فهرس الكتاب

الصفحة 2263 من 3028

إننا جد ممتنون للعون القيم الذي قدموه لنا في حربنا ضد معاقل المدنية والمسيحية، استعدادًا لبلوغ مواقع السيطرة الكاملة في العالم]

وفي عام 1544م نشر [مارتن لوثر] أفكاره الصهيونية عن عودة اليهود إلى فلسطين بحجة التخلص منهم، حيث ذكر في كتابه [اليهود وأكاذيبهم] ما نصه: من الذي يحول دون اليهود وعودتهم إلى يهودا، لا أحد ... إننا سنزودهم بكل ما يحتاجون لرحيلهم النهائي، لا لشيء إلا لنتخلص منهم، إنهم عبء ثقيل علينا.

وهذا النص يعد على درجة من الخطورة لأنها المرة الأولى التي يدعو فيها قس نصراني إلى عودة اليهود إلى فلسطين بجهد وتدخل من البشر، وعدم ترك ذلك إلى قدر الله، وهو ما كان يؤمن به اليهود، حيث كانوا ينظرون إلى النبوءة الواردة في سفر التكوين من توراتهم المحرفة والمعلقة بزعمهم أن الله سبحانه وتعالى قد خاطب إبراهيم عليه السلام ووعده أنه سيعطي فلسطين لنسله، كانوا ينظرون إلى أن تحقيق تلك النبوءة متروك لقدر الله، وليس للبشر حق في التدخل لتحقيق هذه النبوءة.

وبذلك يكون [مارتن لوثر] أول من أطلق شرارة الصهيونية المسيحية والتي يعد ظهورها سابقًا على ظهور الصهيونية اليهودية بعدة قرون.

وبالمناسبة فإن الصهيونية حركة سياسية دينية تقوم على تدخل البشر في تحقيق النبوءة المزعومة عن عودة اليهود إلى فلسطين، وأما صهيون الذي اشتقت منه تسمية هذه الحركة فهو: اسم جبل في القدس، وقيل إنه من أسماء القدس.

الجذور التوراتية للسياسة البريطانية:

أما في إنكلترا فإن رياح التغيير ضد الكنيسة الكاثوليكية كانت قد بدأت في القرن الرابع عشر الميلادي في جامعة أكسفورد حيث قال: [إن الشعب الإنكليزي أحق من البابا ومن فرنسا بأمواله، إن البابوية تستغل ثروات شعبنا وتقدمها إلى فرنسا لتحاربنا بأموال الكنيسة، تحت إشراف المارقين من رجالها] .

لقد أدى تململ الشعب الإنكليزي من الكنيسة الكاثوليكية إلى تهيئة الأجواء أمام رياح التغيير البروتستانتية، لذلك فقد قام الملك الإنجليزي [هنري الثامن] في القرن السادس عشر الميلادي بعدة خطوات نتج عنها انفصال الكنيسة الإنكليزية عن التبعية للكنيسة الكاثوليكية، وبالتالي انتقال الكنيسة الإنكليزية من المذهب الكاثوليكي إلى المذهب البروتستانتي.

وهو ما عُبر عنه بقانون السيادة الذي صدر في عام 1534م والذي ينص على أن الملك هو الرئيس الأعلى للكنيسة، وأن الولاء هو للمك في سلطتيه الدنيوية والدينية.

وبمرور الوقت تمكن ساسة انجلترا من نشر المذهب البروتستاني بالقوة في كل من اسكتلندا، والجزء الشمالي من أيرلندا، وبذلك أصبحت بريطانيا المكونة من إنكلترا، واسكتلندا، وشمال أيرلندا [أقوى دولة بروتستانتية في غرب أوروبا] ..

على أية حال، فقد أدى انتقال بريطانيا من الكاثوليكية إلى البروتستانتية إلى تقديس التوارة، وبالتالي الإيمان المطلق بكل ما فيها، وفي ذلك تقول المؤرخة اليهودية [بربارا توقمان] في كتابها [الكتاب المقدس والسيف] : [إن ملك إنجلترا حينما أمر في عام 1538م بترجمة التوراة إلى اللغة الإنجليزية، ونشرها وإتاحتها للقراءة من قبل العامة، كان بذلك يضع اليهودية، تاريخًا وعادات وقوانين، لتكون جزءًا من الثقافة الإنجليزية، ولتصبح ذات تأثير هائل على هذه الثقافة على مدى القرون الثلاثة التالية، وصار يطلق على التوراة المترجمة، التوراة الوطنية لإنجلترا، والتي أصبح لها من التأثير في روح الحياة الإنجليزية أكثر من أي كتاب آخر، وذلك ما جعل قصص التاريخ اليهودي المادة الرئيسية في الثقافة الإنجليزية، والمعرفة التاريخية للإنجليز] .

وبالفعل فقد أدى ذلك الغزو الفكري التوراتي الجارف للبروتستانتية إلى قيام فكر صهيوني يعد امتدادًا لفكر [مارتن لوثر] الذي فسر نبوءة عودة اليهود إلى فلسطين بأنها عودة حقيقية مادية، وليست عودة مجازية معنوية كما كان يردد الكاثوليك.

ومن ذلك ما كان في عام 1649م حين رفع اثنان من علماء الأديان الإنجليز خطابًا إلى حكومتهم جاء فيه: [ليكن شعب إنجلترا أول من يحمل أبناء إسرائيل على سفنهم إلى الأرض التي وعد بها أجدادهم إبراهيم، وإسحاق، ويعقوب، لتكون إرثهم الأبدي] .

كذلك قام العالم الصهيوني إسحاق نيوتن بوضع جدول زمني للأحداث التي سوف تؤدي إلى عودة اليهود إلى فلسطين انطلاقًا من نبوءات العهد القديم.

هذا وقد توالت صيحات العلماء والأدباء والشعراء الذين اعتنقوا الصهيونية المسيحية بعد حركة الإصلاح الديني من أجل تدخل الحكومة البريطانية لإعادة اليهود إلى فلسطين، غير أن تلك الصيحات لم يتسن للساسة البريطانيين العمل على تطبيقها إلا في القرن التاسع عشر الميلادي، عندما بدأ الضعف يدب في أنحاء الدولة العثمانية، حيث تمكنت بريطانيا في عام 1838م من إنشاء أول قنصلية بريطانية في القدس لتكون بذلك مقدمة للهيمنة البريطانية على فلسطين، وفي ألسنة نفسها دعا وزير البحرية البريطانية الدول البروتستانتية في شمال أوروبا وأمريكا إلى الاقتداء بالإمبراطور الفارسي قورش الذي أعاد اليهود من السبي البابلي إلى فلسطين.

هذا ولعل أوجب ما حصل في القرن التاسع عشر الميلادي هو إشراف الصهيونية المسيحية البريطانية على ولادة الصهيونية اليهودية.

وهو ما تجسد في المؤتمر الصهيوني اليهودي الأول الذي انعقد في بال في سويسرا عام 1897م برئاسة [تيودور هرتزل] ، وذلك أن اليهود كانا يرفضون تدخل البشر في مساعدتهم من أجل استيطان فلسطين، ويتركون ذلك لمشيئة الله، ولكن الضغط المتواصل للصهيونية المسيحية أفلح أخيرًا في ولادة الصهيونية اليهودية قال تعالى: {سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ [44] وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ} [القلم:44ـ45] .

هذا وقد حاولت الصهيونية اليهودية شراء فلسطين من الدولة العثمانية, فذهب [تيودور هرتزل] في عام 1901م لمقابلة السلطان العثماني عبد الحميد الثاني رحمه الله، فتمكن من مقابلته بعد محاولات مضنية، وعرض عليه قيام اليهود بسداد جميع ديون الدولة العثمانية، مقابل السماح لهم بالاستيطان في فلسطين، لكن السلطان عبد الحميد الثاني رحمه الله رفض كل تلك الإغراءات وقال: [إن ديون الدولة ليست عارًا عليها، وإن بيت المقدس الشريف افتتحه سيدنا عمر رضي الله عنه، ولست مستعدًا أن أتحمل تاريخيًا وصمة بيع الأراضي المقدسة لليهود، وخيانة الأمانة التي كلفني المسلمون بالحافظ عليها .. ليحتفظ اليهود بأموالهم فالدولة العلية لا يمكن أن تحتمي وراء حصون بنيت بأموال أعداء الإسلام] .

بعد كل ما تقدم أيقن الصهاينة أن بقاء السلطان عبد الحميد الثاني في الحكم يعتبر أكبر عقبة في سبيل السيطرة على فلسطين، لذا فقد عملوا على خلعه بالتعاون مع طابور المنافقين من جمعية الاتحاد والترقي، فتم خلعه رحمه الله بمؤامرة صليبية يهودية في عام 1909م.

وعن أسباب ما حدث يقول السلطان عبد الحميد الثاني في رسالته إلى أحد [شيوخه] : [إنني لم أتخل عن الخلافة الإسلامية لسبب ما، سوى أنني ـ بسبب المضايقة من رؤساء جمعية الاتحاد، وتهديدهم ـ اضطررت، وأجبرت على ترك الخلافة الإسلامية، إن هؤلاء الاتحاديين قد أصروا، وأصروا علي بأن أصادق على تأسيس وطن قومي لليهود، في الأرض المقدسة فلسطين ورغم إصرارهم لم أقبل بصورة قطعية هذا التكليف.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت