فهرس الكتاب

الصفحة 2250 من 3028

تعرضت بلاد الأفغان على مر تاريخها لسلسلة متتابعة من الاعتداءات الخارجية وظلت حتى قرنين سابقين غير معروفة الحدود كما هو حالها الآن, وأجزاؤها موزعة بين الدول المجاورة, ولما تجمعت في شكلها الحالي وأعلن قيام دولة أفغانستان تعرض للهجوم الروسي ثم الهجوم الإنجليزي حتى ظهر البطل الكبير قائد الأفغان نادر خان الذي استطاع أن يقود المقاومة الشعبية لطرد الإنجليز من أفغانستان، وتسلم مقاليد الحكم 'أمان خان' الذي خاف من شهرة نادر خان وحب الناس له فعمل على إبعاده بأن عينه سفيرًا لبلاده بفرنسا, وبعدها أطلق أمان خان العنان لشهواته وسار على درب تقليد الغرب في كل شيء فاسد, وزاد نفوذ الإنجليز داخل البلاد وعمت الفوضى بالبلاد, وانتشرت الجريمة والسرقة والرشوة بالدواوين الحكومية, وزاد الطين بلة أن خرج أمان خان لرحلة طويلة لأوروبا وخرجت نساؤه سافرات متبرجات مما زاد في السخط الشعبي عليه داخل البلاد, وقابل أمان خان هذا السخط بمزيد من الانحلال والتحرر من قيود الشرع مما أدى إلى قيام ثورة داخل البلد المسلم المتدين, واستغل هذه الاضطرابات رجل قاطع طريق مشهور بالإجرام اسمه 'ابن السقا' وقفز على السلطة واستولى على الحكم، وفرَّ أمان خان خارج البلاد, وأخذ ابن السقا يعيث في البلاد فسادًا وبطانته تقطع الطريق وترتكب الجرائم ليل نهار طيلة تسعة شهور, وعندها أدرك 'نادر خان' خطورة الموقف في بلاده فعاد سريعًا للبلاد وقام بالقبض على ابن السقا وإعدامه جزاءًا وفاقًا على جرائمه وأصبح نادر خان زعيمًا على أفغانستان, فعمل على نشر العدل وإصلاح البلاد وأحوال العباد وقضى على المحسوبية والرشوة وأعاد الصبغة الإسلامية للبلاد وقضى على مظاهر التغريب التي نشرها أمان خان, وكانت نتيجة شدته على المفسدين والمجرمين أن تربص به أحد هؤلاء المجرمين واغتاله وهو بالعاصمة كابول ليقضي بذلك على حلم أفغانستان بقائد عظيم من طراز محمود بن سبكتكين وشهاب الدين الغوري .

محمد بن أمية ومولاي عبد الله: زعيمي ثورة الموريسكيين:

الموريسكيون هم مسلمو الأندلس الذين بقوا فيها بعد سقوطها بيد أسبانيا الصليبية وقد خدعتهم الوعود الكاذبة التي قطعها ملوك أسبانيا لهم بحسن المعاملة والتي ما لم تلبث حتى تبخرت وانقلبت حياة مسلمي الأندلس إلى الجحيم بعينه, فأجبروا على اعتناق النصرانية وتغيير هويتهم ولغتهم وصبغتهم بصبغة صليبية كاملة, وكل يوم كانت تخرج فرمانات وقرارات جديدة لمزيد من الإذلال والإخضاع ومع ذلك كان المسلمون ما زالوا يحتفظون بدينهم فيصلون ويصومون سرًا ويسمون أبناءهم بأسماء عربية, وهذا ما أغضب الرهبان والقساوسة بالكنيسة, حيث وجدوا أنفسهم عاجزين عن تحويل المسلمين عن دينهم وأرجعوا ذلك لتمسك المسلمين باللغة العربية, فأقنعوا الملك فيليب الثاني بإصدار قانون يحرم استخدام اللغة العربية وحتمية التكلم باللغة الإسبانية إضافة لتحريم حجاب المسلمات, فوقع هذا القانون على الموريسكيين كالصاعقة فتهامسوا على المقاومة والثورة ضد هذا الطغيان, وقبل أن تنطفئ آخر جذوة من الكرامة والعزة في قلوبهم وكانت منطقة جبل الشارات خير مكان لاندلاع الثورة, ودوت صيحة الحرب القديمة وأعلن الموريسكيون استقلالهم واختاروا لقيادة الثورة محمد بن أمية سليل الخلفاء السابقين للأندلس, وأقسم محمد بن أمية أن يموت فداءً لدينه وأمته, وانقض الثوار المسلمون على الصليبيين في أنحاء غرناطة وما حولها يقتلون من يصلون إليه خاصة القساوسة الذين كانوا أشد الناس حقدًا على المسلمين, وامتدت ثورة الموريسكيين في أنحاء الأندلس كلها, واشتبكت قوات الثوار مع الجيوش الأسبانية عدة مرات كان فيها الأسبان يفتكون بالأسرى ويقتلون النساء والأطفال بأشنع طريقة, وتعرض الثوار لعدة هزائم ولكنها لم تفت في عضدهم خاصة أن الأسبان الصليبيين قد ارتكبوا عدة مجازر في النساء والأسرى مما أدى لإشعال الثورة أكثر من ذي قبل, وزادت أعداد الثوار وانضم الكثير من المجاهدين المغاربة لنصرة إخوانهم ومعهم فرقة من العثمانيين, وهكذا عاد النضال إلى أشده وزادت قوة الثورة, وخافت أسبانيا الصليبية بشدة، وعُزل قائد جيوش الصليبيين لتهاونه في القتال, ووسط تلك الآمال الجديدة المشرقة التي تنبئ بعودة المجد المسلوب والملك المفقود يقتل محمد بن أمية!

كيف ذلك؟ عن طريق الخيانة والغدر والشهوات عن طريق النساء والفواحش, ذلك أن محمد بن أمية كان بحكم منصبه الخطير شديد الصرامة والحسم, مما أثار الحقد في نفوس بعض ضباطه الذين أعمتهم الشهوات ومن هؤلاء ضابط اسمه 'الوزير' وكان له عشيقة حسناء تصحبه في القتال فلم يعجب هذا الأمر القائد محمد بن أمية, فانتزع تلك الغانية المجرمة من معسكر الجيش وطردها منه, فكيف يجاهد رجل في سبيل الله وله عشيقة وخليلة, مما أثار حقد هذا الضابط الفاسق فسعى لاغتيال ابن أمية بالمكر والخديعة فزور كتابًا على لسان ابن أمية إلى القائد العام 'ابن عبو' يحرضه على التخلص من الجنود العثمانيين وقتلهم جميعًا, فعندما علم العثمانيون بذلك ثارت ثائرة بعضهم وانقضوا على ابن أمية وقتلوه بالرغم أنه قد أعلن لهم براءته من ذلك, ولكنه راح ضحية الغدر والخيانة من فاسق مجرم وغانية عاهرة.

تولى مكانه ابن عمه 'مولاي عبد الله ابن عبو' وكان مثله في الجهاد والذكاء والشجاعة فأحسن قيادة الثوار وأوقعوا بالأسبان عدة هزائم متتالية, وحاول الأسبان استخدام الحيلة والمكر فأغروا أحد قواد الثورة واسمه 'الحبقي' بقبول الصلح والعفو, فلم يعجب هذا الأمر قائد الثورة الذي شعر بنوع من التخاذل والخيانة من 'الحبقي' فأعدمه وواصل الجهاد ضد الأسبان رغم الهزائم العديدة التي وقعت على الثورة, وأصبح مولاي عبد الله هو كابوس أسبانيا الصليبية المرعب, فعملوا على التخلص منه غدرًا وخيانة وبحثوا عن الخائن المناسب للقيام بهذا الدور الخبيث فوجدوا ضالتهم في ضابط مغربي اسمه 'الشنيش' وكان يحقد على القائد لأنه منعه من الفرار إلى المغرب وأغدق الأسبان له المنح والوعود والأموال إذا استطاع أن يسلمهم إياه حيًا أو ميتًا, وكان الإغراء قويًا مثيرًا فدبر هذا الضابط الخائن خطة لاغتيال القائد, وفي ذات يوم فاجأه مع شرذمة من أصحابه فقاوم مولاي عبد الله قدر استطاعته ولكنه سقط أخيرًا مثخنًا بجراحه فألقى الخونة جثته من فوق الصخور لكي يراها الجميع, ثم حملها الأسبان إلى غرناطة وهناك استقبلوها في حفل ضخم، ورتبوا موكبًا أركبت فيه الجثة مسندة إلى بغل وعليها ثياب كاملة كأنما هي إنسان حي ومن ورائها أفواج كثيرة من أسرى المسلمين ثم حملت الجثة إلى النطع وأجري فيها حكم الإعدام فقطعت الرأس ثم جرت في شوارع غرناطة مبالغة في التمثيل والنكال, ثم مزقت أربعًا وأحرقت بعد ذلك في الميدان الكبير ووضع الرأس في قفص من الحديد رفع فوق سارية في ضاحية المدينة تجاه جبال الشارات حيث اندلعت الثورة.

السلطان العثماني عبد العزيز:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت