كان من النتائج الطيبة لاهتمام الوزير الكبير 'نظام الملك' بالعلم والمدارس واستعمال الصالحين ذوي الكفاية استعمال الأمير عماد الدين زنكي بن آمد سنقر على ولاية الموصل بإيعاز من القاضي بهاء الدين الشهرزوري , فإن عماد الدين عن كفاية وحزم أحدث طورًا كبيرًا في الجهاد الإسلامي والذي تبلور في أسمى صوره في عهد ولده نور الدين وخليفته صلاح الدين, ولقد استطاع عماد الدين أن يوحد أقاليم الجزيرة في فترة وجيزة لأن الجهاد الصحيح لا يكون إلا من صف واحد وليس من صف ممزق وأهواء متباينة, وخاض عماد الدين معارك هائلة ضد الصليبيين وأخذ منهم حصونًا كثيرة مثل حصن الأثارب وقلعة حارم, وقوى المسلمون بتلك الأعمال وتوج عماد الدين أعماله بفتح مدينة الرها سنة 539هـ وكانت أقدس مدينة عند الصليبيين وذلك بعد حصار طويل وخدعة حربية ذكية جدًا حتى أنه قد رؤي له منامات صالحة بأن الله عز وجل قد غفر له بفتح الرها, واستطاع عماد الدين أن يخلي منطقة الجزيرة 'الواقعة بين الشام والعراق جهة الشمال' من حكم الصليبيين وشرهم.
ولكن ماذا جرى أثناء تلك الرحلة؟ فجأة ودون أسباب معروفة يقتل عماد الدين وهو يحاصر قلعة 'جعبر' التي تقع على نهر الفرات, حيث عثر عليه قتيلًا في خيمته, فمن قتله وكيف تم ذلك؟ لا أحد يعرف سوى أنه عثر عليه قتيلًا، وقطعًا لا يقتل هذا الرجل الذي أعاد للإسلام كثيرًا من بلاده الأسيرة إلا عدوًا حاقدًا على الإسلام وأهله.
الملك المظفر سيف الدين قطز قاهر التتار:
أجمع المؤرخون لتاريخ الأمة الإسلامية أن حادثة اكتساح التتار لبغداد وما جرى فيها من فواجع وأهوال أسفرت عن قتل أكثر من مليون مسلم ومسلمة ومعهم الخليفة العباسي المستعصم وإسقاط الخلافة الإسلامية هو أسوأ ما تعرض له الإسلام والمسلمون في القرون الوسطى وأنها الحادثة العظمى والفاجعة الكبرى التي ظن معها الكثير أنها نهاية العالم، وأفول لنجم الأمة الإسلامية والفناء الأكيد لأمة التوحيد خاصة أن هؤلاء التتر قد انساقوا كالوحوش الضارية يجتاحون أمامهم كل شيء ويقتلون الكبير والصغير بغرض إفناء النوع البشري بأسره, وكانت أحوال البلاد المسلمة وقتها لا تنبئ بظهور قوة ستقف وتردع هؤلاء البرابرة المتوحشين.
حتى ظهر البطل الكبير سيف الدين قطز الذي كان مملوكًا عند السلطان أيبك سلطان مصر, ولم يلبث أيبك إلا أن قتل على يد زوجته شجرة الدر التي قتلت قصاصًا بزوجها, وأصبح الأمير علي بن أيبك هو سلطان مصر في الوقت الذي اكتسح فيه التتر بلاد الشام بعد العراق وأصبحوا على أعتاب مصر, وعندها شعر قطز بخطورة الموقف وحداثة سن الأمير علي بن أيبك فقرر المبادرة وعزل علي بن أيبك من منصبه وذلك بعد مشورة العلماء أمثال العز بن عبد السلام وابن النديم , وتولى هو زمام الأمور ووحد الصفوف وجهز الجيوش واستعان بالعلماء والأمراء والصالحين لتهيئة الجند لحرب مقدسة ضد أعداء الإنسانية عامة والإسلام خاصة.
ولم ينتظر حتى يأتي التتر إليه بل أخذ منهم زمام المبادرة وخرج هو للقائهم وكان الصدام الرهيب عند منطقة عين جالوت سنة 658هـ وظهرت بطولات نادرة من القائد البطل قطز حتى أنه كان يقاتل مترجلًا وعرَّض نفسه للشهادة عدة مرات واستطاع أن يقود المسلمين لانتصار هائل على التتر ليكسر بذلك أسطورة التتر الذين لا يهزمون, وكانت هذه الهزيمة سببًا لانتهاء تلك الحملات الوحشية ورادعًا قويًا للتتر فانكفؤوا على أنفسهم سنوات طويلة.
ثم عاد هذا البطل المظفر إلى مصر, وفي الطريق يقتل هذا القائد الشجاع الذي لم يستطع التتر النيل منه في الميدان وجهًا لوجه, يقتل على يد الحاسدين والحاقدين من طلاب الدنيا وعبَّاد المناصب الذين امتلأت قلوبهم غلًا وحقدًا وحسدًا على المجد الرائع الذي ناله هذا البطل الكبير... ليغتالوا بذلك حلم الأمة في قائد رباني يحسن التفكير والتدبير ويقدر المسئولية ويعمل للتمكين لهذا الدين وهذه الأمة.
القائد العظيم شهاب الدين الغوري قاهر الهندوس:
هناك أبطال وقادة كبار في تاريخ هذه الأمة كان لهم الأيادي البيضاء والإنجازات العظيمة على الصعيدين الداخلي والخارجي، من هؤلاء القائد العظيم شهاب الدين الغوري الذي كان له الفضل الكبير في فتح بلاد الهند وإرساء قواعد أول دولة مسلمة بالهند, وسار على نفس الدرب الذي سار عليه محمد بن القاسم ومن بعده محمود بن سبكتكين, ولكن شهاب الدين الغوري تميز عنهما أنه نقل عاصمة ملكه من بلاد الغور 'أفغانستان' إلى داخل الهند, وجعل عاصمته مدينة 'دلهي' واستطاع أن يقمع زعماء الهندوس ويحطم أصنامهم ويدمر معابدهم وينشر دين الإسلام بينهم, هذا بالإضافة إلى محاربته للمبتدعين والزنادقة في بلاده.
وبلغ من شده حبه للجهاد ونصرة الدين أنه لما هُزم على يد أحد قادة الهند في إحدى المعارك آلى على نفسه ألا يتلذذ بالنساء ولا ينام على البُسُط حتى ينتقم من هذا الكافر عابد البقر, وظل يجهز الجيوش حتى أعاد الكرة وانتصر عليه نصرًا هائلًا, واستمر شهاب الدين طوال حياته في جهاد وغزو وفتح ونصر ودين ودعوة حتى ضاقت الأرض على أعداء الإسلام ولم يستطيعوا أن ينالوا منه في ميادين القتال المكشوفة لبطولته وشجاعته الباهرة, فعملوا على اغتيال بطل الأمة في الظلام وفي إحدى رحلاته الجهادية دخلت عليه مجموعة من الهندوس الكفرة الذين تسللوا وانضموا لجيشه لتنفيذ مخططهم الخبيث, ودخلوا عليه خيمته وهو يصلي قيام الليل الذي لم يكن يتركه في سفر ولا حضر وقاموا باغتياله تحت جنح الظلام الذي يناسب ظلام جريمتهم بحق أمة الإسلام وذلك في 1 شعبان سنة 602هـ.
القائد نادر خان بطل الأفغان: