساهلًا في إقامة الدولة اليهودية في فلسطين.
وفي عام 1917م قام [بلفور] وزير خارجية بريطانيا بزيارة أمريكا من أجل التشاور بخصوص توطين اليهود في فلسطين، هذا وبضغط من الرئيس الأمريكي [ولسون] تم في آخر تلك السنة إعلان [وعد بلفور] الخاص بتوطين اليهود في فلسطين.